محررو لقطة AI – 13
19 أغسطس 2026
لم يحملوا حقائب، ولم يغلقوا أبواب منازلهم كما يفعل المسافرون. خرجوا مسرعين بما على أجسادهم من ثياب، يحمل بعضهم أطفالاً أنهكهم البكاء، ويسند آخرون شيوخاً لم تعد أرجلهم تقوى على السير. خلفهم كانت أصوات القصف تقترب، وأمامهم طريق طويل تغمره مياه الأمطار وينتهي عند نهر مرتفع المنسوب، لا يملك العابرون فيه سوى مراكب تقليدية هشة وأمل ضعيف في النجاة.
هكذا بدأت رحلة آلاف المدنيين الفارين من محافظة قيسان بإقليم النيل الأزرق جنوب شرقي السودان، عقب التصعيد العسكري الذي اندلع في 11 أغسطس، ودخول قوات الدعم السريع والقوات المتحالفة معها إلى المدينة ومناطق محيطة بها.
في ساعات قليلة، تحولت البيوت التي أمضى سكانها سنوات في بنائها إلى أماكن مهجورة، وأصبحت الطرق والمسارات الزراعية التي كانت تعج بالحركة ممرات للنزوح، فيما اتجهت الأسر نحو المناطق التي اعتقدت أنها أكثر أمناً، من بينها محافظة ود الماحي والروصيرص ومناطق أخرى داخل الإقليم.
خروج بلا وداع
لم يكن أمام سكان قيسان والقرى المجاورة وقت كافٍ لاتخاذ قرار مدروس. فالتطورات العسكرية كانت أسرع من قدرتهم على الاستيعاب، والمعلومات التي وصلت إليهم متضاربة، بينما كانت أصوات المدافع والاشتباكات تخبرهم بأن البقاء قد يعني الموت.
خرجت أسر كاملة من منازلها من دون أن تحمل سوى كميات محدودة من المياه وبعض الأطعمة، بينما لم يتمكن آخرون من أخذ أي شيء. كثيرون تركوا مواشيهم ومحاصيلهم ومدخراتهم ووثائقهم الشخصية، ولم يعرفوا ما إذا كانوا سيعودون قريباً أم أن رحلة النزوح ستتحول إلى اقتلاع طويل جديد.
وبين الفارين نساء حوامل وأمهات يحملن أطفالاً رضعاً، ومرضى يحتاجون إلى أدوية منتظمة، وكبار سن لا يستطيعون السير لمسافات طويلة. ولم تكن هناك مركبات كافية لنقلهم، كما ارتفعت تكلفة وسائل النقل المتاحة إلى مبالغ لا تملكها غالبية الأسر.
لذلك، لم يكن المشي خياراً، بل الوسيلة الوحيدة للنجاة.
حفاة وسط الطين
تزامنت موجة النزوح مع ذروة موسم الأمطار في إقليم النيل الأزرق، حيث تحولت الطرق الترابية إلى مساحات من الطين والوحل، وامتلأت الخيران بالمياه، وأصبحت المسارات المعتادة شديدة الخطورة.
سار النازحون لساعات طويلة تحت الأمطار والرياح، بعضهم حفاة، وبعضهم يرتدي أحذية ممزقة لا تصلح لعبور تلك المسافات. وكان الأطفال يسقطون من شدة الإرهاق، فيما اضطرت الأمهات إلى حملهم فوق ظهورهن ومواصلة السير.
ولم تكن هناك نقاط منظمة لتقديم المياه أو الغذاء، ولا فرق طبية تسعف المرضى والجرحى، ولا مراكز استقبال مجهزة لاستيعاب الأعداد المتزايدة. تحولت ظلال الأشجار وأطراف القرى والمدارس المحدودة إلى محطات مؤقتة تستريح فيها الأسر قبل مواصلة الرحلة.
في تلك المسارات، لم يكن الخوف من القصف وحده هو ما يطارد الفارين. كان الجوع والعطش والمرض ولدغات الحشرات واحتمال الضياع في الطرق المغمورة بالمياه أخطاراً لا تقل قسوة عن أصوات السلاح.
أداسي.. محطة بين نارين
تركزت حركة النزوح في المناطق الشرقية من قيسان، خصوصاً منطقة أداسي والقرى المجاورة لها. ووصلت أعداد من الفارين إلى المنطقة على أمل العبور نحو كمبال، الواقعة على الضفة الشرقية في محافظة ود الماحي.
لكن الوصول إلى أداسي لم يكن نهاية الرحلة، بل بداية مرحلة أكثر خطورة. فقد وجد النازحون أنفسهم أمام مياه النيل الأزرق المرتفعة، في وقت كانت فيه الأمطار والرياح تجعل العبور بالمراكب التقليدية مغامرة غير مأمونة.
تجمعت الأسر على الضفاف في انتظار دورها، من دون مظلات تقيها الأمطار أو أماكن مناسبة للنوم. واضطر بعض النازحين إلى قضاء ساعات طويلة، وربما ليالٍ كاملة، في العراء قبل العثور على مركب ينقلهم إلى الجانب الآخر.
وفي ظل غياب تنظيم رسمي كافٍ لعمليات العبور، أصبحت سلامة النازحين مرتبطة بخبرة أصحاب المراكب وحالة الطقس وقدرة القوارب على تحمل أعداد الركاب.
عبور الموت إلى كمبال
صعد الأطفال والنساء وكبار السن إلى مراكب صغيرة لا تناسب في كثير من الأحيان عدد الركاب أو قوة التيارات. جلسوا متلاصقين، يحملون ما استطاعوا إنقاذه من متاع، بينما بدت المياه المضطربة من حولهم كأنها امتداد آخر للحرب التي فروا منها.
لم تكن سترات النجاة متاحة للجميع، ولم توجد فرق إنقاذ على امتداد نقاط العبور، رغم ارتفاع منسوب المياه وشدة الرياح. وكان أي خلل في المركب أو حركة مفاجئة من الركاب كفيلاً بتحويل رحلة النجاة إلى كارثة.
ورغم الخطر، لم يكن التراجع ممكناً. فخلف النازحين مناطق تشهد مواجهات عسكرية، وأمامهم ضفة يأملون أن تمنحهم قدراً من الأمان. ولذلك ركبوا الأمواج مدفوعين بالخوف، لا بالثقة في سلامة الطريق.
ومن يصل إلى منطقة كمبال لا يجد بالضرورة نهاية لمعاناته. فالمناطق المستقبلة تفتقر بدورها إلى المراكز المجهزة والخدمات الكافية، ولا تستطيع المجتمعات المحلية محدودة الموارد استيعاب آلاف الفارين من دون دعم إنساني عاجل.
الجسر الذي قطع الطريق
زادت معاناة السكان بعد تدمير الجسر الرابط بين قريتي بكوري وأمورا، والمقام فوق خور تمت في محافظة قيسان. ويُشار إليه في بعض الروايات باسم «جسر بكوري»، وفي أخرى باسم «جسر خور تمت»، لكن الحديث يدور عن المعبر نفسه، وليس عن جسرين منفصلين.
ويمثل الجسر شرياناً رئيسياً يربط المنطقة بمدينة الدمازين ويسمح بمرور المواطنين والبضائع ووسائل النقل، ولا سيما خلال موسم الخريف عندما ترتفع مناسيب الخيران وتتعذر الاستعاضة عنه بالطرق الترابية.
ووفق إفادات سكان محليين، تعرض الجسر للقصف في إطار العمليات الرامية إلى إبطاء تقدم قوات الدعم السريع والقوات المتحالفة معها نحو عمق الإقليم. غير أن تعطيل المعبر لم يقتصر أثره على التحركات العسكرية، بل عزل قرى واسعة وقيّد حركة المدنيين وسيارات الإسعاف والإمدادات التجارية والإنسانية.
وبينما تنظر الأطراف العسكرية إلى الجسور والطرق بوصفها خطوط إمداد وممرات لتحريك القوات، يراها المدنيون طرقاً للحياة والنجاة. وعندما تُدمر، يصبح السكان محاصرين بين مناطق القتال والخيران الممتلئة بالمياه.
النهب بعد النزوح
لم تتوقف معاناة سكان قيسان عند مغادرة منازلهم. فقد تحدثت تقارير محلية وإفادات حقوقية عن تعرض سوق المدينة وعدد من المنازل لأعمال نهب وسرقة عقب دخول قوات الدعم السريع.
كما أوردت مجموعة «محامو الطوارئ» معلومات عن انتهاكات تعرض لها مدنيون ونازحون، بينها استهداف بعض الفارين ووقوع اعتداءات أثناء رحلة النزوح أو بعد الوصول إلى مناطق التجمع.
وحمّلت المجموعة قوات الدعم السريع مسؤولية الانتهاكات المنسوبة إلى عناصرها أو القوات التابعة لها، وطالبت بإجراء تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين. ومع ذلك، تظل صعوبة الوصول إلى مناطق العمليات وانقطاع الاتصالات عائقاً أمام التحقق المستقل من جميع الوقائع وتحديد حجم الخسائر بصورة نهائية.
لكن شهادات الفارين تتقاطع عند حقيقة واحدة: الناس غادروا بسبب الخوف على حياتهم، وكثيرون منهم لا يعرفون ماذا تبقى من بيوتهم وممتلكاتهم.
أرقام لا تحكي القصة كاملة
تتباين تقديرات أعداد النازحين باختلاف الفترات الزمنية والمناطق التي شملها الرصد. فقد قدرت المنظمة الدولية للهجرة نزوح 5,355 شخصاً، يمثلون 1,071 أسرة، من مدينة قيسان وسبع قرى خلال أربعة أيام، بين 12 و15 أغسطس.
في المقابل، تحدثت مجموعة «محامو الطوارئ» عن فرار نحو 12 ألف شخص من قيسان ومحيطها، بينما أشارت تقديرات حقوقية ومحلية أوسع إلى أن العدد التراكمي للنازحين من المحافظة والقرى المحيطة بها قد يصل إلى نحو 40 ألف شخص خلال أسبوع.
ولا يعني اختلاف الأرقام بالضرورة أن إحداها غير صحيحة، إذ تغطي كل جهة نطاقاً جغرافياً وفترة زمنية مختلفين، كما أن استمرار النزوح وصعوبة الوصول إلى القرى الحدودية يجعلان عملية الحصر أكثر تعقيداً.
ويُرجح أن تكون هناك أسر لم تُسجل في أي إحصاء، خصوصاً تلك التي لجأت إلى أقاربها أو استقرت مؤقتاً في قرى نائية أو ما تزال عالقة في الطرق وعلى ضفاف النهر.
لكن خلف كل رقم عائلة فقدت بيتها، وطفل نام جائعاً، وامرأة قطعت الطريق تحت المطر، ومريض ترك دواءه في منزل قد لا يستطيع العودة إليه.
ود الماحي.. ملاذ مثقل بالأزمة
أصبحت محافظة ود الماحي واحدة من الوجهات الأساسية للفارين من شرق قيسان، لكنها ليست مستعدة لاستقبال موجة نزوح بهذا الحجم.
تعتمد المنطقة على إمكانات محدودة، وتعاني مرافقها الصحية والتعليمية والخدمية أصلاً من نقص الموارد. ومع وصول مئات الأسر، تتصاعد الحاجة إلى الغذاء ومياه الشرب والمأوى والدواء ودورات المياه ومواد الحماية من الأمطار.
فتح سكان المناطق المستقبلة منازلهم وساحاتهم للنازحين، وتقاسموا معهم ما يملكون من طعام ومياه، لكن المبادرات المحلية لا تستطيع وحدها مواجهة أزمة قد تستمر وتتسع إذا لم تتوقف المعارك.
كما أن تجمع أعداد كبيرة من السكان في بيئة تفتقر إلى المياه النظيفة والصرف الصحي يرفع خطر انتشار الإسهالات المائية والملاريا وأمراض الجهاز التنفسي، خصوصاً بين الأطفال والحوامل وكبار السن.
ويخشى العاملون في المجال الإنساني من أن تتحول نقاط النزوح المؤقتة إلى تجمعات دائمة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، كما حدث في مناطق أخرى من السودان.
احتياجات لا تنتظر
تحتاج الأسر الواصلة إلى ود الماحي والمناطق المجاورة بصورة عاجلة إلى الغذاء الجاهز، ومياه الشرب، والأغطية والمشمعات الواقية من الأمطار، والأدوية الأساسية، والرعاية الصحية للحوامل والأطفال والمرضى.
كما تبرز ضرورة إنشاء نقاط عبور آمنة ومنظمة، وتوفير مراكب مناسبة وسترات نجاة وفرق إنقاذ، إلى جانب مراقبة منسوب المياه وحركة الرياح لمنع وقوع حوادث جماعية.
أما على الطرق البرية، فالحاجة ملحة إلى فتح ممرات آمنة تسمح بخروج المدنيين ووصول سيارات الإسعاف والمنظمات الإنسانية، مع ضمان عدم استخدام تجمعات النازحين أو مسارات فرارهم لأغراض عسكرية.
وطالبت منظمات المجتمع المدني والجهات الحقوقية جميع أطراف النزاع باحترام القانون الدولي الإنساني، والامتناع عن استهداف المدنيين، وحماية الممتلكات والأسواق، والسماح بوصول المساعدات من دون قيود.
المدنيون يدفعون ثمن الخرائط العسكرية
في غرف العمليات، تُقرأ قيسان باعتبارها موقعاً حدودياً استراتيجياً، ويُنظر إلى بكوري وأمورا وخور تمت بوصفها نقاط عبور وخطوط إمداد. أما بالنسبة إلى السكان، فهي القرى التي ولدوا فيها، والأسواق التي يعملون بها، والطرق التي توصل أبناءهم إلى المدارس والمستشفيات.
ذلك هو الفارق بين خريطة الحرب وحياة الناس.
يمكن لطرف عسكري أن يعلن السيطرة على منطقة، ويمكن للطرف الآخر أن يقصف جسراً لتعطيل تقدمه، لكن النتيجة المباشرة تقع على المدني الذي يفقد منزله وطريقه ومصدر رزقه في اللحظة نفسها.
ومع تمدد القتال في إقليم النيل الأزرق، يخشى السكان أن تتحول موجة النزوح الحالية إلى بداية اقتلاع أوسع يشمل قرى ومناطق أخرى، وأن تنتقل المأساة من قيسان إلى الروصيرص والدمازين إذا استمر التصعيد.
رحلة لم تنتهِ عند الضفة
الوصول إلى كمبال أو ود الماحي لا يعني أن رحلة النازحين انتهت. لقد ابتعدوا عن أصوات القصف، لكنهم دخلوا في مواجهة أخرى مع الجوع والمرض والعري وفقدان المستقبل.
لا يعرفون متى يعودون، ولا ما إذا كانت منازلهم ما تزال قائمة، ولا كيف سيبدأون حياتهم من جديد إذا طال النزوح. كل ما يعرفونه أنهم نجوا اليوم، وأن عليهم البحث غداً عن وجبة لأطفالهم ومكان يحميهم من المطر.
من جحيم قيسان إلى ضفاف ود الماحي، لم تكن الرحلة انتقالاً بين منطقتين، بل عبوراً بطيئاً بين أشكال متعددة من الخوف. فرّ المدنيون من الرصاص، فوجدوا أمامهم الطين والجوع والنهر الهائج. وعندما وصلوا إلى الضفة الأخرى، اكتشفوا أن النجاة من الموت لا تعني دائماً الوصول إلى الحياة.
لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات