×

بعد أشهر من الجمود..

بعد أشهر من الجمود..

هل تقترب الحرب السودانية من لحظة سياسية جديدة؟

في الوقت الذي لا تزال فيه أصوات السلاح تتردد في أجزاء واسعة من السودان، بدأت في المقابل مؤشرات سياسية جديدة تفرض نفسها على المشهد. تحركات دبلوماسية إقليمية ودولية، لقاءات ومشاورات بين أطراف سودانية متعددة، وتصريحات تتحدث عن ضرورة الانتقال من منطق الحرب إلى البحث عن تسوية سياسية قابلة للحياة.

ورغم أن السودان شهد خلال العامين الماضيين عشرات المبادرات والوساطات التي لم تنجح في إيقاف الحرب بصورة نهائية، فإن الحراك السياسي الأخير يثير تساؤلات مهمة حول ما إذا كانت الأزمة السودانية تقترب بالفعل من منعطف جديد، أم أن الأمر لا يتجاوز جولة إضافية من المشاورات التي قد تنتهي إلى المصير نفسه الذي انتهت إليه محاولات سابقة.

مشهد مختلف عن البدايات

عندما اندلعت الحرب، كانت الحسابات السياسية والعسكرية مختلفة تماماً عما هي عليه اليوم. فقد دخلت الأطراف المتصارعة المعركة وهي تعتقد أن الحسم العسكري قد يكون ممكناً خلال فترة قصيرة. لكن مرور الوقت كشف أن الصراع أكثر تعقيداً من أن يُحسم بالقوة وحدها.

ومع استمرار المواجهات واتساع آثارها الإنسانية والاقتصادية، بدأت تتشكل قناعة متزايدة لدى أطراف إقليمية ودولية بأن استمرار الحرب يهدد ليس فقط استقرار السودان، بل أيضاً استقرار منطقة تمتد من البحر الأحمر إلى القرن الإفريقي ودول الجوار المباشر.

لماذا عاد الحراك السياسي الآن؟

هناك عدة عوامل تفسر عودة النشاط الدبلوماسي حول الملف السوداني.

أولها أن الحرب دخلت مرحلة استنزاف طويلة أرهقت الجميع دون أن تنتج حلاً نهائياً. وثانيها تنامي المخاوف من التداعيات الإنسانية والاقتصادية المتفاقمة. أما العامل الثالث فيتمثل في رغبة القوى الإقليمية والدولية في منع تحول السودان إلى بؤرة صراع مفتوحة يصعب احتواؤها مستقبلاً.

كما أن التحولات التي شهدتها ملفات إقليمية أخرى خلال الأشهر الماضية دفعت عدداً من العواصم إلى إعادة ترتيب أولوياتها، وهو ما أعاد الملف السوداني إلى دوائر الاهتمام السياسي والدبلوماسي.

عقبات أمام أي تسوية

ورغم أهمية الحراك الحالي، فإن الطريق نحو تسوية سياسية لا يزال مليئاً بالتحديات.

فالأزمة السودانية لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين، بل أصبحت أزمة دولة ومؤسسات واقتصاد ومجتمع. كما أن تعدد الفاعلين السياسيين والعسكريين والمدنيين يجعل الوصول إلى صيغة توافقية أكثر تعقيداً.

وتبقى قضية الثقة واحدة من أكبر العقبات، إذ إن سنوات الصراع والانقسامات المتراكمة خلقت فجوة عميقة بين مختلف الأطراف، وهو ما يجعل أي اتفاق محتمل بحاجة إلى ضمانات وآليات تنفيذ واضحة وقابلة للتحقق.

ماذا يريد السودانيون؟

بعيداً عن حسابات القوى السياسية والعسكرية، يبدو أن المزاج العام لدى قطاع واسع من السودانيين يتجه نحو البحث عن مخرج يوقف نزيف الحرب ويعيد الحد الأدنى من الاستقرار.

فالمواطن الذي أنهكته الهجرة والنزوح وارتفاع تكاليف المعيشة وانهيار الخدمات الأساسية لا يبحث عن انتصار سياسي لطرف على آخر بقدر ما يبحث عن نهاية لحالة عدم اليقين التي أصبحت جزءاً من الحياة اليومية.

وهذا ما يمنح أي مسار سياسي محتمل أهمية إضافية، لأنه لا يتعلق فقط بإعادة ترتيب السلطة، بل بإعادة بناء الأمل في مستقبل يمكن العيش فيه.

بين التفاؤل والحذر

من المبكر الحديث عن اختراق سياسي حاسم أو اقتراب نهاية الحرب. فالتجارب السابقة تدعو إلى الحذر أكثر من التفاؤل. لكن في الوقت نفسه، فإن استمرار الجمود ليس قدراً محتوماً، خصوصاً في ظل المتغيرات التي تشهدها الساحة الإقليمية والدولية.

لذلك يمكن القول إن السودان يقف اليوم أمام لحظة اختبار جديدة. فإما أن تتحول التحركات السياسية الحالية إلى مسار جاد يفتح الباب أمام تسوية تدريجية للأزمة، أو أن تبقى مجرد محطة أخرى في سلسلة طويلة من المبادرات التي لم تنجح في تغيير الواقع على الأرض.

وبين هذين الاحتمالين، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تقترب الحرب السودانية من لحظة سياسية جديدة، أم أن الطريق نحو السلام أطول مما يتمناه السودانيين .

إرسال التعليق

You May Have Missed