محررو لقطة AI
٢٨ أغسطس 2026
ألغت سلطات ولاية الخرطوم حظر التجوال وحالة الطوارئ المرتبطة به، منهية واحداً من أبرز القيود الأمنية التي صاحبت سنوات الحرب في العاصمة، بالتزامن مع إصدار قرار آخر يمنع دخول الأجانب إلى الولاية عبر وسائل النقل المختلفة ما لم يحملوا تأشيرات دخول سارية المفعول.
وأعلنت لجنة شؤون أمن ولاية الخرطوم، عقب اجتماع برئاسة والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة، إلغاء أمر الطوارئ رقم (3) لسنة 2024 الذي فُرضت بموجبه حالة الطوارئ وحظر التجوال، مؤكدة أن المواطنين أصبح بإمكانهم التحرك والعمل في جميع الأوقات.
ولا يعني إلغاء الحظر انتهاء الإجراءات الأمنية في العاصمة، إذ أكدت اللجنة استمرار الارتكازات والأطواف الأمنية المشتركة، ودعت المواطنين الذين يتحركون خلال ساعات الليل المتأخرة إلى حمل مستندات تثبت هوياتهم.
ويحمل القرار دلالة تتجاوز حرية الحركة نفسها؛ فالخرطوم التي عاشت منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 تحت قيود أمنية واسعة تحاول الآن الانتقال تدريجياً من إدارة مدينة حرب إلى استعادة إيقاع العاصمة الطبيعي، بالتزامن مع عودة أعداد كبيرة من السكان وفتح الأسواق والمؤسسات واستعادة بعض الخدمات.
وكان حظر التجوال قد فُرض بصيغته المرتبطة بأمر الطوارئ الحالي في مايو 2024، ثم عُدلت ساعاته أكثر من مرة مع تغير الوضع الميداني. وفي 13 أغسطس الجاري، كانت لجنة الأمن قد أخرت بداية الحظر من الحادية عشرة مساءً إلى منتصف الليل، قبل أن تقرر الآن إلغاءه بالكامل.
فتح الحركة.. لكن الأمن يبقى في الشوارع
قرار الإلغاء يمثل رسالة من سلطات الولاية بأنها ترى أن الوضع الأمني داخل الخرطوم تحسن بما يسمح بإنهاء القيود العامة على الحركة.
لكن استمرار نقاط التفتيش والدوريات المشتركة وطلب حمل إثبات الهوية ليلاً يكشف في الوقت نفسه أن العاصمة لم تنتقل بعد إلى وضع أمني طبيعي بالكامل.
وهذا التوازن مهم في قراءة القرار: الحظر انتهى، لكن التدابير الأمنية لم تنتهِ.
ومن الناحية الاقتصادية، قد يكون للقرار أثر مباشر على النشاط داخل العاصمة. فحرية الحركة ليلاً تسمح للمطاعم والمتاجر ووسائل النقل وغيرها من الأنشطة بتمديد ساعات عملها، وهو أمر يكتسب أهمية في مدينة تحاول إعادة بناء دورة اقتصادية تضررت بشدة خلال سنوات القتال.
كما يتقاطع القرار مباشرة مع حركة عودة السكان إلى الخرطوم؛ إذ إن استعادة الحياة الليلية والمواصلات والأسواق تمثل مؤشراً عملياً على عودة المدينة، وإن ظلت مشكلات الكهرباء والمياه والسكن وفرص العمل عقبات كبيرة أمام كثير من العائدين.
وفي الاتجاه الآخر.. قيود على دخول الأجانب
بالتزامن مع إلغاء الحظر، أصدرت لجنة الأمن القرار رقم (17) المتعلق بدخول الأجانب إلى ولاية الخرطوم.
ونص القرار على منع دخول الأجانب عبر الحافلات السفرية والمركبات العامة والخاصة والقطارات، مع استثناء الذين يحملون تأشيرات دخول سارية المفعول.
وأوضح مدير شرطة ولاية الخرطوم ومقرر لجنة الأمن، الفريق شرطة سراج الدين منصور، أن المرسوم المؤقت يتضمن عقوبات على المخالفين، وطالب سائقي الحافلات والمركبات وهيئة سكك حديد السودان بالالتزام بتنفيذه.
وهنا يجب الانتباه إلى تفصيل مهم في صياغة الخبر: القرار ليس حظراً شاملاً لدخول جميع الأجانب إلى الخرطوم. الأجانب الذين يحملون تأشيرات دخول سارية المفعول مسموح لهم بالدخول وفق النص الرسمي. ولذلك فالأدق وصف الإجراء بأنه منع دخول الأجانب غير المستوفين لشروط الدخول القانونية، وليس إغلاق الخرطوم أمام الأجانب بصورة مطلقة.
لماذا جاء القراران معاً؟
الجمع بين القرارين يكشف ملامح المقاربة الأمنية الجديدة للخرطوم.
فبدلاً من فرض قيد شامل على حركة سكان العاصمة، تتجه السلطات إلى رفع القيود الداخلية مع الإبقاء على الانتشار الأمني، وفي المقابل تشديد الرقابة على الأشخاص القادمين إلى الولاية.
ويأتي ذلك في وقت نشطت فيه السلطات خلال الفترة الماضية في حملات تتعلق بالأجانب المقيمين بصورة غير قانونية، كما تحدثت تقارير عن ترحيل آلاف اللاجئين والأجانب إلى مناطق حدودية في جنوب وشرق السودان.
لكن هذا الجانب تحديداً يحتاج إلى متابعة دقيقة، لأن تنفيذ إجراءات الهجرة واللجوء يجب التمييز فيه بين من لا يحملون وضعاً قانونياً للإقامة وبين اللاجئين وطالبي اللجوء الذين قد تكون لهم أوضاع وحماية قانونية مختلفة.
ولهذا سيكون مهماً معرفة الآليات التي ستُستخدم عند مداخل الخرطوم، وكيف ستتعامل السلطات مع أصحاب الإقامات واللاجئين وحاملي الوثائق المختلفة، وليس فقط حاملي تأشيرات الدخول.
الخرطوم تحاول استعادة صفة «العاصمة»
سياسياً وأمنياً، يمثل إلغاء حظر التجوال خطوة رمزية مهمة.
فالخرطوم عاشت فترة طويلة باعتبارها واحدة من ساحات الحرب الرئيسية، وكانت القيود على الحركة جزءاً من المشهد اليومي. أما الآن، فتحاول السلطات إظهار أن المدينة انتقلت إلى مرحلة مختلفة يمكن فيها للمواطن أن يتحرك على مدار اليوم، بينما تستمر عملية إعادة المؤسسات والسكان والخدمات.
لكن عودة العاصمة لا تُقاس بإلغاء الحظر وحده.
فالاختبار الأكبر سيكون في قدرة السلطات على تأمين الشوارع ليلاً، وإعادة الإنارة والمواصلات والخدمات، وتقليل الجريمة، وضمان ألا تتحول نقاط التفتيش والإجراءات الأمنية المتبقية إلى قيود بديلة على حركة المواطنين.
وهنا يلتقي القرار مع قضية العائدين إلى الخرطوم: إنهاء حظر التجوال يزيل أحد عوائق العودة، لكنه لا يحل مشكلات السكن والكهرباء والمياه والصحة والعمل التي تنتظر العائدين.
وإذا استطاعت السلطات الجمع بين حرية الحركة وتحسن الأمن واستعادة الخدمات، فقد يصبح 27 أغسطس نقطة رمزية في انتقال الخرطوم من آثار الحرب إلى مرحلة التعافي. أما إذا بقيت الخدمات والأوضاع الاقتصادية متعثرة، فسيكون إلغاء الحظر خطوة مهمة، لكنها وحدها لن تكون كافية لإعادة الحياة الطبيعية إلى العاصمة
التعليقات
0 تعليقات