الجمعة، 28 أغسطس 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

العودة إلى الخرطوم ليست نهاية النزوح.. السكن والخدمات يضعان العائدين أمام معركة جديدة

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

العودة إلى الخرطوم ليست نهاية النزوح.. السكن والخدمات يضعان العائدين أمام معركة جديدة
💬 تعليق 0

محررو لقطة AI
٢٨ أغسطس 2026

لم يعد الطريق إلى الخرطوم مغلقاً أمام مئات الآلاف من السودانيين الذين فروا منها خلال الحرب. الحافلات تعود، والأسواق تفتح أبوابها تدريجياً، والحركة تتزايد في شوارع ظلت لفترات طويلة شبه خالية. لكن الوصول إلى العاصمة لا يعني بالضرورة أن رحلة النزوح انتهت.

بالنسبة إلى كثير من الأسر، تبدأ بعد العودة رحلة أخرى: أين تسكن؟ من أين تحصل على المياه؟ كيف تعيد الكهرباء إلى المنزل؟ أين يتلقى الأطفال تعليمهم؟ وأين يجد أفراد الأسرة عملاً يضمن استمرارهم في المدينة؟

وتشير أحدث البيانات إلى أن حركة العودة أصبحت واحدة من أكبر التحولات السكانية التي يشهدها السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. وذكرت رويترز في يوليو أن أكثر من مليوني شخص من أصل نحو خمسة ملايين فروا من الخرطوم عادوا إلى العاصمة خلال نحو عام من استعادة الجيش السيطرة عليها. 

لكن العودة السكانية تتحرك بوتيرة أسرع من إعادة بناء المدينة.

منزل موجود.. لكنه لم يعد صالحاً للسكن

السكن يمثل أول اختبار لكثير من العائدين.

فبعض الأسر تعود لتجد منازلها قائمة لكنها تعرضت للنهب وفقدت الأبواب والنوافذ والأسلاك الكهربائية ومضخات المياه والأثاث. وتجد أسر أخرى أن منازلها أصيبت بالقصف أو الحرائق، فيما أصبحت بعض المباني غير آمنة إنشائياً.

ووثقت رويترز منذ بدء العودة إلى العاصمة مشاهد لمنازل تعرضت لأضرار واسعة وشوارع لا تزال تحمل آثار المعارك، في حين تشير تقديرات السلطات إلى أن إعادة إعمار البنية التحتية التي دمرتها الحرب ستحتاج إلى موارد ضخمة لا تتوفر في المدى القصير. 

وهكذا يصبح امتلاك المنزل، الذي كان يفترض أن يوفر للعائد ميزة مقارنة بمن ظل يدفع الإيجارات في مناطق النزوح، بداية لفاتورة جديدة: إصلاح الأبواب والنوافذ، إعادة تمديدات الكهرباء والمياه، شراء الأثاث والأجهزة، وفي بعض الحالات ترميم أجزاء كاملة من المبنى.

أما من لا يملكون منزلاً في الخرطوم فالمشكلة أكثر تعقيداً.

فالحرب أحدثت اختلالاً واسعاً في سوق العقارات السوداني، مع تضرر آلاف المساكن وارتفاع تكاليف مواد البناء وتغير خريطة العرض والطلب. وأصبحت بعض الأسر تلجأ إلى استئجار غرفة بدلاً من منزل كامل، أو مشاركة السكن مع أسر أخرى لتقليل المصروفات. 

الكهرباء والمياه.. العودة إلى حي لا تعني عودة الحياة

التحدي الثاني هو الخدمات الأساسية.

الحكومة نفسها أقرت بأن أجزاء من الخرطوم ما زالت تعاني مشكلات في المياه والكهرباء. وكانت اللجنة العليا لتهيئة البيئة لعودة المواطنين قد ناقشت خطة لإصلاح شبكات المياه والكهرباء، شملت صيانة أكثر من 1100 محول كهربائي وتركيبها في العاصمة، إلى جانب معالجة مشكلات التوزيع وإعادة التيار إلى المناطق التي لم تصلها الخدمة. 

لكن إعادة الشبكة ليست عملية بسيطة.

فالمدينة شهدت عمليات نهب وتخريب واسعة للبنية الكهربائية، إضافة إلى تضرر محطات المياه وشبكات التوزيع والطرق والجسور ومرافق عامة أخرى. وكانت رويترز قد وثقت حجم الدمار الذي أصاب محطات المياه والمستشفيات وشبكات الكهرباء وغيرها من البنية التحتية خلال الحرب. 

وهذا يخلق مفارقة واضحة: يمكن للأسرة أن تعود إلى منزلها، لكنها قد تجد نفسها مضطرة إلى شراء المياه أو البحث عن مصادر بديلة للكهرباء وتحمل تكاليف إضافية في وقت فقد فيه كثيرون مصادر دخلهم الأصلية.

المستشفيات تعود.. ولكن ببطء

الصحة تمثل تحدياً آخر.

بدأت بعض مستشفيات الخرطوم استعادة نشاطها خلال الأسابيع الماضية بعد عمليات تأهيل وإصلاح، لكن أجزاء واسعة من القطاع الصحي لا تزال تتعافى من الدمار والنهب وفقدان المعدات والكوادر.

وفي مطلع أغسطس بدأت بعض المستشفيات والمرافق الصحية استئناف الخدمات تدريجياً، بينما ظلت منشآت أخرى بحاجة إلى إعادة تأهيل واسعة قبل العودة إلى مستويات عملها السابقة. 

ومع ارتفاع عدد السكان العائدين، تزداد الضغوط على المرافق التي عادت إلى العمل.

وهنا تظهر مشكلة مختلفة: عدد السكان يمكن أن يرتفع خلال أسابيع، لكن إعادة مستشفى أو شبكة مياه أو مدرسة قد تحتاج إلى شهور أو سنوات.

العودة تحتاج إلى وظيفة أيضاً

حتى إذا وجد العائد منزلاً وماءً وكهرباء، يبقى السؤال الاقتصادي.

الحرب لم تدمر المباني فقط؛ فقد أغلقت شركات ومصانع ومتاجر، وفقد ملايين السودانيين وظائفهم أو أعمالهم، بينما تراجعت قيمة الجنيه بصورة حادة وارتفعت أسعار الغذاء والنقل والخدمات.

ولهذا فإن قرار العودة لا يعتمد على الأمن وحده.

وقد رصدت تقارير من داخل الخرطوم أن الأسر التي ما زالت مترددة في العودة تضع الدخل وتعليم الأطفال والرعاية الصحية واستقرار الخدمات والأوضاع الأمنية ضمن أهم العوامل التي تحدد قرارها. 

وهذه نقطة جوهرية في فهم مرحلة ما بعد القتال.

فالمدينة لا تستعيد سكانها فقط عندما تتوقف المدافع؛ تستعيدهم عندما يصبح في مقدورهم العيش فيها.

ملايين يعودون.. وملايين ما زالوا بعيداً عن ديارهم

ورغم حركة العودة، لا ينبغي أن تعطي الصور القادمة من الخرطوم انطباعاً بأن أزمة النزوح السودانية انتهت.

فأحدث بيانات المنظمة الدولية للهجرة تشير إلى أن نحو 8.6 ملايين شخص ما زالوا نازحين داخل السودان، موزعين على 185 محلية في الولايات الثماني عشرة، رغم تراجع العدد الإجمالي للنازحين مع زيادة حركة العودة إلى بعض المناطق. 

وكانت المنظمة قد حذرت في أبريل من أن استقرار ملايين العائدين قد لا يكون مستداماً ما لم تقترن العودة بإعادة بناء البنية التحتية واستعادة الخدمات وسبل كسب العيش. 

وهذا التحذير يلخص المشكلة التي تواجه الخرطوم اليوم.

فالعودة الجغرافية شيء، والتعافي شيء آخر.

الخرطوم أمام الاختبار الأصعب

ربما تكون استعادة الحياة إلى الخرطوم واحدة من أهم علامات التحول الذي شهده السودان بعد سنوات الحرب، لكن المشهد لا يكتمل بعودة السيارات إلى الشوارع وفتح المتاجر والمطاعم.

الاختبار الحقيقي هو قدرة المدينة على استيعاب سكانها.

كل أسرة تعود تحتاج إلى منزل صالح للسكن، ومياه نظيفة، وكهرباء، ومدرسة، ومستشفى، ومواصلات، وفرصة عمل. وإذا لم تتقدم هذه الخدمات بالسرعة نفسها التي تتقدم بها حركة العودة، فقد يجد بعض العائدين أنفسهم أمام نزوح من نوع آخر داخل مدينتهم نفسها: موجودون في الخرطوم، لكنهم عاجزون عن استعادة حياتهم السابقة.

ولهذا فإن السؤال الذي سيحدد مستقبل العاصمة خلال الأشهر المقبلة ليس فقط كم شخصاً عاد إلى الخرطوم؟ وإنما: كم شخصاً عاد واستطاع البقاء؟

فالعودة الحقيقية لا تنتهي عند باب المنزل؛ إنها تبدأ منه

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً