الشرق الأوسط بعد عام من الحروب.. من يربح ومن يخسر في خريطة النفوذ الجديدة ؟
ر
لم يكن العام الأخير عاماً عادياً في تاريخ الشرق الأوسط. فخلال أشهر قليلة فقط، شهدت المنطقة سلسلة من الحروب والمواجهات العسكرية والتوترات السياسية التي أعادت رسم كثير من خطوط النفوذ والتحالفات التي استقرت لعقود.
من غزة إلى جنوب لبنان، ومن البحر الأحمر إلى الخليج العربي، وصولاً إلى المواجهة غير المسبوقة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة تختلف في طبيعتها عن كل ما عرفته المنطقة منذ سنوات طويلة.
ورغم أن المعارك لم تنتهِ بصورة كاملة، فإن ملامح المشهد الجديد بدأت تتشكل، وبدأت الأسئلة الكبرى تفرض نفسها: من خرج أكثر قوة؟ ومن تراجع نفوذه؟ وهل نحن أمام شرق أوسط جديد أم مجرد مرحلة أخرى من إعادة توزيع القوة؟
إسرائيل.. تفوق عسكري ومأزق سياسي
لا خلاف على أن إسرائيل استطاعت خلال العام الأخير تحقيق مكاسب عسكرية وأمنية مهمة عبر توجيه ضربات مؤثرة لخصومها في أكثر من جبهة.
لكن المكاسب العسكرية لم تتحول بالضرورة إلى مكاسب سياسية كاملة.
فالحرب الطويلة ألحقت أضراراً كبيرة بصورة إسرائيل الدولية، وأدخلتها في مواجهة انتقادات متزايدة داخل المؤسسات الدولية والدوائر الحقوقية. كما أن استمرار التوتر على أكثر من جبهة جعل إسرائيل تواجه واقعاً جديداً يقوم على إدارة الأزمات المتعددة بدلاً من حسمها نهائياً.
وبينما حافظت إسرائيل على تفوقها العسكري التقليدي، فإن البيئة الإقليمية المحيطة بها أصبحت أكثر تعقيداً وأقل قابلية للتنبؤ.
إيران.. خسائر كبيرة ونفوذ لم يختفِ
كانت إيران واحدة من أكثر الأطراف تعرضاً للضغوط خلال العام الأخير.
فقد واجهت ضربات عسكرية مباشرة، وتعرضت شبكات نفوذها الإقليمية لاختبارات صعبة، كما واجه اقتصادها تحديات متزايدة بفعل العقوبات والاضطرابات الإقليمية. ومع ذلك، فإن الحديث عن نهاية الدور الإيراني يبدو سابقاً لأوانه. فما تزال طهران تحاول الحفاظ على أوراقها الإقليمية، خصوصاً في لبنان واليمن وبعض مناطق النفوذ التقليدية الأخرى. وتشير التطورات الأخيرة إلى أن إيران ما تزال ترى في هذه الملفات جزءاً من معادلة الردع والتفاوض الإقليمي. (Reuters)
لقد تراجع النفوذ الإيراني في بعض الساحات، لكنه لم يختفِ، وهو ما يجعل طهران لاعباً رئيسياً في أي ترتيبات أمنية أو سياسية مستقبلية.
الخليج.. قوة اقتصادية تبحث عن الاستقرار
على الجانب الآخر، برزت دول الخليج كأحد أهم اللاعبين المستفيدين من التحولات الأخيرة.
ففي وقت شهدت فيه المنطقة اضطرابات واسعة، تمكنت العواصم الخليجية من الحفاظ على استقرارها النسبي، مع استمرار دورها الاقتصادي والدبلوماسي المتصاعد.
لكن هذا الاستقرار لا يعني غياب المخاطر.
فالتوترات المرتبطة بمضيق هرمز وأمن الطاقة أثبتت أن اقتصادات المنطقة ما تزال شديدة الحساسية لأي تصعيد عسكري واسع. وقد انعكست التطورات الأخيرة مباشرة على الأسواق والطاقة والتجارة العالمية. (Reuters)
ولهذا تبدو أولويات الخليج اليوم أكثر ارتباطاً بالاستقرار الإقليمي من أي وقت مضى، لأن أي مواجهة طويلة الأمد ستنعكس مباشرة على الاقتصاد والتنمية والاستثمارات.
تركيا.. المستفيد الهادئ
بعيداً عن الضجيج الإعلامي، تبدو تركيا واحدة من أكثر الأطراف استفادة من التحولات الجارية.
فأنقرة نجحت خلال السنوات الأخيرة في بناء علاقات متوازنة مع عدد من القوى المتنافسة، كما وسعت حضورها الاقتصادي والعسكري والدبلوماسي في عدة مناطق تمتد من شرق المتوسط إلى القرن الأفريقي.
ويرى عدد من مراكز الدراسات أن التحولات الأخيرة قد تمنح تركيا فرصاً إضافية لتعزيز دورها الإقليمي عبر التجارة والطاقة وإعادة تشكيل طرق النقل والاستثمار. (chathamhouse.org)
وبينما انشغلت قوى أخرى بإدارة الأزمات، واصلت أنقرة تعزيز موقعها كلاعب يصعب تجاوزه في ملفات المنطقة.
البحر الأحمر.. من هامش جغرافي إلى مركز للصراع
ربما يكون البحر الأحمر أحد أكبر الرابحين الجيوسياسيين من أحداث العام الأخير.
فالمنطقة التي كانت تُنظر إليها سابقاً باعتبارها ممراً بحرياً مهماً فقط، أصبحت اليوم جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي والدولي.
التوترات المرتبطة بالملاحة الدولية، والتهديدات المتكررة لحركة السفن، أعادت البحر الأحمر إلى قلب الاهتمام العالمي. كما أصبح أمن الممرات البحرية مرتبطاً مباشرة بأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية. (Reuters)
وفي هذا السياق، يكتسب السودان أهمية إضافية بحكم موقعه الاستراتيجي على الساحل الغربي للبحر الأحمر، ما يجعل استقرار السودان جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي الأوسع.
السودان في قلب المعادلة الجديدة
رغم أن الحرب السودانية تبدو للوهلة الأولى أزمة داخلية، فإن موقع السودان الجغرافي يمنحه أهمية تتجاوز حدوده الوطنية.
فالبحر الأحمر، والقرن الأفريقي، والتنافس على الموانئ وخطوط التجارة والطاقة، كلها عوامل تجعل السودان جزءاً من خريطة النفوذ الجديدة في الشرق الأوسط.
ولهذا فإن مستقبل السودان لم يعد قضية سودانية خالصة، بل أصبح ملفاً يرتبط بحسابات إقليمية ودولية أوسع تتعلق بالأمن البحري والتوازنات الاستراتيجية في المنطقة.
من يربح ومن يخسر؟
إذا كان لا بد من تلخيص المشهد في جملة واحدة، فإن الحقيقة الأساسية هي أن أحداً لم يحقق انتصاراً كاملاً.
إسرائيل عززت تفوقها العسكري لكنها تواجه تحديات سياسية متزايدة.
إيران خسرت كثيراً من أوراقها لكنها لم تخرج من اللعبة.
الخليج حافظ على قوته الاقتصادية لكنه يعيش تحت هاجس الاستقرار.
تركيا وسعت هامش حركتها الإقليمية بهدوء.
أما الخاسر الأكبر، كما جرت العادة في الشرق الأوسط، فهو الشعوب التي دفعت ثمن الحروب والتوترات والانقسامات.
خاتمة
بعد عام من الحروب، يبدو الشرق الأوسط أقل استقراراً وأكثر تعقيداً.
فالمنطقة لا تتجه نحو نظام إقليمي جديد واضح المعالم، بل نحو مرحلة انتقالية طويلة يعاد فيها توزيع النفوذ والأدوار والتحالفات.
وفي قلب هذه التحولات، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تستطيع دول المنطقة تحويل هذه المرحلة إلى فرصة لبناء توازن جديد أكثر استقراراً، أم أن الشرق الأوسط مقبل على جولة جديدة من الصراعات تعيد رسم الخريطة مرة أخرى؟



إرسال التعليق