محررو لقطة AI – 13
8 سبتمبر 2026
عاد ملف أجور المعلمين في السودان إلى واجهة الأزمة الاجتماعية، لكن هذه المرة من باب أكثر إحراجًا للحكومة: المشكلة ليست في غياب قرار بتحسين الرواتب، بل في أن قرارات الزيادة التي كان يفترض أن تخفف جزءًا من الضائقة لم تُطبق فعليًا على نطاق واسع.
لجنة المعلمين السودانيين دعت الاثنين المعلمين في الولايات المختلفة إلى تنظيم صفوفهم، في إشارة واضحة إلى احتمال العودة إلى الإضراب، وطالبت الحكومة بتنفيذ الزيادات القائمة فورًا، وإضافة المستحقات إلى المرتبات، وسداد المتأخرات والفروقات المالية.
وبحسب اللجنة، ناقشت وزارة المالية مجددًا حصر المتأخرات وجدولة سدادها، لكن المعلمين يرون أن الأزمة ظلت تُدار بالطريقة نفسها: لجنة، ثم حصر، ثم جدولة، ثم انتظار.
وهنا تكمن قصة اليوم.
المعلم لم يعد يطالب بوعد جديد.
إنه يسأل عن تنفيذ الوعد القديم.
قرار منذ مارس.. والفجوة ما تزال قائمة
في أبريل الماضي أصدر ديوان شؤون الخدمة المدنية توجيهات لتنفيذ قرار مجلس الوزراء رقم 78 لسنة 2026، الذي نص على تحسين أجور العاملين بالدولة بأثر يبدأ من 1 مارس 2026، ومنح العاملين بالخدمة المدنية علاوة شهرية لمعالجة مفارقات الأجور بقيمة 120 ألف جنيه، إلى جانب تعديلات أخرى.
ثم استمر النقاش الحكومي طوال الأشهر التالية حول تحسين أوضاع المعلمين تحديدًا.
وفي أغسطس ظهرت ترتيبات جديدة قالت لجنة المعلمين إنها ترفع، وفق الدرجات، راتب الدرجة الأولى إلى نحو 501 ألف جنيه، والدرجة الثانية إلى 452 ألفًا، مع تعديلات على بدلات السكن والوجبة وغيرها.
لكن الفارق بين «الراتب المقرر» و«الراتب الذي يدخل الحساب» هو أصل الأزمة الحالية.
فالمعلم لا يستطيع دفع فاتورة المواصلات بقرار مجلس الوزراء.
ولا شراء الطعام بمنشور إداري.
ولا دفع الإيجار بزيادة لم تُصرف.
35 دولارًا بعد 37 عامًا في التعليم
قبل يوم واحد فقط، عرض تقرير ميداني حالة معلم أمضى 37 عامًا في التعليم بالخرطوم ووصل إلى الدرجة الأولى، بينما بلغ راتبه الفعلي نحو 224 ألف جنيه فقط، أي قرابة 35 دولارًا وفق سعر الصرف المستخدم في التقرير.
هذه الحالة تختصر الفجوة.
حتى إذا افترضنا تنفيذ الزيادة الجديدة بالكامل، فإن الأجر يظل يتحرك داخل اقتصاد انهارت فيه قيمة الجنيه، وارتفعت فيه أسعار الغذاء والنقل والسكن بصورة أسرع بكثير من الأجور.
ولهذا فإن أزمة المعلمين ليست في الرقم الاسمي فقط.
إنها في القوة الشرائية.
قد يتضاعف الراتب على الورق.
لكن إذا تضاعفت تكلفة الخبز والمواصلات والدواء أكثر، يبقى المعلم أفقر.
الإضراب لم يعد تهديدًا نظريًا
التلويح الحالي بالإضراب يجب ألا يُقرأ باعتباره مجرد لغة تفاوضية.
المعلمون نفذوا بالفعل خلال الأشهر الماضية تحركات واسعة.
في ولاية كسلا، دخل أكثر من 9 آلاف معلم في أكثر من 700 مدرسة إضرابًا في يونيو، وبلغت نسبة المشاركة المعلنة 95% على مستوى الولاية، ووصلت إلى 100% في بعض المحليات.
كما امتدت الإضرابات لاحقًا إلى الجزيرة والخرطوم ومناطق أخرى، مع استمرار المطالب بسداد المتأخرات وتحسين شروط الخدمة.
وهذا يغير معنى بيان الاثنين.
حين تقول لجنة سبق أن نظمت إضرابات واسعة «نظموا صفوفكم»، فالأمر ليس بالضرورة بيان احتجاج آخر.
إنه تحذير بأن المدارس يمكن أن تعود إلى نقطة التوقف.
المدرسة تتحمل فاتورة الاقتصاد كله
قد تبدو أزمة الرواتب قضية تخص الموظفين.
لكن في التعليم تحديدًا، تنتقل آثارها بسرعة إلى المجتمع.
المعلم الذي لا يستطيع الوصول إلى المدرسة بسبب تكلفة المواصلات لا يقدم حصة كاملة.
ومن يبحث عن عمل ثانٍ لسداد احتياجات أسرته يكون لديه وقت أقل للتحضير والمتابعة.
ومن يغادر المهنة نهائيًا يترك فراغًا لا يُملأ بسهولة.
ثم يأتي الإضراب.
وفي بلد تعطلت فيه الدراسة أصلًا بسبب الحرب والنزوح وتدمير المدارس، فإن خسارة أسابيع أخرى من العام الدراسي ليست أمرًا بسيطًا.
الحرب أخذت سنوات من تعليم جيل كامل.
والآن يمكن للاقتصاد أن يأخذ البقية.
لماذا لا تستطيع الحكومة الدفع بسهولة؟
المشكلة لا تُفهم كاملة من جهة المعلمين وحدها.
الدولة نفسها تعاني أزمة تمويل حادة.
الحرب قلصت النشاط الاقتصادي الرسمي.
أضعفت الإيرادات الضريبية.
رفعت الإنفاق العسكري.
وزادت تكاليف إعادة الخدمات إلى الخرطوم والمناطق التي عادت إليها مؤسسات الحكومة.
ولهذا فإن إصدار قرار بزيادة الرواتب أسهل كثيرًا من توفير السيولة اللازمة لدفعه باستمرار في كل الولايات.
وهذا يفسر — ولا يبرر — العودة المستمرة إلى الحصر والجدولة.
لكن هنا تظهر مشكلة إدارة الدولة:
إذا لم تكن الموارد متاحة، لماذا تصدر الزيادة قبل تحديد مصدر تمويلها؟
وإذا كانت متاحة، لماذا لم تصل؟
هذان هما السؤالان اللذان تحتاج وزارة المالية إلى الإجابة عنهما.
مركزة المرتبات.. الحل مؤجل إلى 2027
هناك اتجاه حكومي لمعالجة جزء من المشكلة بصورة هيكلية.
خطاب صادر عن مجلس الوزراء في أغسطس وجّه إلى مركزة مرتبات معلمي التعليم العام اعتبارًا من يناير 2027، بدل ترك الملف معتمدًا بدرجة كبيرة على قدرة الولايات المختلفة على التمويل.
الفكرة منطقية.
فالمعلم الذي يعمل في ولاية فقيرة لا ينبغي أن يحصل على حقوق أقل من زميله في ولاية أكثر قدرة على جمع الإيرادات.
لكن يناير 2027 لا يحل أزمة سبتمبر 2026.
المعلم يحتاج راتبه الآن.
ولهذا فإن الإصلاح الهيكلي المقبل يجب ألا يصبح سببًا لتأجيل الحقوق الحالية.
التعليم يدخل مرحلة الخطر الصامت
الأكثر خطورة ليس الإضراب نفسه.
الإضراب ظاهر ويمكن قياسه.
الخطر الأكبر يحدث عندما يستمر المعلم في الذهاب إلى المدرسة لكنه يفقد القدرة على أداء عمله طبيعيًا.
عندما يصبح همه الأول إيجاد دخل آخر.
وعندما يترك أصحاب الخبرة المهنة.
وعندما تصبح الوظيفة غير جاذبة للخريجين الجدد.
حينها قد تفتح المدارس أبوابها، لكنها تعمل من الداخل بقدرة أقل عامًا بعد عام.
وهذه خسارة لا تظهر في بيان وزارة المالية.
لكنها تظهر بعد سنوات في مستوى الطلاب.
ما الذي تغيّر الآن؟
سبق أن احتج المعلمون على تدني الأجور.
وسبق أن دخلوا إضرابات.
الجديد هو أن الأزمة وصلت إلى مرحلة عدم تنفيذ زيادات أعلنت رسميًا باعتبارها جزءًا من الحل.
وهذا أخطر من الخلاف على حجم الزيادة.
لأن المشكلة تصبح هنا مشكلة ثقة.
إذا لم ينفذ القرار الأول، ما قيمة القرار الثاني؟
وإذا أصبحت كل زيادة تحتاج أشهرًا من الاحتجاج حتى تصل، فإن المعلم لن ينظر إلى البيانات الحكومية باعتبارها حلًا، بل بداية جولة جديدة من المطالبة.
ما الذي ينبغي مراقبته؟
المؤشر الأول هو ما إذا كانت وزارة المالية ستعلن جدولًا واضحًا، بالأرقام والتواريخ، لصرف المتأخرات والفروقات.
والثاني هو الولايات التي ستطبق الزيادات فعليًا خلال الأيام المقبلة.
أما الثالث، والأهم، فهو موقف لجنة المعلمين نفسها.
إذا انتقلت الدعوة من «رص الصفوف» إلى إعلان جدول إضراب قومي، فستكون البلاد أمام أزمة تعليمية جديدة تتجاوز الولايات التي شهدت الاحتجاجات السابقة.
المعلمون لا يطلبون اليوم قرارًا آخر. لديهم قرارات بالفعل. ما يريدونه هو أن تتحول الأرقام المكتوبة في المنشورات إلى راتب يمكن إنفاقه. وإذا فشلت الدولة في عبور هذه المسافة الصغيرة بين الورق والحساب البنكي، فقد تجد مدارس السودان نفسها أمام إضراب جديد في بلد خسر فيه الأطفال من التعليم بسبب الحرب أكثر مما يحتملون أصلًا.
لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات