محررو لقطة AI
7 سبتمبر 2026
لم يعد الاعتراض على مبادرة «الحوار السوداني–السوداني» يدور فقط حول من سيجلس إلى الطاولة ومن سيقاطعها. فقد نقلت شبكة النساء السودانيات الجدل خطوة إلى الأمام، مطالبة الاتحاد الأفريقي بالتراجع عن ترحيبه بالمبادرة، ومحذرة من أن عملية سياسية تُطلق في ظل استمرار الحرب وهيمنة المؤسسة العسكرية قد تتحول من وسيلة لإنهاء الأزمة إلى غطاء يمنح الوضع القائم شرعية سياسية جديدة.
الموقف النسوي يأتي في توقيت بالغ الحساسية. فقبل ساعات فقط بدأت لجنة تهيئة الحوار تتحدث عن اتصالات مع القوى السياسية، بما فيها الرافضة للمبادرة، وعن اجتماع مرتقب مع الآلية الخماسية التي تضم الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وإيغاد وجامعة الدول العربية.
وبذلك يصبح الاعتراض الجديد أكثر من بيان سياسي معارض. إنه اختبار مبكر للسؤال الذي سيطارد العملية منذ يومها الأول:
هل تستطيع مبادرة مدعومة من قائد الجيش أن تقنع المعترضين بأنها مستقلة عنه فعلًا؟
الاعتراض ليس على الحوار.. بل على شروطه
بحسب المادة التي أرسلتها لـ«لقطة AI»، قالت الشبكة في مذكرة موجهة إلى رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف إن ترحيب المفوضية بالمبادرة أثار «قلقًا بالغًا»، وطالبت بسحب هذا الموقف.
وترى الشبكة أن أي عملية سياسية ذات مصداقية ينبغي أن تبدأ بوقف الحرب، وإيصال المساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين، وأن تقوم على قيادة مدنية مستقلة لا على عملية تجري تحت مظلة سلطة عسكرية.
وهذا التفريق مهم.
فالخلاف هنا ليس بين طرف يريد الحوار وطرف يرفض السلام.
الخلاف الحقيقي يدور حول من يملك تصميم العملية السياسية، وتحت أي ظروف تبدأ، وما إذا كانت الحرب يجب أن تتوقف أولًا أم يمكن إطلاق الحوار بينما تستمر المعارك.
وهذه أسئلة لم تستطع المبادرات السودانية المتعددة حسمها منذ اندلاع الحرب.
الاتحاد الأفريقي في قلب الانتقاد
اللافت أن الشبكة لم توجه خطابها إلى لجنة الحوار وحدها، بل إلى الاتحاد الأفريقي نفسه.
المفوضية الأفريقية كانت قد رحبت في نهاية أغسطس بالدعوة إلى حوار سوداني–سوداني، معتبرة أنها يمكن أن تتكامل مع خريطة الطريق الأفريقية والجهود الدولية الأخرى.
لكن الترحيب واجه اعتراضات مدنية منذ صدوره. فقد سبق أن انتقد التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة موقف المفوضية، معتبرًا أن تأييد عملية مرتبطة بالسلطة القائمة يتعارض مع مبادئ الاتحاد الأفريقي المتعلقة برفض التغييرات غير الدستورية للحكم.
والآن تنضم شبكة النساء السودانيات إلى الضغط.
وهذا يضع الاتحاد الأفريقي أمام معضلة حقيقية.
إذا استمر في دعمه غير المشروط للمبادرة، فقد يخسر ثقة جزء من القوى المدنية التي يحتاج إليها لإنجاح أي تسوية.
وإذا تراجع عن الترحيب، فسيبدو كأنه يتخلى عن مسار سياسي كان قد اعتبره قبل أيام فرصة للحوار.
الأرجح أن يبحث الاتحاد عن منطقة وسط: دعم مبدأ الحوار مع التشديد بصورة أكبر على استقلال العملية وشمولها وقيادتها المدنية.
الخوف من إعادة إنتاج السلطة القديمة
أحد أخطر ما ورد في موقف الشبكة هو التحذير من أن الحوار قد يؤدي إلى إعادة تمكين عناصر النظام السابق ومنح السلطة العسكرية شرعية سياسية.
وهذه النقطة تضرب مباشرة في واحدة من أعمق الانقسامات داخل المعسكر المدني السوداني.
فبعض القوى ترى أن الأزمة الحالية لا يمكن فصلها عن انقلاب 25 أكتوبر 2021 وعن تفكيك الانتقال المدني الذي أعقب ثورة ديسمبر.
ومن هذا المنظور، فإن الحوار الذي يبدأ من المؤسسات التي تشكلت بعد الانقلاب ثم الحرب قد يعالج النتائج من دون معالجة أصل الأزمة.
في المقابل، تقول أطراف أخرى إن اتساع الحرب وانهيار الدولة يفرضان تجاوز صراعات ما قبل أبريل 2023، وإن الوصول إلى أكبر عدد ممكن من القوى السياسية أصبح أكثر أهمية من إعادة فتح معارك الشرعية القديمة.
بين هذين الموقفين تقع واحدة من أصعب عقد الحوار المقبل.
لكن أين النساء من الطاولة نفسها؟
هناك مفارقة يصعب تجاهلها.
السودانيات تحملن جزءًا هائلًا من تكلفة الحرب: النزوح، وفقد مصادر الدخل، وانهيار الخدمات الصحية، والعنف الجنسي، وتحمل مسؤولية أسر تفككت بسبب القتال.
ومع ذلك، ظل حضور النساء في كثير من مسارات التفاوض أقل كثيرًا من حجم هذه الكلفة.
وهذه ليست مشكلة سودانية فقط.
الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي يتبنيان منذ سنوات مبدأ المشاركة الكاملة والهادفة للنساء في عمليات السلام. بل إن الاتحاد الأفريقي نفسه يؤكد أن الحوار مع المنظمات النسائية ينبغي أن يبدأ قبل انطلاق مفاوضات السلام، وأن تكون الخبرة المتعلقة بالنوع الاجتماعي جزءًا من عمليات التفاوض والوساطة.
ولهذا فإن اعتراض شبكة نسوية سودانية على مسار يرحب به الاتحاد يخلق سؤالًا مؤسسيًا محرجًا:
إذا كانت النساء يفترض أن يكنّ في قلب صناعة السلام، فهل يكفي الترحيب بعملية سياسية قبل الاستماع إلى اعتراضاتهن على تصميمها؟
ليست كل النساء كتلة سياسية واحدة
وفي المقابل، سيكون من الخطأ تقديم بيان الشبكة باعتباره موقف «نساء السودان» جميعًا.
الشبكة تنظيم مدني له موقفه السياسي، ولا توجد كتلة نسوية واحدة تتحدث باسم جميع السودانيات.
هناك اختلافات سياسية واجتماعية وإقليمية واسعة بين المنظمات النسوية نفسها، كما توجد نساء داخل القوى المؤيدة للحوار وأخريات داخل معسكرات سياسية مختلفة.
وهذا التفريق مهم جدًا.
قوة البيان لا تأتي من ادعائه تمثيل كل النساء، بل من كونه يكشف أن قطاعًا من التنظيمات النسوية يرى خللًا جوهريًا في الطريقة التي يجري بها بناء المسار.
مشكلة الشرعية تسبق الاجتماع الأول
اللجنة المنظمة للحوار تحاول معالجة هذه الأزمة.
فقد أعلنت أنها ستتصل حتى بالقوى التي رفضت المبادرة، وأنها تعتبر نفسها جهة ميسرة وليست صاحبة مشروع سياسي جاهز.
كما تقول إن الحوار السياسي سيقتصر على المدنيين، بينما تعالج القضايا العسكرية عبر مسارات أخرى.
لكن الاعتراض النسوي يكشف أن المشكلة تسبق كل ذلك.
فالمعارضون لا يسألون فقط:
من سيشارك؟
بل يسألون:
من منح المبادرة شرعيتها أصلًا؟
وهذا فارق جوهري.
يمكن إضافة مقاعد جديدة إلى الطاولة.
لكن معالجة الشك في استقلال الطاولة نفسها أصعب كثيرًا.
هافيستو والخماسية.. هل يظهر مسار موازٍ؟
يتزامن الجدل مع تحرك دولي متسارع.
المبعوث الأممي بيكا هافيستو أجرى مشاورات في الخرطوم تناولت خفض التصعيد وحماية المدنيين وتبادل المحتجزين والدفع نحو عملية سياسية «شاملة واستراتيجية».
وفي الوقت نفسه تستعد لجنة الحوار للقاء الخماسية.
وهذا يعني أن الأسابيع المقبلة قد تشهد محاولة لربط المسار الداخلي بالمظلة الدولية.
لكن هذا الربط يمكن أن يعمل في الاتجاهين.
قد يمنح المبادرة ضمانات أوسع ويجبرها على تحسين معايير المشاركة.
وقد يجعل الرافضين أكثر تشككًا إذا شعروا بأن المؤسسات الدولية تمنح العملية شرعية قبل معالجة اعتراضاتهم.
لذلك سيكون موقف الخماسية بعد الاجتماع أهم من الاجتماع نفسه.
ماذا ينبغي أن يحدث الآن؟
الاختبار الحقيقي ليس في عدد البيانات المؤيدة والمعارضة.
إنه في رد لجنة الحوار والاتحاد الأفريقي على الاعتراض.
هل ستُنشر معايير واضحة لاختيار المشاركين؟
هل توجد ضمانات بأن اللجنة تستطيع العمل بصورة مستقلة عن مؤسسات السلطة؟
كيف سيُمثل النازحون واللاجئون والنساء والشباب والمجتمعات الموجودة في مناطق سيطرة الأطراف المختلفة؟
وما العلاقة بين الحوار المدني ومفاوضات وقف إطلاق النار؟
ثم السؤال الأصعب:
هل يستطيع مشارك في الحوار أن يرفض موقف السلطة أو الجيش بحرية كاملة ثم يعود إلى منزله من دون خوف؟
هذه التفاصيل هي التي تحدد استقلال العملية، وليس وصفها في البيانات بأنها «سودانية–سودانية».
الحوار يحتاج إلى الرافضين أكثر من المؤيدين
المفارقة أن بيان شبكة النساء السودانيات لا ينبغي أن يُنظر إليه فقط باعتباره عقبة أمام المبادرة.
قد يكون فرصة لاختبارها.
إذا كانت اللجنة جادة عندما تقول إنها ستستمع إلى الرافضين، فهذا بالضبط أحد الأصوات التي ينبغي أن تجلس معها.
ليس لإقناع الشبكة بأن اللجنة على حق.
بل لسؤالها: ما الذي يجب أن يتغير لكي يصبح المسار مقبولًا؟
إذا حدث ذلك مع القوى النسوية والأحزاب ولجان المقاومة والنازحين واللاجئين والمجموعات الموجودة خارج مناطق سيطرة الجيش، فقد يبدأ الحوار قبل افتتاح قاعته الرسمية.
أما إذا أصبح المطلوب من المعترضين مجرد الانضمام إلى هيكل جاهز، فإن الأزمة ستظل قائمة مهما اتسعت قائمة المدعوين.
المشكلة في السودان ليست أن الجميع يرفض الحوار. على العكس، يكاد الجميع يطالب به، لكن كل طرف يريد ضمانًا بأن الحوار لن يتحول إلى أداة تمنح خصمه شرعية لم يستطع الحصول عليها بالحرب أو السياسة. ولهذا فإن مطالبة شبكة النساء السودانيات للاتحاد الأفريقي بسحب ترحيبه ليست مجرد خلاف حول بيان دبلوماسي؛ إنها إنذار مبكر بأن معركة شرعية العملية السياسية قد تبدأ قبل أن يجلس أول سوداني إلى طاولتها.
لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات