محررو لقطة AI – 13
9 سبتمبر 2026
في واحدة من أكثر مفارقات الحرب السودانية دلالة، وجد المعسكران المتحاربان نفسيهما هذا الأسبوع على جانبين متقابلين في الميدان، لكنهما يوجهان النقد في الوقت نفسه إلى جهة واحدة: بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان.
الحكومة المتحالفة مع الجيش السوداني كثفت تحركاتها في جنيف لحشد الدول الأفريقية ضد تجديد ولاية البعثة، معتبرة أن استمرارها تدخل سياسي وأن الآليات الوطنية والدولية الموجودة تكفي للتحقيق في الانتهاكات. وفي المقابل، أعلن تحالف السودان التأسيسي «تأسيس»، المتحالف مع قوات الدعم السريع، رفضه لأجزاء أساسية من تقرير البعثة، واتهمها بالتحيز وعدم التحقيق بصورة متوازنة في الانتهاكات المنسوبة إلى الجيش وحلفائه.
المشهد يحمل مفارقة واضحة:
الجيش يعترض لأن البعثة موجودة أصلًا، بينما يعترض معسكر الدعم السريع لأنها لم تحقق ــ بحسب روايته ــ بالقدر الكافي في الطرف الآخر.
وفي الوسط تقف البعثة وهي تقول إنها تحقق في انتهاكات الطرفين وشبكات الدعم الخارجية التي تغذي الحرب.
«تأسيس» يرفض التقرير
قال تحالف «تأسيس» إن التقرير الأخير للبعثة يعاني ما وصفه بـ«عيوب منهجية أساسية»، وانتقد اعتماد المحققين على مقابلات عن بُعد وشهادات لم تُجمع، في رأيه، من مواقع الانتهاكات نفسها.
كما اتهم التحالف البعثة بإعطاء مساحة أكبر لشبكات الدعم الخارجي المرتبطة بقوات الدعم السريع، بينما لم تنجز بعد تحقيقها في الجهات التي يُعتقد أنها تقدم دعمًا للجيش.
وذكر التحالف سلسلة من الانتهاكات المنسوبة إلى الجيش والقوات المتحالفة معه في الجزيرة وسنار والخرطوم ومناطق أخرى، وطالب بتحقيق ميداني دولي يشمل جميع أطراف الحرب وفق معايير واحدة. هذه تظل اتهامات صادرة عن طرف سياسي وعسكري مرتبط بأحد طرفي النزاع، ولم تعرض «تأسيس» في بيانها أدلة مستقلة جديدة تثبتها.
لكن موقف التحالف مهم لأنه يكشف أن التقرير لم يرضِ حتى المعسكر الذي تناول بالتفصيل شبكات الدعم المزعومة المرتبطة بقواته.
بورتسودان تريد إنهاء الولاية
على الطرف الآخر، لا تطالب الحكومة المتحالفة مع الجيش بتوسيع التحقيق.
بل تريد وقف البعثة نفسها.
مندوب السودان في جنيف حسن حامد حسن تحرك داخل المجموعة الأفريقية لحشد الأصوات ضد مشروع بريطاني متوقع لتمديد ولاية بعثة تقصي الحقائق خلال الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان، التي بدأت في جنيف في 7 سبتمبر.
حجة الحكومة تقوم على أن السودان يتعاون مع مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان وآليات أخرى، وأن بعثة التحقيق المستقلة تمثل ازدواجية وتفتقر إلى موافقة الدولة.
لكن رئيس البعثة محمد شاندي عثمان رد على هذه الحجة بصورة مباشرة.
وقال إن مبررات رفض دخول البعثة إلى السودان «ضعيفة»، لأن لكل آلية دولية وظيفة مختلفة، وإن مهمة بعثته تحديدا تتمثل في جمع الأدلة وتحديد المسؤولين تمهيدًا للمساءلة المستقبلية.
وهذه نقطة مهمة.
الفرق ليس بين بعثة وأخرى في الاسم.
الفرق في الوظيفة.
المكاتب الأممية قد تراقب أو تقدم مساعدة فنية، لكن بعثة تقصي الحقائق صُممت لجمع الأدلة وتحليل أنماط الانتهاكات وتحديد المسؤولية القانونية المحتملة.
التقرير الذي أشعل المواجهة
التقرير الأخير، المعنون «تغذية الصراع»، وضع مسألة الدعم الخارجي في قلب الحرب السودانية.
وقالت البعثة إن هناك أسبابًا معقولة للاعتقاد بوجود شبكات عابرة للحدود تضم أفرادًا وكيانات مرتبطة بالإمارات وتشاد وليبيا والصومال، ساعدت قوات الدعم السريع في الحصول على أسلحة ومعدات ودعم لوجستي وتدريب ومقاتلين أجانب. كما وثقت وجود ما يصل إلى نحو ألفي متعاقد عسكري كولومبي شارك بعضهم في تشغيل طائرات مسيرة وأنظمة أسلحة متقدمة.
الإمارات تنفي تقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع، وتشاد نفت الاتهامات المتعلقة بها.
وفي الوقت نفسه، قالت البعثة إن أدلتها تشير إلى أن الجيش السوداني وسّع قدراته الجوية باستخدام طائرات مسيرة موردة من الخارج، وإن بعض هذه المنظومات استخدم في ضربات أصابت مواقع مدنية، بينها أسواق ومستشفيات.
التحقيق في شبكات الدعم المرتبطة بالجيش، بحسب البعثة نفسها، لا يزال في مرحلة مبكرة.
وهذه الثغرة هي التي يستند إليها معسكر «تأسيس» في اتهام التقرير بعدم التوازن.
التحقيق المقبل قد يكون أكثر حساسية
عثمان كشف أيضًا أن البعثة مستعدة للنظر في الاتهامات المتعلقة باستخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية، إذا توفرت ادعاءات موثوقة قابلة للتحقيق.
وهذه الإشارة مهمة لأنها توسع نطاق المواجهة.
فالخلاف لم يعد فقط حول الطائرات المسيّرة أو الدعم الإماراتي المزعوم لقوات الدعم السريع.
يمكن أن يمتد إلى ملف الأسلحة الكيميائية، وإلى الدول التي تدعم الجيش، وإلى «سلسلة المسؤولية» الكاملة عن تدريب وتسليح وتمويل الطرفين.
وقال رئيس البعثة إن التحقيق في الجهات الخارجية «مجرد بداية»، وإن المحققين يريدون التعمق في كامل سلسلة المسؤولية، من التدريب والنقل إلى الانتشار والاستخدام.
لماذا هذه اللحظة مهمة؟
لأن المعركة المقبلة في جنيف ليست تقنية.
التصويت على استمرار البعثة سيحدد إن كان التحقيق الدولي المستقل سيواصل جمع الأدلة لعام آخر أم لا.
الحكومة المتحالفة مع الجيش تريد إسقاط التمديد.
ائتلاف دولي تقوده بريطانيا يدعم استمرار المهمة، معتبرًا أن التوثيق المستقل ضروري للمساءلة وحماية المدنيين.
أما «تأسيس» فلا يطالب بإنهائها، بل بإعادة توجيه التحقيق بصورة أوسع نحو الجيش والدول التي يقول إنها تدعمه.
وهنا يصبح مجلس حقوق الإنسان ساحة أخرى للحرب السودانية.
ليست ساحة تُطلق فيها المسيّرات.
بل تُحسم فيها مسألة من يحقق، ومن يكتب سجل الانتهاكات، وما الأدلة التي يمكن أن تصل مستقبلًا إلى القضاء الدولي.
أخطر ما في المشهد
عندما يعترض طرفا الحرب في الوقت نفسه على هيئة تحقيق واحدة، فهذا لا يعني بالضرورة أن الهيئة محايدة أو صحيحة في كل ما توصلت إليه.
لكنه يكشف مدى حساسية الدور الذي تؤديه.
فالطرف الذي تُحقق البعثة في شبكات الدعم المرتبطة به يتهمها بالتحيز.
والطرف الذي تحقق البعثة أيضًا في ضرباته ومصادر أسلحته يسعى إلى وقف عملها.
وفي المنتصف يوجد ملايين المدنيين الذين لا يملكون جيشًا ولا وفدًا دبلوماسيًا في جنيف، لكن الأدلة التي تجمع الآن قد تكون يومًا ما الوسيلة الوحيدة لمعرفة من قتلهم ومن سلّح القاتل.
الحرب السودانية دخلت منذ زمن مرحلة الصراع على الرواية، لكن ما يجري في جنيف أعمق من الرواية. إنها معركة على الأدلة نفسها: من يجمعها، ومن يصدقها، ومن يستطيع منع جمعها. وحين يصبح طرفا الحرب غير مرتاحين للمحقق نفسه، فإن السؤال الأهم ليس من انتصر في الجدل، بل هل يبقى للضحايا أصلًا مكان مستقل تُحفظ فيه الوقائع قبل أن تمحوها الحرب والسياسة.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات