الأربعاء، 9 سبتمبر 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

طلاق على خطوط النار.. حين مزّقت الحرب السودانية عقود الزواج قبل أن تنتهي المعارك

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

طلاق على خطوط النار.. حين مزّقت الحرب السودانية عقود الزواج قبل أن تنتهي المعارك
💬 تعليق 0

لقطة AI – السودان
التاريخ: 9 سبتمبر 2026

لم تعد الحرب السودانية تُقاس بعدد المدن المدمرة والنازحين والقتلى وحدهم. خلف خطوط النار تدور حرب أخرى، أقل ظهوراً في نشرات الأخبار، لكنها تدخل البيوت مباشرة: أسر تتفكك، أزواج تفرّقهم مناطق السيطرة، وأطفال يستيقظون ليجدوا أن الحرب التي أخرجتهم من منازلهم أخرجت أحد والديهم أيضاً من حياتهم.

نحو 35 ألف حالة طلاق سُجلت في السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، وفق مصادر بالسلطة القضائية تحدثت إلى «سودان تربيون»، التي وصفت ما يحدث بأنه تمزق اجتماعي غير مسبوق. وتصدرت الخرطوم طلبات الطلاق والخلع والنفقة، تلتها الجزيرة ثم ولايات دارفور، بينما ارتفعت القضايا أيضاً في الولايات التي استقبلت أعداداً كبيرة من النازحين.

والرقم، على ضخامته، لا يحكي القصة كاملة.

زوج في منطقة الجيش.. وزوجة خلف خط السيطرة الآخر

إحدى القصص التي وثقتها «بي بي سي عربي» لسيدة سودانية فضّلت عدم نشر اسمها تكشف كيف تحولت خريطة السيطرة العسكرية إلى جدار داخل الأسرة نفسها.

كان زوجها عسكرياً بالجيش السوداني في الخرطوم. ومع اندلاع القتال انقطع الاتصال بينهما لأكثر من عام، بينما وجدت الزوجة نفسها أمام مسؤولية إعالة الأطفال وتأمين مكان آمن لهم.

انتقلت مع أبنائها للعيش وسط عائلتها. وعندما عاد الاتصال بعد فترة طويلة، كان الزوج موجوداً في منطقة خاضعة للجيش، بينما كانت الزوجة وأطفالها في منطقة تسيطر عليها قوات الدعم السريع.

لم تعد المسافة بين الزوجين تقاس بالكيلومترات.

بينهما نقاط تفتيش، وشبهات سياسية، ومخاطر أمنية، وجبهات قتال.

وطلب الزوج منها العودة إلى الخرطوم. رفضت، معتبرة أن العودة ليست خياراً آمناً لها ولأطفالها. انتهى الخلاف بالطلاق.

في هذه الحالة لم تكن الحرب خلفية للمشكلة الزوجية؛ كانت جزءاً من المشكلة نفسها.

وعلى الضفة الأخرى.. القصة تتكرر

وفي قصة أخرى، لزوجة أحد أفراد قوات الدعم السريع، كان المشهد مختلفاً في التفاصيل ومتشابهاً في النتيجة.

الأم، التي لديها ثلاثة أطفال، قالت إنها ظلت تنتقل مع زوجها من منطقة إلى أخرى بسبب طبيعة وجوده العسكري، بينما أصبحت الحياة أكثر قسوة على الأطفال وأبعدتهم عن عائلتها في الخرطوم.

ومع استمرار الخلافات والاضطراب الأمني، قررت في النهاية الفرار بأطفالها والعودة إلى أسرتها، لتجد نفسها مسؤولة وحدها عن إعالتهم.

الحرب هنا لا تسأل إلى أي طرف ينتمي الزوج.

ففي الحالتين كانت النتيجة واحدة تقريباً: امرأة تتحمل الأطفال، وأسرة موزعة بين مناطق الصراع، وعلاقة زوجية انهارت تحت ضغط واقع لم يكن موجوداً قبل 15 أبريل.

35 ألف طلاق.. الاقتصاد حاضر أيضاً

لكن خطوط السيطرة ليست السبب الوحيد.

فالحرب دمّرت أيضاً واحداً من أهم أعمدة الاستقرار الأسري: الدخل.

فقد كثيرون وظائفهم وأعمالهم ومدخراتهم، وتوقفت أو اضطربت الرواتب، وانتقلت أسر من مساكن مستقلة إلى بيوت مكتظة بالأقارب أو مراكز إيواء، بينما تبدلت الأدوار داخل الأسرة بصورة قسرية.

باحثون تحدثوا إلى وسائل إعلام سودانية ربطوا ارتفاع حالات الطلاق بهذا الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، إلى جانب النزوح الطويل وفقدان مصادر الرزق والضغوط النفسية المتراكمة.

وهذه ليست أزمة هامشية داخل المشهد السوداني الأوسع.

فمنظمة الهجرة الدولية قالت إن عدد النازحين داخلياً بلغ ذروة قاربت 11.6 مليون شخص خلال 2025، وظل نحو 8.9 مليون في حالة نزوح داخلي حتى أبريل 2026، رغم عودة الملايين إلى مناطقهم الأصلية.

وعندما يُقتلع ملايين الأشخاص من بيوتهم، لا تنتقل معهم الحقائب فقط؛ تنتقل الخلافات والديون والمسؤوليات والخوف أيضاً.

طلاق في غياب الزوج

الأكثر تعقيداً أن الحرب أعادت تشكيل حتى الطريق المؤدي إلى المحكمة.

المحامي حيدر زكي أوضح في حديث نقلته «بي بي سي عربي» أن بعض دعاوى الطلاق أصبحت تواجه معضلة إعلان الزوج بسبب وجوده في منطقة تخضع للطرف الآخر.

وقد يجري الإعلان عبر الصحف ثم تنظر المحكمة في القضية غيابياً إذا تعذر الوصول إلى الزوج، وهو ما قد يؤدي لاحقاً إلى نزاعات قانونية عندما يكتشف أحد الطرفين أن إجراءات قضائية تمت بينما كان عملياً محاصراً خلف خطوط الحرب أو غير قادر على الوصول إلى منطقة المحكمة.

هنا يتحول التقسيم العسكري للبلاد إلى تقسيم قانوني واجتماعي أيضاً.

الطريق إلى المحكمة نفسها قد يمر عبر منطقة يسيطر عليها الخصم.

النساء في قلب الفاتورة

قبل أن تصل أزمة الزواج إلى المحاكم، تكون النساء غالباً قد حملن جزءاً كبيراً من آثار النزوح.

وقالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة في أبريل 2025 إن أكثر من ستة ملايين امرأة وفتاة سودانية نازحة كن يواجهن أخطاراً يومية تتعلق بالأمن والحصول على الاحتياجات الأساسية. كما وثقت المنظمة قصص نساء فقدن مصادر دخلهن واضطررن إلى إعالة أسرهن وسط النزوح والقتال.

ولذلك فإن أرقام الطلاق لا ينبغي قراءتها باعتبارها مجرد تغير في السلوك الاجتماعي أو زيادة في الخلافات الزوجية.

خلف الرقم أسر فقدت المنزل والعمل والاستقرار، وأزواج غابوا لأشهر أو سنوات، ونساء أصبحن المعيل الوحيد، وأطفال ينتقلون من ولاية إلى أخرى بينما يتراجع مفهوم «البيت» نفسه من مكان ثابت إلى حقيبة ومأوى مؤقت.

ما لا يظهر في إحصاءات الحرب

قد يأتي يوم تتوقف فيه المدافع، وتبدأ إعادة إعمار الجسور والمستشفيات ومحطات الكهرباء والمنازل.

لكن ترميم الأسرة أكثر تعقيداً.

فالمنزل يمكن إعادة بنائه بالطوب، والطريق يمكن تعبيده، ومحطة الكهرباء يمكن إصلاحها. أما طفل أمضى ثلاث سنوات بعيداً عن أحد والديه، أو امرأة خرجت من الحرب بأسرة مفككة ومسؤولية كاملة عن أطفالها، فقصتها لا تنتهي بتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار.

وهنا تظهر واحدة من أخطر فواتير الحرب السودانية التي يصعب وضعها داخل جداول الخسائر.

35 ألف وثيقة طلاق ليست 35 ألف ورقة. إنها آلاف الأسر التي وصلت الحرب إليها وهي جالسة داخل البيت.

ومع استمرار القتال والنزوح والانهيار الاقتصادي، قد يكون الرقم الحالي مجرد صورة مرحلية لمشكلة اجتماعية ستظل آثارها قائمة حتى بعد أن يسكت آخر سلاح.

لذلك، فإن الحديث عن إعادة إعمار السودان بعد الحرب لا يمكن أن يبدأ بالمباني وحدها.

فالبلاد ستحتاج أيضاً إلى إعادة إعمار ما كسرته الحرب بين الناس.

محررو لقطة AI

عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً