الخميس، 10 سبتمبر 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

من القصر إلى طاولة الحوار.. الخماسية تختبر شروط التسوية في الخرطوم والحرب تضع سقفها على السياسة

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

من القصر إلى طاولة الحوار.. الخماسية تختبر شروط التسوية في الخرطوم والحرب تضع سقفها على السياسة
💬 تعليق 0

محررو لقطة AI
10 سبتمبر 2026

لم تعد زيارة الآلية الخماسية إلى الخرطوم مجرد محطة دبلوماسية لاستطلاع المواقف.

فخلال سلسلة مكثفة من الاجتماعات، الأربعاء، انتقلت الآلية التي تجمع الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي و«إيغاد» والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية من مرحلة الاستماع العام إلى مناقشة أسئلة أكثر صعوبة: من يشارك في الحوار السوداني؟ من يضمن سلامة المشاركين؟ ما حدود التدخل الخارجي؟ وكيف يمكن إطلاق عملية سياسية بينما الحرب نفسها لم تتوقف؟

والتقى وفد الخماسية قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، ورئيس الوزراء كامل إدريس، ولجنة تهيئة الحوار السوداني–السوداني، إلى جانب مشاوراته مع قوى سياسية ومدنية، في أول تحرك من هذا النوع داخل الخرطوم منذ اندلاع الحرب. (سودان تربيون⁠)

والرسالة التي خرج بها الوفد كانت واضحة في أحد جوانبها: لا حل عسكريًا للحرب، وأي عملية سياسية قابلة للاستمرار يجب أن تسير بالتوازي مع إجراءات عملية لحماية المدنيين وخفض الأعمال العدائية.

لكن الطريق من هذه العبارة إلى تسوية حقيقية لا يزال طويلًا.

البرهان والخماسية.. السلام أولًا ولكن بأي صيغة؟

في القصر الجمهوري، بحث البرهان مع الوفد جهود السلام والعملية السياسية، وقدم، وفق إعلام مجلس السيادة، عرضًا لتطورات الأوضاع في البلاد.

وقال محمد بن شمباس، رئيس الآلية الأفريقية رفيعة المستوى والمعني بالأزمة السودانية، متحدثًا باسم الوفد، إن الزيارة تهدف إلى الربط بين جهود الخماسية خارج السودان والمبادرات الجارية في الداخل.

وأضاف أن الهدف النهائي هو الدفع نحو «مسار سياسي موثوق وشامل» يقود إلى انتقال نحو حكومة ديمقراطية تعبر عن تطلعات السودانيين.

الأهم أن الخماسية أكدت احترامها لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ورفضها إقامة هياكل موازية. (سودان تربيون⁠)

هذه العبارة الأخيرة ذات وزن سياسي خاص.

فالسودان لم يعد يواجه فقط حربًا بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل أصبح يواجه أيضًا خطر ترسيخ هياكل حكم متنافسة في مناطق مختلفة من البلاد.

لذلك فإن إعلان الخماسية رفض الكيانات الموازية يضع مبدأ وحدة الدولة السودانية داخل الأساس الذي تريد أن تبني عليه أي عملية سياسية مقبلة.

كامل إدريس يفتح الملفات الخلافية

أما لقاء رئيس الوزراء كامل إدريس مع الخماسية فلم يبق داخل حدود الحديث البروتوكولي عن السلام.

إدريس استغل الاجتماع لمواجهة عدد من السرديات الدولية والإعلامية المتعلقة بالحرب.

ونفى اتهامات استخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية، ووصفها بأنها ادعاءات كاذبة، كما رفض توصيف الحرب باعتبارها مجرد صراع بين جنرالين، ونفى أن تكون الحكومة خاضعة لسيطرة الإسلاميين. وهذه مواقف صادرة عن الحكومة السودانية ولا تمثل، في حد ذاتها، حسمًا مستقلًا للاتهامات محل الجدل. (سودان تربيون⁠)

وهذه النقطة مهمة تحريريًا.

فملف الأسلحة الكيميائية تحديدًا أصبح موضع اتهامات وتقارير دولية وعقوبات أميركية، بينما تنفي السلطات السودانية بصورة قاطعة استخدام هذه الأسلحة.

إدخال الملف إلى اجتماع الخماسية يعني أن الخرطوم تريد أن تكون رواية الحرب نفسها جزءًا من التفاوض مع المجتمع الدولي، لا مجرد ترتيبات وقف إطلاق النار.

الحوار «ملك للسودانيين»

إدريس قال كذلك إن الحوار المرتقب «ملك للشعب السوداني»، وإن حكومته مستعدة لتنفيذ مخرجاته، مؤكدًا استعدادها للتعاون مع الآلية من أجل السلام.

هذه اللغة تتقاطع مع موقف القوى السياسية التي التقتها الخماسية.

فالكتلة الديمقراطية، على سبيل المثال، شددت على ضرورة أن يكون الحوار سودانيًا في ملكيته وقيادته، وأن يشمل الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية للأزمة، مع الحفاظ على وحدة البلاد ووقف التدخلات الخارجية. (اليوم السابع⁠)

وحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم رحبت بالحوار، لكنها اشترطت أن يكون شاملًا جغرافيًا وفئويًا ونوعيًا، وأن يشمل النازحين واللاجئين والقطاعات المتضررة من الحرب. (Altabia⁠)

وهكذا بدأت تظهر نقطة اتفاق مبدئية بين أطراف مختلفة:

الحوار يجب أن يكون سودانيًا.

لكن الاتفاق على العبارة أسهل بكثير من الاتفاق على معناها.

فمن يمثل السودان؟

ومن يجلس على الطاولة؟

ومن يُستبعد؟

ومن يحدد وزن القوى المدنية والعسكرية والمسلحة؟

هذه هي الأسئلة التي ستحدد ما إذا كان «الحوار السوداني–السوداني» سيصبح عملية سياسية حقيقية أم مجرد عنوان جديد لمسار قديم.

سؤال الضمانات يظهر للمرة الأولى بوضوح

أحد أهم تفاصيل اجتماعات الأربعاء جاء من لقاء الخماسية مع لجنة تهيئة الحوار.

المتحدث باسم اللجنة عثمان ميرغني قال إن الوفد طرح أسئلة تتعلق بالضمانات المقدمة للمشاركين في الحوار، إلى جانب ضرورة توسيع المشاورات لتشمل النساء والشباب والنازحين واللاجئين والمتضررين من عدم الاستقرار. (سودان تربيون⁠)

وهذه ليست مسألة إجرائية صغيرة.

في بلد تمزقه الحرب وتنتشر فيه الاعتقالات والملاحقات والانقسامات السياسية الحادة، لا يمكن مطالبة خصوم السلطة أو شخصيات قادمة من مناطق خارج سيطرتها بالحضور إلى عملية حوار من دون الإجابة عن سؤال بسيط:

هل يستطيعون الدخول والمشاركة ثم المغادرة بأمان؟

لذلك فإن انتقال النقاش إلى «الضمانات» يعني أن الخماسية بدأت تقترب من التفاصيل العملية للحوار بدل الاكتفاء بالدعوة إليه.

النازحون واللاجئون ليسوا هامشًا

هناك تحول آخر يستحق الانتباه.

الحرب أخرجت ملايين السودانيين من منازلهم، داخل البلاد وخارجها.

ومع ذلك، غالبًا ما تُبنى العمليات السياسية حول الأحزاب والحركات المسلحة والنخب الموجودة في العواصم.

إذا جرى هذه المرة إدخال النازحين واللاجئين والنساء والشباب والمتضررين مباشرة من الحرب ضمن عملية التشاور، فقد يتغير شكل الحوار نفسه.

فالحرب التي بدأت أزمة سلطة أصبحت أيضًا أزمة مجتمع ودولة.

ولهذا فإن أي تسوية تقتصر على توزيع المناصب بين القوى السياسية والعسكرية لن تكون كافية لمعالجة آثارها.

السياسة لا تستطيع تجاوز الميدان

رغم الزخم الذي صاحب اجتماعات الخرطوم، تبقى هناك مشكلة أكبر من كل اللجان.

الحرب مستمرة.

وهذا ما يبدو أن الخماسية تدركه.

بن شمباس أكد أنه لا يوجد حل عسكري، وأن العملية السياسية المستدامة يجب أن تقترن بخطوات ملموسة لحماية المدنيين ووقف الأعمال العدائية. (سودان تربيون⁠)

هذه ربما أهم جملة في الزيارة.

لأن السودان شهد منذ أبريل 2023 مبادرات ومنابر ووساطات كثيرة.

لكن الفجوة ظلت قائمة بين مسارين:

مسار يريد وقف الحرب.

ومسار يريد الاتفاق على شكل السلطة بعد الحرب.

إذا لم يلتق المساران، ستظل السياسة تجري في قاعة بينما تتغير موازين القوى في الميدان.

ما الذي تغير عن بداية زيارة الخماسية؟

عندما وصلت الآلية إلى الخرطوم، كان الخبر الأساسي هو أن خمسة أطر دولية وإقليمية تحاول للمرة الأولى تنسيق تحركها داخل العاصمة.

بعد اجتماعات الأربعاء أصبحت الصورة أكثر وضوحًا.

هناك الآن حديث عن عملية سياسية شاملة، وحكومة ديمقراطية، ورفض الهياكل الموازية، وضمانات للمشاركين، وتمثيل للنازحين واللاجئين والنساء والشباب، وربط المسار السياسي بحماية المدنيين ووقف الأعمال العدائية.

وفي الجانب السوداني، ظهرت أيضًا خطوط حمراء:

ملكية سودانية للحوار.

رفض الإملاءات الخارجية.

الحفاظ على وحدة الدولة.

ومطالبة بعض القوى بوقف التدخلات الخارجية وخروج المقاتلين الأجانب. (سودان تربيون⁠)

هذه ليست تسوية بعد.

لكنها بداية ظهور شكل المفاوضات حول المفاوضات نفسها.

المشكلة التي لم تُحل بعد

رغم كل ذلك، لا يزال الطرف الآخر في الحرب هو السؤال الأكبر.

أي عملية تريد إنهاء الحرب تحتاج في مرحلة ما إلى التعامل مع قوات الدعم السريع والقوى الموجودة في المناطق الخاضعة لسيطرتها، سواء عبر مسار أمني لوقف إطلاق النار أو عبر ترتيبات سياسية أوسع.

وفي الوقت نفسه، تتمسك السلطات والقوى المتحالفة معها برفض أي بنية حكم موازية.

وهنا تقع العقدة.

كيف تحافظ الوساطة على وحدة السودان، وترفض تكريس سلطتين، وفي الوقت نفسه تبني مسارًا يستطيع الوصول إلى جميع الأطراف المسلحة والسياسية المؤثرة؟

الإجابة عن هذا السؤال ستحدد مصير الخماسية أكثر من عدد الاجتماعات التي تعقدها في الخرطوم.

ماذا ينبغي متابعته بعد مغادرة الوفد؟

الاختبار الأول هو ما إذا كانت الزيارة ستنتج خطوات مكتوبة أو جدولًا زمنيًا بدل الاكتفاء بالتصريحات.

والثاني هو طبيعة الضمانات التي يمكن تقديمها للقوى المدعوة إلى الحوار.

أما الثالث فهو العلاقة بين الخماسية والمسارات الأخرى، خصوصًا الجهود الرامية إلى وقف إطلاق النار وخفض التصعيد.

لكن الاختبار الحقيقي سيكون في مكان آخر:

هل تستطيع الخماسية تحويل التوافق اللفظي على «الحوار السوداني» إلى طاولة تستطيع جمع سودانيين لا يتفقون حتى الآن على تعريف الحرب نفسها؟

فالخرطوم اليوم تسمع كثيرًا من الكلمات التي سمعتها من قبل: السلام، الحوار، الشمول، الانتقال الديمقراطي.

الجديد لن يكون في تكرارها.

الجديد سيكون عندما تتحول واحدة منها إلى إجراء يمكن قياسه: حماية مدني، وقف هجوم، إطلاق محتجز، ضمان عودة مشارك، أو تحديد موعد لطاولة يجلس إليها المختلفون فعلًا.

الخماسية دخلت الخرطوم وهي تحمل فكرة جمع المسارات. وبعد اجتماعات الأربعاء أصبح واضحًا أن المشكلة ليست نقص المبادرات، بل كيفية تحويلها إلى طريق واحد. السودان لا يحتاج إلى طاولة جديدة فقط؛ يحتاج إلى طاولة تستطيع الوصول إلى الميدان، وإلى عملية سياسية لا يصبح فيها صوت السلاح هو الذي يحدد في النهاية من يجلس عليها.

عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً