محررو لقطة AI
10 سبتمبر 2026
لم تعد مزاعم استخدام أسلحة كيميائية في حرب السودان ملفًا عسكريًا وحقوقيًا فحسب. فمع ظهور شهادات وتحقيقات جديدة تطالب بتحقيق دولي رسمي، يقترب الملف من منطقة أشد حساسية: الطاقة والموانئ والتجارة على البحر الأحمر.
الخطر هنا لا يعني أن ميناء بورتسودان أصبح خاضعًا لعقوبات أو أن حركة النفط توقفت بسبب الاتهامات؛ لا توجد حتى الآن أدلة على حدوث ذلك. لكن استمرار تصاعد الملف قد يرفع المخاطر القانونية والتجارية المرتبطة بالتعامل مع السودان، في وقت تعتمد فيه البلاد على ساحلها الشرقي لاستقبال الوقود والسلع والمساعدات، ويعتمد جنوب السودان غير الساحلي على الأراضي والموانئ السودانية لإيصال جانب أساسي من نفطه إلى الأسواق العالمية.
والتطور الأحدث جاء في 9 سبتمبر، عندما كشفت «يورونيوز» عن تحقيق من 32 صفحة قاده مسؤولون كبار سابقون في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، استند إلى شهادات ثمانية سودانيين ومواد رقمية وصور، وخلص إلى وجود مؤشرات وصفها بأنها متسقة وذات مصداقية على احتمال التعرض لمواد سامة خلال عمليات عسكرية بين 2024 و2025. لكنه لم يستطع إثبات استخدام سلاح كيميائي بصورة قاطعة أو تحديد المادة المستخدمة.
وهذه النقطة ضرورية منذ البداية: السودان يواجه اتهامات خطيرة ومتزايدة، لا حكمًا دوليًا نهائيًا مثبتًا.
الجيلي يعيد الملف إلى نقطة البداية
أقوى الشهادات التي تناولها التحقيق الجديد جاءت من شخصين كانا موجودين في مصفاة الجيلي شمال الخرطوم في سبتمبر 2024، عندما كانت المنشأة تحت سيطرة قوات الدعم السريع.
وبحسب التحقيق، وصف الشاهدان بصورة منفصلة مرور طائرة عسكرية، وسقوط أجسام شبيهة بالبراميل، ثم انبعاثات وروائح غير مألوفة وأعراض تنفسية حادة أصابت نحو عشرين عاملًا، إضافة إلى تغيرات لاحقة في النباتات قرب موقع الضربة. وقال الخبراء إن الأعراض التنفسية والعينية الموصوفة تتوافق مع التعرض لمادة مهيجة أو كيميائية خطرة، لكنهم لم يتمكنوا من تحديد المادة.
وتتقاطع هذه الشهادات مع تحقيقات صحفية سابقة نشرت خلال الأيام الماضية واستندت إلى وثائق ومراسلات وصور قالت إنها تشير إلى تطوير واستخدام ذخائر تحتوي على الكلور خلال الحرب. في المقابل، رفضت الحكومة السودانية والجيش الاتهامات، وطالبت الخرطوم بتحقيق مستقل بدل التعامل مع المزاعم باعتبارها حقائق محسومة.
الفرق الآن أن المطالبة بالتحقيق لم تعد تأتي فقط من وسائل الإعلام أو خصوم الجيش.
فالفريق الذي تحدثت إليه «يورونيوز»، ويضم مسؤولين سابقين كبارًا في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، طالب المنظمة والدول الأعضاء فيها بفتح تحقيق رسمي.
من ملف عسكري إلى مخاطرة اقتصادية
إذا بقيت القضية داخل إطار التحقيقات والاتهامات، فقد تظل آثارها الاقتصادية محدودة.
لكن إذا تطورت إلى إجراءات دولية إضافية، تتغير الحسابات.
العقوبات الحديثة لا تعمل فقط من خلال النص القانوني المكتوب. البنوك وشركات التأمين والشحن ومزودو الخدمات البحرية يتخذون قراراتهم أيضًا بناءً على المخاطر.
وحين يصبح بلد ما مرتبطًا بملفات عقوبات متزايدة، تبدأ الشركات أحيانًا في تطبيق ما يعرف بـ«الإفراط في الامتثال»: الانسحاب من معاملات قانونية أصلًا لأن تكلفة التدقيق والمخاطرة أعلى من الربح المتوقع.
بالنسبة إلى السودان، يصبح هذا الاحتمال أكثر حساسية لأن بوابته الرئيسية إلى العالم تقع في الشرق.
بورتسودان ليست مجرد ميناء
بورتسودان تؤدي اليوم أدوارًا أكبر بكثير من وظيفة مدينة ساحلية.
عبرها تمر الواردات التجارية والوقود والمواد الإنسانية، وفي محيط الساحل توجد بنية تحتية مرتبطة بتصدير النفط، بما فيها مرافق تستخدمها صادرات جنوب السودان.
وبالنسبة إلى جوبا، القضية وجودية اقتصاديًا تقريبًا.
جنوب السودان دولة غير ساحلية، وتعتمد صادراتها النفطية تاريخيًا على خطوط أنابيب تعبر السودان وصولًا إلى البحر الأحمر.
لذلك فإن أي اضطراب كبير في سلسلة النفط السودانية لا يبقى داخل حدود السودان.
يمتد جنوبًا.
ويصل أثره في النهاية إلى المشترين وشركات النقل والأسواق.
هذه الحقيقة تجعل الساحل السوداني نقطة التقاء بين الحرب الداخلية وأمن الطاقة الإقليمي.
الخطر ليس بالضرورة إغلاق الميناء
من السهل تصور السيناريو الأكثر درامية: عقوبات، حصار، سفن تتوقف.
لكن السيناريو الواقعي قد يكون أكثر هدوءًا وأقل ظهورًا.
شركة تأمين ترفع سعر التغطية.
بنك يطلب تدقيقًا إضافيًا قبل تحويل الأموال.
شركة شحن ترفض حمولة معينة.
مورد يتردد في بيع مادة يمكن استخدامها مدنيًا وعسكريًا.
تتراكم هذه القرارات الصغيرة، وفي النهاية ترتفع تكلفة التجارة حتى من دون صدور قرار دولي بإغلاق أي ميناء.
وهذا هو الفارق بين العقوبة القانونية وعلاوة المخاطر.
الأولى تحتاج إلى قرار.
الثانية يستطيع السوق فرضها بنفسه.
مفارقة الكلور: سلاح محتمل ومادة تنقذ الحياة
هنا تظهر واحدة من أعقد جوانب القضية.
الكلور ليس مادة عسكرية في الأصل.
إنه مادة صناعية ومدنية أساسية، ويستخدم على نطاق واسع في تنقية مياه الشرب والتعقيم ومكافحة الأمراض المنقولة بالمياه.
لكن استخدام أي مادة كيميائية سامة كسلاح محظور بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
وهذا يخلق معضلة للسودان إذا استمرت المزاعم.
تشديد الرقابة على المواد ذات الاستخدام المزدوج قد يكون مفهومًا أمنيًا، لكن تطبيق قيود واسعة وغير دقيقة يمكن أن يصيب الاستخدام المدني أيضًا.
وفي بلد شهد تفشي الكوليرا وتضرر شبكات المياه ومحطات المعالجة، فإن تأخر وصول مواد التنقية ليس مسألة تجارية بسيطة.
إنه خطر صحي.
لهذا ينبغي أن تكون أي إجراءات دولية محتملة دقيقة للغاية: منع الاستخدام العسكري من دون خنق الاستخدام الإنساني.
مصفاة الجيلي تحمل رمزية مضاعفة
ليس مصادفة أن تصبح مصفاة الجيلي مركزًا في الروايات الجديدة.
المصفاة كانت إحدى أهم منشآت الطاقة السودانية قبل الحرب، وتحولت منذ اندلاع القتال إلى موقع استراتيجي تنازع الطرفان السيطرة عليه.
وبذلك تجمع الجيلي داخل مكان واحد ثلاثة ملفات:
الحرب.
الطاقة.
والاتهامات الكيميائية.
إذا أثبت تحقيق دولي مستقل في المستقبل استخدام مادة كيميائية محظورة هناك، فلن يكون الأثر متعلقًا فقط بمن أصدر الأمر ومن نفذه.
ستظهر أسئلة بشأن مصدر المواد، وسلسلة التوريد، والجهات التي نقلتها، وما إذا كانت مواد مخصصة أصلًا للاستخدام المدني قد حُولت إلى استخدام عسكري.
أما إذا لم تثبت المزاعم، فستكون هناك قضية مختلفة تمامًا تتعلق بالأضرار السياسية والاقتصادية التي يمكن أن تنتج عن اتهامات شديدة الخطورة قبل حسمها فنيًا.
لهذا يحتاج السودان إلى تحقيق مستقل بقدر ما يحتاجه المجتمع الدولي.
البحر الأحمر المزدحم أصلًا بالأزمات
تأتي القضية في منطقة لا تحتاج إلى مصدر جديد للمخاطر.
البحر الأحمر أحد أهم الممرات التجارية في العالم، وقد تعرضت حركة الملاحة فيه خلال السنوات الأخيرة لضغوط أمنية وسياسية متعددة.
إضافة ملف سوداني مرتبط بالعقوبات والطاقة إلى هذه البيئة لا يعني تلقائيًا أزمة إقليمية، لكنه يضيف متغيرًا جديدًا إلى حسابات شركات الشحن والتأمين والدول المطلة على البحر.
والسودان نفسه أصبح أكثر اعتمادًا على الشرق منذ أن دفعت الحرب مؤسسات الدولة والبعثات والمنظمات والأعمال التجارية نحو بورتسودان.
بمعنى آخر: كلما ضعفت بقية البلاد، ازدادت أهمية الساحل.
ولهذا فإن انتقال الضغوط إلى الساحل ستكون تكلفته أعلى مما كانت عليه قبل الحرب.
لا ينبغي القفز من الاتهام إلى العقوبة
التحقيق الجديد نفسه يقدم سببًا قويًا للحذر.
فريق الخبراء قال إنه وجد شهادات متسقة ومؤشرات تستحق التحقيق، لكنه لم يستطع الوصول إلى استنتاج قاطع بأن الأسلحة الكيميائية استخدمت، ولم يتمكن من تحديد المادة في الحوادث التي فحصها.
وهذه ليست ملاحظة هامشية.
التحقيق الفني في الأسلحة الكيميائية يحتاج إلى سلسلة إثبات معقدة: عينات بيئية وطبية، تحليل مختبري، تحديد مواقع وزمن التعرض، التحقق من الذخائر وسلسلة حيازتها، ثم ربط المادة المستخدمة بالطرف المسؤول.
الشهادة مهمة.
الصورة مهمة.
الوثيقة مهمة.
لكن النتيجة القانونية النهائية تحتاج أكثر من ذلك.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة ينبغي ألا تكون سباقًا بين من يريد إدانة الجيش ومن يريد تبرئته سياسيًا.
يجب أن تكون سباقًا للوصول إلى الأدلة القابلة للفحص المستقل.
ما الذي تغير الآن؟
في البداية كان الملف قائمًا بصورة كبيرة على اتهامات أميركية وعقوبات رفضتها الخرطوم.
ثم ظهرت تحقيقات صحفية تستند إلى وثائق وصور ومراسلات مزعومة.
والآن أضيفت شهادات لأشخاص يقولون إنهم تعرضوا مباشرة أو تعاملوا طبيًا مع آثار حوادث مشتبه بها، وفريق يقوده مسؤولون سابقون في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية يطالب بتحقيق رسمي.
هذه التراكمات لا تثبت القضية.
لكنها تجعل تجاهلها أصعب.
والسؤال الذي ينبغي مراقبته الآن هو ما إذا كانت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية ستتحرك رسميًا، وما إذا كانت الخرطوم ستتيح تحقيقًا مستقلًا قادرًا على الوصول إلى المواقع والوثائق والشهود.
بعد ذلك فقط يمكن الانتقال من لغة «المزاعم» إلى لغة النتائج.
والفاتورة قد تصل إلى مواطن لا علاقة له بالسلاح
هذه هي الزاوية التي تجعل القضية أكبر من ملف عسكري.
إذا اتسعت العقوبات أو أصبحت البنوك وشركات الشحن أكثر حذرًا، فقد يدفع التكلفة تاجر يستورد سلعة، أو مستشفى ينتظر مادة طبية، أو محطة مياه تحتاج إلى الكلور، أو مواطن يشتري الوقود بسعر أعلى.
وقد تمتد التكلفة إلى جنوب السودان إذا تعرضت منظومة تصدير النفط عبر الأراضي والموانئ السودانية لضغوط إضافية.
وهنا تكمن خطورة الملف.
الاتهام يتعلق بما حدث في ساحة حرب بعيدة عن البحر، لكن تداعياته المحتملة تستطيع السير عبر خطوط الأنابيب حتى بورتسودان، ثم الخروج إلى البحر الأحمر. وبين الجيلي والميناء توجد دولة منهكة لا تحتمل عقوبات عمياء ولا تستطيع في الوقت نفسه ترك اتهام باستخدام سلاح محظور بلا تحقيق. المطلوب ليس دفن الملف ولا إصدار الحكم قبل الأدلة؛ المطلوب تحقيق مستقل يحسمه، وإجراءات دولية تميز بدقة بين من يستخدم المادة كسلاح ومن يحتاجها لتنقية كوب ماء.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات