محررو لقطة AI
10 سبتمبر 2026
قالت الحكومة السودانية للمواطن في أغسطس: لن تدفع رسوم المياه السكنية حتى نهاية العام.
على الورق، تبدو الخطوة إعفاءً مباشرًا لأسرة أنهكتها الحرب وارتفاع الأسعار.
لكن في أحياء من الخرطوم، تكفي نظرة إلى عربة مياه تقف أمام منزل لمعرفة المفارقة.
الدولة أعفت المواطن من فاتورة المياه، لكن الماء نفسه قد يكلفه أكثر من الفاتورة.
في جبل أولياء، جنوب الخرطوم، أفادت تقارير محلية في الثامن من سبتمبر بأن سعر برميل المياه المنقول وصل إلى نحو 15 ألف جنيه سوداني وسط اضطراب الإمداد وعدم استقرار الكهرباء. وفي 22 أغسطس، كانت تقارير من العاصمة تتحدث عن نحو 4 آلاف جنيه للبرميل في مناطق تعاني نقص المياه.
الفارق الهائل بين الرقمين لا يصلح لصناعة «متوسط سعر» للخرطوم؛ فالأسعار تختلف باختلاف المنطقة والمسافة وتوفر المياه والوقود. لكنه يكشف طبيعة السوق الجديدة التي صنعتها الحرب:
كلما ابتعد الماء عن الشبكة، اقترب من السوق. وكلما غابت الكهرباء العامة، ارتفعت فاتورة البديل الخاص.
هذه هي «فاتورة الظلام».
ليست فاتورة كهرباء فقط.
إنها ثمن الماء الذي لم تضخه الكهرباء، والوقود الذي شغّل المولد، واللوح الشمسي الذي حل محل الشبكة، والطعام الذي فسد في الثلاجة، والعمل الذي توقف، والهاتف الذي يحتاج إلى الشحن، والمريض الذي يحتاج إلى دواء محفوظ في البرودة.
والأخطر أن هذه الفاتورة لا تصل في ورقة واحدة.
لذلك يصعب على المواطن حتى أن يعرف كم يدفعها.
من 4,400 إلى 1,100 ميغاواط
حجم الانهيار يبدأ من الشبكة القومية نفسها.
قبل الحرب، كانت قدرة إنتاج الكهرباء في السودان تبلغ نحو 4,400 ميغاواط. اليوم انخفض الإنتاج الفعلي إلى نحو 1,100 ميغاواط، وفق بيانات نقلتها وكالة أسوشيتد برس، بينما قدرت الأمم المتحدة الأضرار التي لحقت بقطاع الكهرباء منذ اندلاع الحرب بما يصل إلى 3 مليارات دولار.
وفي مناطق من البلاد، تمتد الانقطاعات إلى 16 ساعة يوميًا، بينما قالت وزارة الطاقة في يوليو إن بعض المناطق شهدت انقطاعات تجاوزت 18 ساعة، نتيجة مزيج من تضرر محطات التوليد والتحويل وخطوط النقل، وتوقف الربط الكهربائي مع إثيوبيا، والصيانة، وارتفاع الطلب.
ولا توجد أزمة واحدة متطابقة في كل السودان.
بعض المناطق تعاني نقص التوليد.
بعضها يعاني انهيار النقل.
وأخرى تضررت فيها المحولات والأسلاك أو نُهبت.
وفي أجزاء من الغرب كانت شبكات الديزل المنفصلة عن الشبكة القومية تعاني أصلًا من اضطراب إمدادات الوقود.
لكن النتيجة بالنسبة إلى المواطن واحدة:
المقبس موجود على الحائط.
والكهرباء ليست موجودة فيه.
الكهرباء لا تنطفئ وحدها
في السودان، عندما ينقطع التيار لا تتوقف المروحة فقط.
قد يتوقف الماء.
محطة تنقية المياه تحتاج إلى كهرباء.
البئر يحتاج إلى مضخة.
المضخة تحتاج إلى طاقة.
رفع المياه إلى الخزان يحتاج إلى طاقة.
حتى ضخ الماء من الشبكة إلى المناطق البعيدة يعتمد على منظومة كهربائية تعمل باستمرار.
ولهذا أصبحت أزمتا الكهرباء والمياه أزمة واحدة.
وثقت اليونيسف أن 4 فقط من 17 محطة لمعالجة المياه في ولاية الخرطوم كانت تعمل في إحدى مراحل الأزمة التي أعقبت الهجمات وانقطاعات الكهرباء المرتبطة بسد مروي. وفي الشمالية، أدى انقطاع الكهرباء بعد هجمات على السد إلى توقف أكثر من 200 محطة مياه في دنقلا ومروي.
وفي النصف الأول من 2026، قالت اليونيسف إن تدهور البنية التحتية والهجمات على منشآت المياه والكهرباء والانقطاعات المتكررة وارتفاع الوقود واصلت الضغط على إمدادات المياه في أنحاء السودان.
هكذا تصبح الكهرباء ماءً.
ويصبح انقطاع الكهرباء عطشًا.
الحكومة ألغت الفاتورة.. لكن ماذا ألغت بالضبط؟
في الأول من يونيو، أعلنت هيئة مياه الخرطوم تخفيض فاتورة المياه السكنية بنسبة 50%.
أصبحت الفئات الشهرية المعلنة 3 آلاف جنيه للدرجة الثالثة، و6 آلاف للثانية، و12 ألفًا للأولى.
ثم جاءت الحكومة الاتحادية في أغسطس بخطوة أكبر.
أعلن رئيس الوزراء كامل إدريس إعفاء جميع المواطنين في القطاع السكني من رسوم المياه حتى نهاية 2026، مع توجيهات لتحسين الإمداد وإضافة محطات جديدة.
سياسيًا واجتماعيًا، القرار مهم.
لكن المشكلة تظهر عندما نفرق بين شيئين:
فاتورة المياه، والمياه نفسها.
الدولة تستطيع إعفاء المواطن من رسم الخدمة.
لكنها إذا لم توصل الخدمة إلى منزله، سيذهب المواطن إلى السوق ليشتري ما أعفته الدولة من دفع ثمنه.
وفي جبل أولياء وصل سعر البرميل إلى نحو 15 ألف جنيه هذا الأسبوع.
وهنا تصبح المفارقة واضحة.
أسرة افتراضية تضطر إلى شراء برميل واحد كل يومين بالسعر المذكور ستدفع نحو 225 ألف جنيه خلال 30 يومًا.
وإذا احتاجت برميلًا يوميًا، ترتفع الكلفة إلى نحو 450 ألف جنيه شهريًا.
هذه ليست تقديرات لمتوسط إنفاق الأسرة السودانية، ولا نفترض أن كل منزل يستهلك الكمية نفسها أو يدفع السعر نفسه. إنها عملية حسابية توضيحية تبين ماذا يعني سعر 15 ألف جنيه للبرميل عندما يتحول الشراء من حل طارئ إلى احتياج متكرر.
وبالمقارنة، فإن الفاتورة الرسمية الأعلى للمياه في الخرطوم قبل الإعفاء كانت 12 ألف جنيه شهريًا.
أي أن شراء برميل واحد فقط بسعر جبل أولياء الحالي يتجاوز تلك الفاتورة الشهرية السابقة.
هذه هي الفجوة بين قرار الإعفاء وواقع الخدمة.
بورتسودان تقدم مثالًا آخر
ولا تنحصر المشكلة في العاصمة.
في بورتسودان، التي حملت خلال الحرب عبئًا سكانيًا وإداريًا واقتصاديًا هائلًا، أظهرت تقارير محلية في يونيو 2026 أن سعر برميل المياه سعة 220 لترًا تراوح بين 22 و25 ألف جنيه، بينما تفاوتت أسعار العبوات الصغيرة بين الأحياء تبعًا لبعدها عن مصادر المياه.
قبل انهيار سد أربعات في أغسطس 2024، يشير المصدر نفسه إلى أن سعر البرميل كان بين 4 و6 آلاف جنيه.
وهذا لا يسمح بمقارنة وطنية مباشرة؛ ظروف بورتسودان المائية مختلفة جذريًا عن الخرطوم.
لكنه يوضح شيئًا آخر:
الماء أصبح سلعة جغرافية.
سعره لا تحدده الكمية فقط.
تحدده المسافة.
الوقود.
الطريق.
المضخة.
ومدى فشل الشبكة العامة.
من يدفع فاتورة نقل الماء؟
الصهريج لا يتحرك بالمجان.
المضخة لا تعمل بالمجان.
وفي يوليو، حُدد سعر لتر الجازولين للمستهلك النهائي في الخرطوم بنحو 8,678 جنيهًا، والبنزين بنحو 6,431 جنيهًا.
وهنا يدخل الوقود في سعر الماء وفي سعر الكهرباء معًا.
المولد الذي يعوض انقطاع الشبكة يستهلك الوقود.
والصهريج الذي يعوض انقطاع المياه يستهلك الوقود.
ومحطة المياه نفسها قد تحتاج إلى مولد عندما تنقطع الكهرباء.
أي أن ارتفاع سعر الوقود يستطيع أن يرفع فاتورتين في الوقت نفسه.
اليونيسف وثقت هذه الدائرة بوضوح في مرافق المياه: انقطاع الكهرباء يجعل المولد البديل ضروريًا، وارتفاع الوقود يجعل تشغيله أكثر تكلفة، وقد يدفع لجان المياه في بعض المناطق إلى التفكير في رفع الاشتراكات.
المواطن، في النهاية، يدفع الفرق.
الطاقة الشمسية.. الحل الذي يحتاج إلى مال قبل أن يوفر المال
أمام هذا الواقع، انتشرت الألواح الشمسية فوق المنازل والمحال والمزارع والمرافق الصحية.
والمنطق واضح.
الشمس لا تحتاج إلى شاحنة وقود.
ولا تنتظر عودة الشبكة.
ولا تنطفئ لأن خط نقل على بعد مئات الكيلومترات تعرض للتخريب.
لكن الطاقة الشمسية قسمت السودانيين إلى مجموعتين جديدتين:
من يستطيع شراء الاستقلال عن الشبكة، ومن لا يستطيع.
دراسة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي تقول إن انخفاض الأسعار العالمية للألواح لم يصل إلى المواطن السوداني بالصورة نفسها؛ فتدهور العملة جعل التكلفة المحلية أكثر من أربعة أضعاف، مع مشكلات إضافية في التمويل والتوزيع وجودة المنتجات.
وتشير أسعار سوقية منشورة في يوليو إلى أن المنظومات المنزلية المتكاملة يمكن أن تتراوح تقريبًا بين 5 و10 ملايين جنيه سوداني بحسب السعة والمكونات.
أما تحقيق أسوشيتد برس الحديث فتحدث عن أن منظومة منزلية بقدرة تقارب 10 كيلوواط قد تصل تكلفتها إلى نحو 5 آلاف دولار.
وهذه ليست أرقامًا متناقضة بالضرورة؛ فالمنظومات تختلف بشدة في الحجم والبطاريات والعاكسات والجودة والاستخدام.
لكن الرسالة واحدة:
الطاقة الشمسية قد تكون أرخص على المدى الطويل.
إلا أن الأسرة الفقيرة تحتاج إلى المال اليوم كي تتوقف عن دفع تكلفة الظلام غدًا.
وهذه هي المشكلة.
الدولة أعفت الشمس أيضًا
الحكومة أدركت جانبًا من هذه المعادلة.
ففي القرارات نفسها التي أعفت المواطنين من رسوم المياه، أعلنت إعفاء منظومات الطاقة الشمسية المستوردة للاستخدام الشخصي من الجمارك والضرائب والرسوم الأخرى، ووجهت الجهات الحكومية والبنك المركزي إلى تسهيل تمويل ميسر للمواطنين.
القرار مهم.
لكن نجاحه لا يقاس بعدد الرسوم التي ألغيت على الورق.
يقاس بسؤال أبسط:
هل تستطيع الأسرة التي لا تستطيع شراء منظومة بخمسة ملايين جنيه الحصول عليها فعلًا بالتقسيط؟
إذا بقي التمويل الميسر محدودًا، فسيستفيد من الإعفاء أساسًا من يملك رأس المال أصلًا.
وعندها تتحول الشمس، وهي المورد الأكثر مساواة في الطبيعة، إلى خدمة غير متساوية اقتصاديًا.
فاتورة لا تظهر في أي إيصال
هنا نصل إلى الجزء الذي تخفيه الأرقام الرسمية.
عندما تنقطع الكهرباء 16 ساعة، لا يدفع المواطن فقط ثمن مولد أو لوح شمسي.
هناك تكاليف لا تصدر لها إيصالات.
اللحام الذي لا يستطيع تشغيل معداته يخسر ساعات عمل.
الحلاق يتوقف.
المتجر يفقد التبريد.
الأسرة قد تفقد طعامًا محفوظًا في الثلاجة.
الطالب لا يستطيع الدراسة ليلًا.
المريض الذي يحتاج إلى دواء مبرد يصبح أكثر عرضة للخطر.
أسوشيتد برس وثقت أثر الانقطاع على الأسر والمدارس، فيما نقلت رويترز عن عاملين وأصحاب مهن في أم درمان كيف قلصت الانقطاعات قدرتهم على العمل وكسب الدخل.
إذن هناك فاتورة مباشرة: ماء، وقود، مولد، بطارية، طاقة شمسية.
وهناك فاتورة غير مباشرة: دخل ضائع، غذاء تالف، دراسة متعطلة، وصحة مهددة.
الثانية قد تكون في بعض الأسر أكبر من الأولى.
عندما تتحول فاتورة الظلام إلى فاتورة مرض
العلاقة الأخطر ليست اقتصادية.
إنها صحية.
عندما تتوقف المضخات ومحطات المعالجة، يبدأ الناس في البحث عن مصادر بديلة.
بئر ضحل.
مياه نهر.
خزان غير مضمون.
بائع ماء لا يعرف المستهلك مصدر مياهه.
وفي هذه النقطة ينتقل ثمن انقطاع الكهرباء من المحفظة إلى المستشفى.
اليونيسف ربطت بصورة مباشرة بين انقطاع الكهرباء وتعطل إمدادات المياه وتفشي الكوليرا. وفي إحدى موجات التفشي بولاية الخرطوم، ارتفعت الحالات اليومية المبلغ عنها من 90 إلى 815 حالة خلال عشرة أيام، في سياق أزمة مياه تفاقمت بفعل انقطاع الطاقة.
ولهذا كانت تدخلات المنظمة لا تقتصر على العلاج.
شملت الكلور، ومواد معالجة المياه، والمولدات، وإصلاح المحطات وتحويل آبار ومنشآت مائية إلى الطاقة الشمسية.
الطاقة الشمسية هنا ليست رفاهية خضراء.
قد تكون أداة لمكافحة الكوليرا.
من المستفيد من سوق البدائل؟
لا يعني وجود سوق للمياه أو الطاقة الشمسية أو المولدات أن كل من يعمل فيه «مستفيد من الأزمة» بالمعنى الاتهامي.
هذه نقطة مهمة.
كثير من موردي المياه وأصحاب المولدات والفنيين والتجار يسدون فراغًا حقيقيًا، ويتحملون هم أيضًا تكلفة الوقود والنقل والمخاطر.
لكن اقتصاديًا، نشأ خلال الحرب قطاع بديل للخدمات العامة.
الدولة تنتج كهرباء أقل.
فيبيع السوق الطاقة.
الشبكة لا توصل الماء.
فيبيع السوق الماء.
التيار لا يشحن الهاتف.
فتظهر خدمة الشحن.
المضخة العامة تتوقف.
فيُشترى مولد أو نظام شمسي.
المشكلة ليست في وجود السوق.
المشكلة في أن الوصول إلى خدمة أساسية أصبح مرتبطًا بالقدرة على الدفع.
الغني يستطيع شراء منظومة شمسية وبطاريات وخزانًا ومضخة.
متوسط الدخل يحاول شراء مولد صغير أو تقاسم التكلفة.
والفقير يشتري احتياجاته يومًا بيوم، وغالبًا بأعلى تكلفة للوحدة.
هذه قاعدة معروفة في اقتصاد الفقر:
من لا يستطيع شراء الحل الكامل، يدفع أكثر مقابل الحل المؤقت.
عودة الناس أسرع من عودة الخدمات
هناك عامل يزيد الأزمة ضغطًا.
السكان يعودون إلى الخرطوم.
لكن المنازل تعود أسرع من المحولات.
والأسر تعود أسرع من محطات المياه.
الحكومة وضعت خططًا لإعادة تأهيل الكهرباء والمياه حتى نهاية 2026، وتحدثت عن إدخال وحدات توليد ومحولات وإصلاح شبكات.
لكن زيادة السكان تعني زيادة الطلب في اللحظة نفسها التي تحاول فيها الشبكات المتضررة الوقوف من جديد.
وهذا يخلق سباقًا بين شيئين:
سرعة العودة، وسرعة الإصلاح.
إذا فازت العودة، ستزداد ساعات القطع والضغط على المياه.
وإذا تقدمت إعادة التأهيل، يبدأ سوق البدائل في الانكماش تدريجيًا.
ماذا تقول الأرقام إذا جمعناها؟
لا توجد حتى الآن قاعدة بيانات موثوقة تسمح لنا بالقول إن «متوسط فاتورة الظلام للأسرة السودانية يساوي كذا».
وأي رقم من هذا النوع سيكون مضللًا.
فالأسرة في بورتسودان ليست الأسرة في أم درمان.
والمنزل المتصل بالمياه ليس المنزل الذي يشتري كل مائه.
وصاحب منظومة شمسية ليس من يعتمد على مولد.
لكن الأرقام المتاحة تسمح برؤية حجم المشكلة.
إنتاج كهرباء هبط من نحو 4,400 إلى 1,100 ميغاواط.
أضرار للشبكة تصل إلى 3 مليارات دولار.
انقطاعات تصل إلى 16 ساعة، وتتجاوز 18 ساعة في بعض المناطق والفترات.
منظومة شمسية منزلية قد تكلف ملايين الجنيهات.
وبرميل ماء في منطقة من جبل أولياء وصل إلى 15 ألف جنيه.
هذه الأرقام لا تحتاج إلى جمعها في رقم واحد حتى تقول شيئًا واضحًا:
الخدمة العامة الرخيصة انهارت، والبديل الخاص أغلى.
من المسؤول عن الفاتورة؟
الحرب هي نقطة البداية.
الهجمات والتخريب والنهب ألحقت أضرارًا واسعة بمحطات الكهرباء والمحولات وخطوط النقل ومرافق المياه. الحكومة السودانية تحمل قوات الدعم السريع جانبًا كبيرًا من مسؤولية استهداف البنية الكهربائية، بينما تنفي قوات الدعم السريع استهداف الشبكة على النحو الذي تصفه السلطات. كما ساهمت أعمال النهب والتخريب ونقص التمويل والصيانة والوقود في تعميق الأزمة.
لكن بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، لم يعد كافيًا تفسير كل انقطاع بما حدث للمحطة.
السؤال ينتقل تدريجيًا إلى إدارة ما بعد الضرر.
كم محطة أصلحت؟
كم محولًا أعيد؟
أين ذهبت أموال التأهيل؟
ما الأولويات بين الأحياء؟
ما جدول العودة؟
وما الضمانة ألا تصبح الحلول المؤقتة دائمة؟
هذه الأسئلة هي المرحلة التالية من التحقيق.
الإعفاء الحقيقي ليس إلغاء الرسم
إعفاء رسوم المياه خطوة تخفف عبئًا.
إعفاء الطاقة الشمسية من الجمارك خطوة أخرى.
لكن المواطن لا يقيس الخدمة بالقرارات.
يقيسها بالصنبور والمقبس.
إذا فتح الصنبور ووجد الماء، تحقق الإعفاء الحقيقي.
إذا ضغط مفتاح الكهرباء واشتعل الضوء، بدأت فاتورة الظلام في الانخفاض.
أما أن تصبح الفاتورة الرسمية صفرًا بينما يدفع المواطن للصهريج، وأن تبقى تعرفة الكهرباء منخفضة بينما يشتري الوقود للمولد، فهذه ليست خدمة مجانية.
إنها نقل للفاتورة من الدولة إلى السوق.
وهذا ربما يكون أكبر تحول اقتصادي صامت صنعته الحرب في حياة السودانيين.
قبل الحرب، كان المواطن يدفع للدولة مقابل شبكة.
بعد الحرب، أصبح يدفع لعدة جهات كي يعيد بناء الشبكة لنفسه داخل منزله:
لوح فوق السطح.
بطارية في الغرفة.
خزان في الفناء.
مضخة.
مولد.
وبرميل ماء عند الباب.
«فاتورة الظلام» ليست المبلغ المكتوب في إيصال الكهرباء، ولا الرسم الذي قررت الحكومة إعفاءه عن المياه. إنها مجموع ما يدفعه السوداني كي يحصل بنفسه على الخدمات التي كان يفترض أن تصل إليه عبر الشبكة العامة. والأكثر قسوة أن الفقير، الذي لا يستطيع شراء منظومة شمسية أو خزان كبير أو مولد، قد يدفع يومًا بعد يوم مقابل البرميل والشحنة والساعة؛ أي أنه يدفع ثمن انهيار الدولة بالتجزئة.
وفي السودان الذي يحاول إعادة الناس إلى مدنه، لن يكون السؤال الحقيقي كم منزلًا عاد إليه أصحابه، بل كم منزلًا عاد إليه الماء والضوء. فالعودة إلى بيت مظلم بلا ماء ليست نهاية النزوح بالكامل؛ إنها فقط نقل الأزمة من مركز الإيواء إلى باب المنزل.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات