محررو لقطة AI – 9
15 سبتمبر 2026
انتقل توجه الحكومة السودانية نحو الطاقة الشمسية من مرحلة الإعفاءات الجمركية إلى خطوة أكثر التصاقًا بقدرة المواطن على الشراء، بعدما وجّه بنك السودان المركزي المصارف بتمويل أنظمة الطاقة الشمسية للاستخدام المنزلي، مع تسهيلات تشمل تمديد السداد إلى ثلاث سنوات كحد أقصى، وإعفاء طلبات التمويل من الرسوم البنكية، وتخصيص مسار سريع لمعالجة الطلبات.
القرار يبدو ماليًا في ظاهره، لكنه يأتي في قلب أزمة خدمية أوسع خلفتها الحرب وتضرر البنية التحتية للكهرباء، خصوصًا في المناطق التي تشهد عودة السكان إلى منازلهم.
فامتلاك منظومة شمسية لم يعد بالنسبة إلى كثير من الأسر السودانية خيارًا بيئيًا أو وسيلة لتخفيض فاتورة الكهرباء فحسب؛ بل أصبح في مناطق عديدة وسيلة للحصول على الكهرباء أصلًا.
ثلاث سنوات للسداد وإعفاء من الرسوم
بحسب تفاصيل القرار المنشورة، وجّه البنك المركزي المصارف إلى تسهيل حصول المواطنين على التمويل وقبول الضمانات التي تسمح بها الضوابط المصرفية، ومن بينها الاستقطاع من الراتب.
كما حدد فترة سداد التمويل بما يصل إلى ثلاث سنوات، وأعفى طلبات تمويل أنظمة الطاقة الشمسية المنزلية من كافة الرسوم البنكية، إلى جانب توجيه المصارف بتخصيص نافذة أو مسار سريع لمعالجة هذه الطلبات وتسريع تنفيذها.
وهذه التفاصيل هي التي تمنح القرار أهميته الفعلية.
فالمشكلة التي تواجه الأسرة ليست في معرفة فوائد الطاقة الشمسية، بل في الكلفة الأولية المرتفعة لشراء الألواح والبطاريات والمحولات وأجهزة التحكم وتركيب المنظومة.
تحويل هذه الكلفة من مبلغ كبير يدفع مرة واحدة إلى أقساط موزعة على فترة تصل إلى ثلاثة أعوام يمكن أن يوسع دائرة الأسر القادرة على اقتناء النظام.
لكن نجاح ذلك سيظل مرتبطًا بحجم التمويل الذي ستتيحه البنوك، وأسعار الأنظمة في السوق، وشروط الضمان، وقدرة أصحاب الدخول غير المنتظمة على الاستفادة من البرنامج.
خطوة ثانية بعد إسقاط الجمارك والضرائب
القرار الجديد لا يأتي منفردًا.
ففي 19 أغسطس 2026 أعلن رئيس الوزراء كامل إدريس إعفاء منظومات الطاقة الشمسية المستوردة للاستخدام الشخصي من الرسوم الجمركية والضرائب وكافة الرسوم الأخرى، ووجّه في الوقت نفسه وزارة المالية والجهات الاجتماعية وبنك السودان المركزي بتسهيل التمويل الميسر للطاقة الشمسية للمواطنين.
وهكذا تظهر الآن ملامح سياسة من مرحلتين:
الأولى تخفيض كلفة دخول النظام الشمسي إلى البلاد بإزالة الرسوم.
والثانية معالجة مشكلة قدرة المواطن على دفع ثمنه من خلال التمويل المصرفي طويل نسبيًا.
وإذا انعكس الإعفاء الجمركي فعلًا على أسعار البيع للمستهلك، ثم أضيف إليه التمويل الميسر، فقد يصبح التأثير أكبر بكثير من تطبيق أحد الإجراءين منفردًا.
لكن هذه النقطة تحتاج إلى رقابة.
إعفاء المستورد لا يعني تلقائيًا انخفاض السعر بالنسبة إلى المواطن ما لم تنعكس الوفورات على السعر النهائي في السوق.
الطاقة الشمسية تدخل سياسة إعادة الإعمار
بنك السودان ربط القرار صراحة بدعم العودة الطوعية وإعادة الإعمار، وليس بالتحول البيئي وحده.
وهذا الربط مهم.
عودة الأسرة إلى منزلها في منطقة تضررت فيها شبكة الكهرباء تعني أن إصلاح المنزل وحده قد لا يكون كافيًا. الأسرة تحتاج إلى تشغيل الثلاجة والإضاءة وشحن الهواتف وتشغيل مضخة المياه والأجهزة الأساسية.
إعادة بناء محطات التوليد وخطوط النقل والمحولات وشبكات التوزيع عملية مكلفة وتحتاج إلى وقت.
أما المنظومة الشمسية المنزلية فتمنح الأسرة مصدرًا لامركزيًا للطاقة يمكن تشغيله دون انتظار اكتمال إعادة بناء الشبكة العامة.
ومن هنا يمكن قراءة القرار باعتباره محاولة لنقل جزء من عملية استعادة الكهرباء من الشبكة المركزية إلى سطح المنزل.
البنك المركزي كان قد مهّد لهذا الاتجاه
سياسة التمويل الأخضر ليست جديدة بالكامل داخل بنك السودان.
فالسياسات المنشورة للبنك تضمنت تشجيع تمويل الطاقة الشمسية للقطاعين الصناعي والسكني، كما وضعت توجيهات مصرفية سابقة أنظمة الطاقة الشمسية ضمن القطاعات ذات الأولوية في التمويل.
كما أن منشورات البنك السابقة خصصت للطاقة الشمسية سقفًا أعلى ضمن التمويل الأصغر بلغ 10 ملايين جنيه في الضوابط المنشورة آنذاك.
لكن القرار الحالي أكثر مباشرة بالنسبة إلى المواطن لأنه يحدد أدوات عملية: رسوم صفرية على طلب التمويل، سداد يمتد إلى ثلاث سنوات، قبول ضمانات ميسرة، ومسار مصرفي سريع.
الاختبار الحقيقي سيكون داخل فروع البنوك
إصدار التوجيه من البنك المركزي لا يعني أن المشكلة انتهت.
الاختبار يبدأ عندما يدخل أول مواطن إلى المصرف.
كم سيكون مبلغ الدفعة المقدمة؟
وما هامش الربح أو تكلفة التمويل؟
وما الحد الأقصى للمبلغ؟
وما الوثائق المطلوبة؟
وهل يستطيع العاملون لحسابهم الخاص وأصحاب المهن الحرة الاستفادة، أم يصبح البرنامج عمليًا أسهل فقط للموظفين الذين يمكن الاستقطاع مباشرة من رواتبهم؟
هذه التفاصيل ستحدد ما إذا كانت المبادرة ستتحول إلى برنامج جماهيري واسع أم تبقى متاحة لشريحة محدودة.
والقرار المنشور حتى الآن يحدد الإطار العام، لكنه لا يقدم كل هذه التفاصيل التنفيذية لكل مصرف. لذلك من المبكر إعطاء المواطنين أرقامًا نهائية للأقساط قبل إعلان البنوك منتجاتها التمويلية الفعلية.
خطر آخر: الجودة
فتح التمويل على نطاق واسع يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع سريع في الطلب على الألواح والبطاريات والمحولات.
وهنا تظهر قضية لا تقل أهمية عن التمويل: من يضمن جودة الأجهزة؟
المنظومة الرديئة قد تكون رخيصة عند الشراء، لكنها تتحول إلى عبء إذا تدهورت البطاريات سريعًا أو كانت قدرة الألواح أقل من المعلن أو افتقرت الأجهزة إلى الحماية الكهربائية المناسبة.
ولهذا فإن البرنامج سيكون أكثر فاعلية إذا اقترن بمعايير واضحة للموردين والمنتجات المؤهلة للتمويل، وضمانات حقيقية لما بعد البيع.
فالمصرف لا ينبغي أن يمول مجرد «ألواح وبطاريات»، بل منظومة تستطيع الأسرة الاعتماد عليها طوال فترة سداد أقساطها على الأقل.
فرصة اقتصادية تتجاوز المنزل
إذا توسع البرنامج بصورة حقيقية، يمكن أن يخلق طلبًا كبيرًا على خدمات التركيب والصيانة والهندسة الكهربائية وتجارة البطاريات والمحولات والألواح.
وبذلك لا تصبح الطاقة الشمسية حلًا لأزمة الكهرباء فقط، بل سوق عمل أيضًا.
والسودان يمتلك أصلًا موردًا لا يحتاج إلى استيراده ولا يتأثر بإغلاق الطرق أو نقص الوقود: الشمس.
المشكلة كانت دائمًا في المعدات التي تحول هذا المورد المجاني إلى كهرباء، وفي قدرة المواطن على تحمل كلفتها.
القرار الجديد يحاول معالجة الجزء الثاني من المعادلة.
ويبقى الجزء الأول مرتبطًا بالأسعار والجودة والاستيراد واستقرار العملة.
القرار جيد.. والتنفيذ هو الحكم
على الورق، تجمع السياسة الجديدة بين ثلاث أدوات يمكن أن تحدث فرقًا: إعفاء الاستيراد، إلغاء الرسوم البنكية، وتقسيط التكلفة حتى ثلاث سنوات.
لكن القيمة الحقيقية لن تقاس بعدد المنشورات التي تصدر من الخرطوم، بل بعدد الأسر التي تستطيع الحصول على منظومة جيدة بسعر معقول وقسط يمكن دفعه.
إذا حدث ذلك، يمكن أن تصبح أسطح المنازل جزءًا من إعادة بناء قطاع الطاقة السوداني بدل انتظار إصلاح كل محطة وخط ومحولة أولًا.
في بلد أطفأت الحرب أجزاء واسعة من شبكته الكهربائية، قد لا تبدأ إعادة الإعمار دائمًا بمحطة توليد عملاقة. أحيانًا تبدأ بلوح فوق سطح منزل، وبطارية في الداخل، وقسط يستطيع صاحبه دفعه دون أن يختار بين الكهرباء واحتياجات أسرته الأخرى.
محررو لقطة AI – 9
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات