محررو لقطة AI – 3
15 سبتمبر 2026
لم تعد معركة الذكاء الاصطناعي في أوروبا تدور فقط حول عدد الشركات الناشئة أو سرعة اللحاق بوادي السيليكون. التحذير الجديد الصادر عن رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد يضع المسألة في مستوى أكثر حساسية: ماذا يحدث إذا بنت القارة مؤسساتها واقتصادها على أنظمة ذكاء اصطناعي أجنبية، ثم تغيرت يومًا شروط الوصول إليها؟
لاغارد قالت في خطاب ألقته في فيينا إن أوروبا تواجه خطرًا غير مسبوق إذا ظلت مستهلكًا لتقنيات الذكاء الاصطناعي التي تُنتج أساسًا خارج حدودها، ولا سيما في الولايات المتحدة، من دون أن تبني قدرة إنتاج وتشغيل مستقلة داخل القارة.
تحذيرها لا يتعلق باحتمال بعيد.
فوفق الصورة التي رسمتها، ستكون أنظمة الذكاء الاصطناعي خلال سنوات قليلة مسؤولة عن مهام شديدة الحساسية: فحص البضائع على الحدود، واختيار الإقرارات الضريبية التي تخضع للتدقيق، وإدارة حركة القطارات، ومراقبة المرضى داخل المستشفيات، وتسوية المدفوعات المصرفية.
عند هذه النقطة يصبح الاعتماد التكنولوجي اعتمادًا سياديًا.
إذا كانت المؤسسات الأوروبية تعتمد في تشغيل هذه الوظائف على نماذج أو بنية حوسبة أجنبية، فإن تغيير شروط استخدامها أو تقييد الوصول إليها لن يصيب شركة واحدة فقط، بل يمكن أن يمتد إلى قطاعات كاملة في اللحظة نفسها.
وهذا هو جوهر تحذير لاغارد.
فهي ترى أن الجهة التي تتحكم في التكنولوجيا قد تحصل على أداة نفوذ تتجاوز ما امتلكه أي شريك تجاري تقليدي في السابق، ويمكن أن تدخل هذه الورقة في خلافات مستقبلية حول الرسوم الجمركية أو الضرائب الرقمية أو غيرها من الملفات السياسية والاقتصادية.
من «التبعية الرقمية» إلى ورقة تفاوض
العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة ما تزال تحالفًا اقتصاديًا وأمنيًا رئيسيًا، لكن لاغارد لا تبني تحذيرها على افتراض انهيار هذه العلاقة.
المشكلة أن الدول لا تصمم بنيتها الاستراتيجية على أساس أن العلاقات السياسية ستظل ثابتة إلى الأبد.
وقد تعرضت الثقة بين جانبي الأطلسي خلال السنوات الأخيرة لاختبارات مرتبطة بالتجارة والرسوم الجمركية والخلافات السياسية والأمنية. ومن هذه الزاوية، يصبح الاعتماد الكامل على مورد أجنبي للذكاء الاصطناعي مخاطرة حتى عندما يكون ذلك المورد حليفًا.
وهذا تحول مهم في طريقة الحديث عن الذكاء الاصطناعي.
لسنوات كان السؤال الأوروبي هو: كيف نستخدم AI بسرعة أكبر؟
أما السؤال الجديد فهو: من يملك البنية التي تشغله؟
الفجوة الأوروبية ليست في النماذج فقط
لاغارد ترى أن البداية يجب أن تكون من القدرة الحاسوبية نفسها.
فأوروبا تعاني أصلًا نقصًا في سعة مراكز البيانات مقارنة بحاجتها، وتتوقع رئيسة البنك المركزي الأوروبي أن تتسع الفجوة بأكثر من ستة أضعاف خلال عشر سنوات إذا استمرت الاتجاهات الحالية.
وهذا الرقم مهم لأن الذكاء الاصطناعي لا يعيش داخل البرامج وحدها.
النماذج تحتاج إلى مراكز بيانات، ورقائق متقدمة، وطاقة كهربائية ضخمة، وشبكات عالية السرعة، وتمويل طويل الأجل.
ومن لا يملك هذه الطبقة المادية يمكن أن يملك أفضل القوانين وأفضل الباحثين، لكنه سيظل معتمدًا على من يملك القدرة على تشغيل النماذج على نطاق واسع.
ولهذا دعت لاغارد إلى بناء بنية حوسبة أوروبية أكبر، وإلى تطوير نماذج ليست بالضرورة الأقوى في العالم، لكنها «جيدة بما يكفي» لمعظم الاستخدامات وتعمل على بنية أوروبية.
هذه الفكرة مثيرة للاهتمام لأنها تختلف عن منطق السباق السائد.
أوروبا لا تحتاج بالضرورة إلى إنتاج نموذج يهزم كل نموذج أميركي أو صيني في كل اختبار.
قد تحتاج أولًا إلى امتلاك نموذج يستطيع تشغيل المستشفى والمصرف والقطار والإدارة الحكومية من دون أن يعتمد بقاؤه على قرار شركة أو حكومة خارج القارة.
4% إنتاجية.. والجائزة ليست صغيرة
لاغارد لا تقدم الذكاء الاصطناعي باعتباره خطرًا يجب الابتعاد عنه.
على العكس، قالت إن التبني السريع للتكنولوجيا يمكن أن يرفع مستوى الإنتاجية الأوروبية بما يصل إلى 4% خلال عقد، وهو تحسن كبير لقارة تعاني أصلًا الشيخوخة السكانية وضعف نمو الإنتاجية وارتفاع تكلفة دولة الرفاه.
وهنا تظهر المفارقة.
أوروبا تحتاج الذكاء الاصطناعي أكثر، لا أقل.
لكن كلما ازداد اعتماد اقتصادها عليه، ازدادت كلفة اعتمادها على الآخرين لتوفيره.
أي أن الحل بالنسبة للاغارد ليس إبطاء التكنولوجيا، وإنما تسريع بناء القدرة الأوروبية عليها.
حتى أموال الأوروبيين تموّل التفوق الأميركي
هناك طبقة أخرى في التحذير.
شركات التكنولوجيا الأميركية تحتاج إلى مبالغ ضخمة لتمويل مراكز البيانات والرقائق والطاقة، وبعضها أصبح يقترض من أسواق رأس المال الأوروبية أيضًا. ووفق لاغارد، يمكن أن يؤدي هذا الطلب إلى مزاحمة شركات أخرى ورفع تكلفة التمويل داخل أوروبا.
وفي الوقت ذاته تستثمر صناديق التقاعد الأوروبية مبالغ ضخمة في أسهم شركات التكنولوجيا الأميركية.
أي أن أوروبا يمكن أن تجد نفسها في مفارقة واضحة:
رأس المال الأوروبي يساعد في تمويل بناء البنية الأميركية التي ستعتمد أوروبا عليها لاحقًا.
وإذا تعرضت أسهم الذكاء الاصطناعي الأميركية لتصحيح كبير، فإن الخسائر لن تتوقف في وول ستريت؛ ستصل أيضًا إلى مدخرات الأوروبيين.
لماذا الخبر مهم الآن؟
لأنه يأتي في لحظة تحول الجدل العالمي حول الذكاء الاصطناعي من التكنولوجيا إلى الجغرافيا السياسية.
خلال الأيام الأخيرة، اختلفت واشنطن وبكين حول الدعوات إلى إبطاء تطوير النماذج المتقدمة، بينما قالت ألمانيا إن وقف سباق الذكاء الاصطناعي ليس خيارًا عمليًا، ودعت إلى إشراك الولايات المتحدة والصين في وضع قواعد سلامة دولية.
والآن تضيف لاغارد سؤالًا ثالثًا:
حتى إذا اتفق العالم على قواعد السلامة، من يمتلك البنية التي يعمل فوقها الذكاء الاصطناعي؟
وهذا السؤال قد يكون أكثر ديمومة من النقاش الحالي حول سرعة تطوير النماذج.
فالنموذج يمكن أن يتغير خلال أشهر.
أما مركز البيانات وشبكة الكهرباء وسلسلة الرقائق ورأس المال اللازم لبنائها، فهي أصول تحتاج سنوات.
ما الذي ينبغي متابعته؟
المهم بعد خطاب لاغارد هو ما إذا كانت الحكومات الأوروبية ستحول مفهوم «السيادة الرقمية» من شعار إلى استثمارات فعلية.
هل تزيد القارة قدرة مراكز البيانات؟
هل تستطيع خفض تكلفة الطاقة اللازمة لها؟
هل تظهر نماذج أوروبية قادرة على تشغيل المؤسسات العامة والمالية الحساسة؟
وهل تتحول أموال المستثمرين الأوروبيين من مجرد شراء أسهم عمالقة التكنولوجيا الأميركيين إلى تمويل شركات وبنية تحتية محلية؟
الإجابة ستحدد ما إذا كانت أوروبا ستدخل عصر الذكاء الاصطناعي باعتبارها مستخدمًا كبيرًا للتكنولوجيا أم باعتبارها طرفًا يملك جزءًا حقيقيًا من مفاتيحها.
في الاقتصاد القديم، كانت الدولة تخشى أن ينقطع عنها النفط أو الغاز. وفي اقتصاد الذكاء الاصطناعي قد يظهر نوع جديد من الاعتماد: أن تملك المستشفيات والبنوك والقطارات، لكن يبقى العقل الرقمي الذي يديرها في يد طرف آخر. وهذا بالضبط هو الخطر الذي بدأت أوروبا تخشاه.
محررو لقطة AI – 3
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات