الإثنين، 14 سبتمبر 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

حين يصبح الرغيف عبئًا.. مخابز بورتسودان بين نار الدقيق ووقود السوق السوداء

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

حين يصبح الرغيف عبئًا.. مخابز بورتسودان بين نار الدقيق ووقود السوق السوداء
💬 تعليق 0

محررو لقطة AI – 50
14 سبتمبر 2026

لم تعد أزمة الخبز في بورتسودان تُقاس فقط بسعر الرغيفة التي تصل إلى يد المواطن، بل بعدد المخابز القادرة أصلًا على إبقاء أفرانها مشتعلة.

قفزات أسعار الدقيق، وارتفاع تكلفة الوقود، واضطرار بعض المخابز إلى شراء احتياجاتها من السوق الموازية، دفعت قطاع صناعة الخبز في المدينة إلى ضغوط تشغيلية حادة. النتيجة ظهرت في تقليص حجم الرغيف ورفع سعره، بينما يقول أصحاب مخابز إن هامش الربح يتآكل إلى درجة تهدد استمرار النشاط نفسه. 

والأزمة في بورتسودان ليست منفصلة عن موجة الغلاء التي تضرب السودان. خلال الأيام الماضية تراجع الجنيه مجددًا، ووصل الدولار في السوق الموازية وفق متعاملين إلى نحو 7,180 جنيهًا، بالتزامن مع زيادات واسعة في الدقيق والسلع الأساسية. 

الخبز يرتفع من جهتين

المشكلة تبدأ قبل دخول العجين إلى الفرن.

الدقيق أصبح أكثر كلفة، ثم تأتي الخميرة والزيوت والعمالة والنقل والطاقة. وإذا تعذر الحصول على الوقود بالسعر الرسمي، تدخل تكلفة السوق السوداء مباشرة في ثمن الرغيف.

وهكذا يصبح صاحب المخبز أمام خيارات كلها مؤلمة:

رفع السعر على المواطن، أو تقليص وزن الرغيف، أو تحمل الخسارة، أو إغلاق الفرن.

وفي اقتصاد طبيعي، قد يستطيع المنتج امتصاص ارتفاع مؤقت في أحد المدخلات.

لكن الأزمة السودانية مختلفة، لأن عدة تكاليف ترتفع في الوقت نفسه.

حتى الرغيفة الأصغر أصبحت أغلى

بحسب تقرير حديث من بورتسودان، لجأت مخابز إلى تقليص حجم الخبز لمواجهة ارتفاع التكلفة، بينما اشتكى مواطنون من أن ما تدفعه الأسرة يوميًا للحصول على احتياجاتها الأساسية من الخبز أصبح يفوق قدرتها بصورة متزايدة. 

وهنا يظهر شكل آخر من التضخم لا تقيسه الأسعار وحدها.

قد يبقى السعر فترة قصيرة كما هو، لكن الرغيفة تصبح أصغر.

يدفع المواطن المبلغ نفسه مقابل كمية أقل.

ثم عندما لا يعود تقليص الوزن كافيًا لتغطية التكلفة، يرتفع السعر أيضًا.

أي أن الأسرة تخسر مرتين:

الحجم يتراجع والسعر يرتفع.

لماذا وصلت الأزمة إلى بورتسودان؟

المفارقة أن بورتسودان هي الميناء الرئيسي الذي تدخل عبره نسبة كبيرة من واردات البلاد.

من الناحية الجغرافية، يفترض أن تكون المدينة أقرب إلى خطوط إمداد السلع المستوردة من مدن داخلية كثيرة.

لكن وجود السلعة في الميناء لا يعني أن تكلفة إنتاج الخبز منخفضة.

فالقمح والدقيق والنقل والوقود وأسعار الصرف والرسوم والعمالة تشكل سلسلة واحدة.

إذا اختل جزء منها، يصل الأثر إلى الفرن.

وإذا اختلت معظمها في وقت واحد، يصبح قرب المخبز من الميناء قليل الفائدة.

الجنيه موجود داخل كل رغيفة

الأزمة النقدية هي العامل الذي يصعب فصله عن بقية المشهد.

السودان يعتمد على الاستيراد لتغطية جزء مهم من احتياجاته من القمح، ولذلك فإن انخفاض قيمة الجنيه يرفع تكلفة الواردات حتى قبل أن تصل إلى المخبز.

وخلال الأسبوع الماضي، تحدث تجار ومتعاملون عن موجة جديدة من ارتفاع الأسعار بالتزامن مع تراجع العملة، فيما ارتفعت أسعار الدقيق في عدد من الأسواق. 

ولهذا فإن محاولة معالجة سعر الخبز وحده، من دون معالجة سعر الصرف وتكلفة الوقود وسلاسل الإمداد، تشبه محاولة إطفاء النار من طرفها الأخير.

الأزمة ليست في بورتسودان وحدها

الخرطوم سبقت بورتسودان إلى مواجهة المشكلة نفسها.

في مطلع سبتمبر قفز سعر جوال الدقيق من 77 ألف جنيه إلى 108 آلاف جنيه خلال فترة قصيرة، بزيادة تقارب 40%، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الزيت والخميرة وأجور العاملين. 

واضطرت سلطات ولاية الخرطوم لاحقًا إلى التدخل، فأعفت المخابز من الرسوم المحلية حتى نهاية العام، مع تثبيت السعر في محلية الخرطوم عند ثلاث قطع خبز بألف جنيه ومعالجة تفاوت الأوزان. 

المغزى هنا مهم.

إذا احتاجت العاصمة إلى إعفاءات رسمية للمحافظة على استمرار المخابز، بينما تعاني بورتسودان الآن من ارتفاع المدخلات والوقود، فنحن لا نتحدث عن مشكلة مدينة واحدة.

نحن أمام أزمة وطنية في اقتصاد الرغيف.

والبدائل الشعبية لم تعد رخيصة

عادة عندما يرتفع سعر الخبز، تستطيع بعض الأسر السودانية العودة إلى الكسرة أو القراصة المصنوعة من الذرة أو الحبوب المحلية.

لكن هذه المرة حتى ذلك المخرج يضيق.

تقرير بورتسودان يشير إلى أن المواطنين يواجهون صعوبة في الاعتماد على هذه البدائل بسبب ارتفاع أسعار الدقيق والحبوب المستخدمة فيها أيضًا. 

وخلال الأيام الماضية سجلت أسواق سودانية ارتفاعات حادة في المحاصيل؛ ووصل سعر أردب بعض أنواع الذرة إلى نحو 550 ألف جنيه، والقمح إلى 650 ألفًا، والدخن إلى 750 ألف جنيه وفق إفادات تجار نقلها راديو دبنقا. 

وهنا تصبح الأزمة أكثر قسوة.

عندما يغلو الخبز يمكن للأسرة تغيير الطعام.

لكن ماذا تفعل عندما تغلو البدائل أيضًا؟

أسرة من خمسة أشخاص أمام حساب يومي قاسٍ

الخبز ليس سلعة تُشترى مرة في الشهر.

إنه إنفاق يومي.

وهذا يجعل الزيادة الصغيرة في سعر القطعة تتحول في نهاية الشهر إلى مبلغ كبير بالنسبة لأسرة تعتمد على دخل ثابت أو متقطع.

وتزداد المشكلة في بلد أدت الحرب فيه إلى فقدان الوظائف وتدمير الأعمال وتراجع الأجور الحقيقية وتشريد ملايين الأشخاص.

لذلك فإن ارتفاع الخبز لا يصيب جميع المواطنين بالطريقة نفسها.

من يملك دخلًا بالدولار قد يراه زيادة مزعجة.

ومن يعيش على أجر بالجنيه قد يراه وجبة أقل في اليوم.

المخبز نفسه أصبح ضحية للغلاء

من السهل اختزال الأزمة في صراع بين المواطن وصاحب المخبز.

لكن الواقع أكثر تعقيدًا.

صاحب المخبز يشتري الدقيق.

والوقود.

والخميرة.

والزيت.

ويدفع الكهرباء والمياه والأجور والنقل والصيانة.

وكل واحدة من هذه البنود تتحرك مع التضخم وسعر الدولار.

إذا أجبر على البيع بسعر يقل عن تكلفة الإنتاج، يغلق.

وإذا ترك له تحديد السعر بالكامل وفق التكلفة، قد يصبح الخبز خارج قدرة المستهلك.

وبين الاثنين توجد معضلة تحتاج إلى سياسة اقتصادية، لا مجرد قرار إداري بتحديد سعر الرغيفة.

أخطر مرحلة: عندما تبدأ الأفران في التوقف

ارتفاع سعر الخبز أزمة معيشية.

لكن خروج المخابز من السوق أزمة أكبر.

فكل مخبز يتوقف يعني ضغطًا إضافيًا على المخابز الباقية، وطوابير أطول، وقدرة أقل على تلبية الطلب، ثم مساحة أوسع للمضاربة.

ولهذا ينبغي ألا يكون المؤشر الذي تراقبه السلطات هو سعر الرغيفة فقط.

يجب أن تراقب عدد المخابز العاملة يوميًا وقدرتها الإنتاجية.

إذا بدأ هذا الرقم في الانخفاض بوضوح، تكون الأزمة قد انتقلت من الغلاء إلى نقص المعروض.

الحرب الخارجية تضيف خطرًا جديدًا

هناك عامل آخر لا يمكن تجاهله.

أسعار النفط العالمية عادت إلى الارتفاع بقوة مع اضطراب طرق الطاقة في الخليج ومضيق هرمز.

بالنسبة لاقتصاد يعاني أصلًا من ارتفاع تكلفة الوقود والنقل، فإن استمرار هذه الموجة قد يضيف ضغطًا خارجيًا جديدًا فوق الأزمة الداخلية.

وهكذا يجد السودان نفسه بين عملة محلية تتراجع، وإنتاج داخلي ضعيف، وحرب مستمرة، وسوق طاقة عالمية مضطربة.

وكل هذه الطرق تنتهي تقريبًا عند المكان نفسه:

فاتورة المواطن.

الرغيف مؤشر سياسي أيضًا

للسودان ذاكرة خاصة مع الخبز.

ارتفاع أسعاره لم يكن يومًا مسألة اقتصادية صامتة.

فأزمة الخبز كانت من الشرارات التي ساهمت في الاحتجاجات الشعبية التي بدأت في ديسمبر 2018 وانتهت بسقوط نظام عمر البشير في أبريل 2019.

الظروف السياسية اليوم مختلفة جذريًا، والسودان يعيش حربًا مفتوحة، لكن الحساسية الاجتماعية للخبز لم تختف.

عندما يصبح الطعام الأساسي للأسرة صعب المنال، لا يبقى الأمر رقمًا في جدول التضخم.

يتحول إلى شعور يومي بأن الاقتصاد لم يعد قادرًا على توفير أبسط الاحتياجات.

بورتسودان تكشف الأزمة الأكبر

ما يحدث في المدينة ليس قصة «رغيفة غالية» فحسب.

إنه نموذج مصغر للاقتصاد السوداني في زمن الحرب.

الدولار يرتفع.

الوقود يشح.

الدقيق يغلو.

المخبز يقلص الإنتاج.

الرغيفة تصغر.

والمواطن يدفع أكثر.

وفي نهاية هذه السلسلة، لا توجد مساحة كبيرة لامتصاص الصدمة.

الدولة محدودة الموارد.

المنتج لا يستطيع البيع بالخسارة طويلًا.

والمواطن وصل أصلًا إلى حدود قاسية من قدرته الشرائية.

حين يعجز المخبز عن تشغيل الفرن، وتعجز الأسرة عن شراء ما يخرج منه، لا تعود أزمة الخبز مجرد قصة عن الأسعار. إنها تصبح اختبارًا لقدرة الاقتصاد نفسه على إبقاء أبسط عقد اجتماعي قائمًا: أن يجد الإنسان ما يأكله في نهاية اليوم.

محررو لقطة AI – 50

عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً