محررو لقطة AI -9
14 سبتمبر 2026
دخلت زيادة جديدة في سعر الدولار المستخدم في احتساب الرسوم الجمركية حيز التطبيق في السودان، في خطوة يتوقع أن تنتقل آثارها سريعًا من الموانئ والمعابر إلى أسعار السلع المستوردة داخل الأسواق، لتضيف ضغطًا جديدًا على مواطن يواجه أصلًا ارتفاعًا متسارعًا في الغذاء والوقود وتكاليف المعيشة.
وارتفع السعر المعتمد للدولار الجمركي من 3,960.24 جنيهًا إلى 4,346.65 جنيهًا للدولار، أي بزيادة قدرها 386.41 جنيهًا. بعض التقارير المحلية وصفت الزيادة بأنها 8.89%، لكن الحساب المباشر بين السعرين يجعلها نحو 9.76%؛ ولذلك تعتمد «لقطة AI» النسبة الحسابية الدقيقة مع الإشارة إلى اختلاف النسبة المنشورة في بعض المصادر.
والفارق ليس مجرد رقم محاسبي.
كلما ارتفع الدولار الجمركي، ارتفعت القيمة بالجنيه التي تُحسب على أساسها الرسوم المفروضة على الواردات الخاضعة لها.
وفي اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على السلع والمدخلات المستوردة، فإن الأثر لا يبقى داخل مكتب التخليص الجمركي طويلًا.
قبل عشرة أيام فقط قالت الجمارك: لا زيادة
التوقيت يجعل القرار أكثر لفتًا للانتباه.
ففي 2 سبتمبر 2026 اضطرت قوات الجمارك إلى إصدار توضيح رسمي بعدما انتشرت معلومات تزعم رفع الدولار الجمركي إلى 4,960.24 جنيهًا.
الجمارك نفت ذلك حينها بصورة قاطعة، وقالت إن السعر الصحيح المعتمد لتحصيل الرسوم هو 3,960.24 جنيهًا وفق سياسة وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي.
وبعد عشرة أيام فقط، أصبح السعر السابق نفسه جزءًا من الماضي، مع تطبيق المستوى الجديد البالغ 4,346.65 جنيهًا.
وهذا لا يعني أن نفي الجمارك السابق كان غير صحيح؛ فالزيادة التي نفتها كانت إلى 4,960.24 جنيهًا، بينما التعديل اللاحق مختلف وأقل من ذلك.
لكن سرعة الانتقال من تثبيت السعر إلى رفعه تكشف حجم الضغط الذي تتعرض له السياسة الاقتصادية.
ما هو الدولار الجمركي أصلًا؟
الدولار الجمركي ليس بالضرورة السعر الذي يستطيع المواطن شراء الدولار به من بنك أو صرافة.
إنه سعر مرجعي تستخدمه السلطات لتحويل قيمة البضائع المستوردة المقومة بالعملة الأجنبية إلى الجنيه السوداني عند حساب الرسوم الجمركية والضرائب المرتبطة بها.
وهذا يعني أن السلعة نفسها، بالقيمة الدولارية نفسها ونسبة الرسم نفسها، يمكن أن ترتفع الرسوم المستحقة عليها بالجنيه لمجرد تغير السعر الجمركي.
مثال مبسط:
إذا كانت قيمة شحنة مستوردة 10 آلاف دولار، فإن قيمتها لأغراض الحساب الجمركي كانت وفق السعر السابق نحو 39.6 مليون جنيه.
بالسعر الجديد تصبح نحو 43.47 مليون جنيه.
أي أن قاعدة الحساب ارتفعت بنحو 3.86 ملايين جنيه قبل الحديث أصلًا عن بقية تكاليف النقل والتخزين والتأمين وهوامش التجارة.
ولا يعني ذلك أن السعر النهائي للسلعة سيرتفع تلقائيًا بنسبة 9.76%؛ لأن الرسوم ليست 100% من قيمة كل سلعة، كما تختلف التعرفة والإعفاءات من منتج إلى آخر.
لكن الاتجاه واضح:
تكلفة الاستيراد ترتفع.
المواطن يدفع في نهاية السلسلة
المستورد يدفع الرسوم.
لكن من الخطأ تصور أن المستورد وحده يتحملها.
في معظم الحالات تنتقل الزيادة تدريجيًا عبر سلسلة التجارة:
من المستورد إلى تاجر الجملة، ومنه إلى تاجر التجزئة، ثم إلى المستهلك.
وفي بعض القطاعات لا تصل الزيادة فقط إلى السلعة المستوردة نفسها.
إذا ارتفعت تكلفة قطعة غيار مستوردة تستخدمها شاحنة، ترتفع تكلفة النقل.
وإذا ارتفعت مدخلات الإنتاج المستوردة، ترتفع تكلفة السلعة المنتجة محليًا.
وهكذا يمكن للدولار الجمركي أن يصل إلى سلع تبدو للوهلة الأولى «سودانية».
الخبز مثال قريب جدًا
الزيادة تأتي في توقيت تعاني فيه مخابز بورتسودان من ارتفاع الدقيق والوقود ومدخلات التشغيل، بينما تواجه الأسر تقلص قدرتها على شراء الخبز والبدائل الغذائية.
وهذا الترابط مهم.
فالاقتصاد لا يتلقى الصدمات واحدة بعد الأخرى في ملفات منفصلة.
ارتفاع الدولار الجمركي.
تراجع الجنيه.
غلاء الوقود.
ارتفاع النقل.
ثم زيادة أسعار الغذاء.
كل واحدة منها تدفع الأخرى.
ولهذا قد يكون أثر قرار جمركي يبدو فنيًا أكبر بكثير عندما يصل إلى اقتصاد يعيش أصلًا على حافة التضخم.
هل الهدف زيادة الإيرادات؟
رفع السعر الجمركي يرفع، من حيث المبدأ، القيمة بالجنيه التي تُحسب عليها الرسوم بالنسبة إلى السلع الخاضعة لها.
وهذا يمكن أن يزيد الإيرادات الحكومية الاسمية.
لكن هناك جانبًا آخر للمعادلة.
إذا أصبحت تكلفة الاستيراد مرتفعة للغاية، يمكن أن يتراجع حجم الواردات الرسمية، أو تنتقل بعض التجارة إلى قنوات غير رسمية، أو ترتفع أسعار السلع إلى مستويات تقلل الطلب عليها.
وبالتالي فإن زيادة السعر المرجعي لا تعني بالضرورة زيادة الإيرادات بالمعدل نفسه.
هناك دائمًا نقطة يصبح عندها رفع التكلفة عاملًا في تقليص النشاط الذي تُحصّل منه الرسوم أصلًا.
الميناء أول مكان يشعر بالقرار.. لكنه ليس الأخير
الأثر المباشر سيظهر في بورتسودان والمنافذ الحدودية والمطارات ومواقع التخليص.
لكن البضاعة بعد خروجها من الميناء تسافر.
إلى الخرطوم.
وكسلا.
والقضارف.
ومدني.
والشمالية.
وكردفان وغيرها من المناطق التي يمكن الوصول إليها.
ومع كل كيلومتر تُضاف تكلفة النقل والوقود والمخاطر.
لذلك فإن زيادة تبدأ في الجمارك يمكن أن تصبح أكبر عند وصول السلعة إلى المناطق البعيدة.
مفارقة الطاقة الشمسية
هناك استثناء مهم.
قوات الجمارك أعلنت في وقت سابق من سبتمبر تطبيق قرار مجلس الوزراء بإعفاء منظومات الطاقة الشمسية من الرسوم الجمركية، في ظل الدمار الواسع الذي أصاب قطاع الكهرباء والحاجة إلى دعم العودة إلى المناطق المتضررة.
وهذا يعني أن تأثير ارتفاع الدولار الجمركي ليس متساويًا على جميع الواردات.
فالسلع المعفاة كليًا من الرسم الجمركي الأساسي لا تتأثر به بالطريقة نفسها التي تتأثر بها السلع الخاضعة للتعرفة، مع ضرورة النظر أيضًا إلى أي ضرائب أو رسوم أخرى قد تنطبق عليها.
وهذه نقطة مهمة حتى لا يتحول الحديث عن القرار إلى تعميم بأن كل سلعة مستوردة سترتفع تلقائيًا بالنسبة نفسها.
لماذا الآن؟
الزيادة تأتي بينما تتسع الفجوة بين الأسعار الإدارية التي تستخدمها مؤسسات الدولة والواقع المتحرك للعملة في الأسواق.
وكلما فقد الجنيه قيمته، أصبحت المحافظة على سعر جمركي ثابت لفترة طويلة تعني أن القيمة الحقيقية التي تحتسب عليها الرسوم تتراجع.
ومن منظور وزارة المالية، يصبح تعديل السعر محاولة للحاق بهذا التغير.
لكن من منظور المواطن، النتيجة أبسط:
فاتورة جديدة تقترب.
وهنا تظهر المعضلة السودانية.
الدولة تحتاج إلى الإيرادات.
المستورد يحتاج إلى هامش يسمح له بالاستمرار.
والمواطن لم تعد لديه قدرة كبيرة على تحمل مزيد من الزيادات.
الحكومة تحاول ضبط الاستيراد والدولار
القرار يأتي أيضًا ضمن سياق اقتصادي أوسع.
ففي يونيو قرر مجلس الوزراء دخول الحكومة مباشرة في استيراد المشتقات البترولية، وقال إن الهدف هو ضبط السوق والمساهمة في التحكم في سعر الصرف، مع تكليف وزارات المالية والطاقة وبنك السودان والأمن الاقتصادي بتنفيذ الإجراءات.
كما أجرى بنك السودان المركزي تعديلات متعددة على سياسات الاستيراد والصرف خلال العام الجاري.
لكن المشكلة الأساسية لم تختف:
السودان يحتاج إلى الدولار لتمويل الواردات، بينما الحرب أضعفت الإنتاج والصادرات الرسمية والإيرادات العامة وأحدثت اضطرابات واسعة في النشاط الاقتصادي.
القرار قد يغذي التضخم الذي يحاول الاقتصاد احتواءه
هنا تكمن المفارقة.
رفع الدولار الجمركي قد يحسن الإيرادات الحكومية بالجنيه.
لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يرفع تكلفة السلع.
وارتفاع الأسعار يدفع التجار والأسر إلى طلب مزيد من الجنيهات لتغطية المصروفات.
ثم ترتفع تكاليف الإنتاج.
وتدخل الأجور في سباق متأخر مع الأسعار.
وفي اقتصاد ضعيف الإنتاج، يصبح من الصعب كسر هذه الحلقة.
السؤال ليس 8.9% أم 9.76%
الفارق الحسابي مهم للدقة الصحفية، ولذلك ينبغي تصحيحه.
لكن بالنسبة للمواطن، السؤال الحقيقي ليس النسبة المكتوبة على القرار.
السؤال هو:
كم ستصبح تكلفة الدواء وقطعة الغيار والملابس ومدخلات الإنتاج والسلع المستوردة عندما تصل إلى السوق؟
وهذا لن يظهر بالكامل في يوم واحد.
بعض التجار يملكون مخزونًا دخل بالسعر القديم.
وشحنات أخرى ستخضع للسعر الجديد.
لذلك قد تنتقل الزيادة تدريجيًا خلال الأيام والأسابيع المقبلة.
ما ينبغي مراقبته الآن
المؤشر الأهم سيكون أسعار السلع المستوردة بعد دخول الشحنات الخاضعة للسعر الجديد إلى الأسواق.
كما ينبغي مراقبة ما إذا كانت وزارة المالية ستعلن استثناءات أو إعفاءات إضافية للسلع الأساسية والأدوية ومدخلات الإنتاج، وما إذا كان السعر الجديد سيستقر عند 4,346.65 جنيهًا أم يتحول إلى محطة مؤقتة في سلسلة تعديلات متقاربة.
فإذا استمر تراجع الجنيه وأصبحت تعديلات الدولار الجمركي أكثر تواترًا، فلن تعود المشكلة في حجم الزيادة الواحدة.
ستصبح المشكلة في أن المستورد والتاجر والمستهلك لا يعرفون السعر الذي يبنون عليه حسابات الشهر المقبل.
في السودان اليوم، لا يحتاج الغلاء إلى أن يبدأ من رف المتجر. قد يبدأ من رقم يتغير على شاشة موظف في الميناء، ثم يقطع مئات الكيلومترات حتى يصل إلى جيب المواطن. رفع الدولار الجمركي قد يمنح الخزانة جنيهات إضافية، لكن الاختبار الحقيقي هو ألا تتحول تلك الجنيهات إلى فاتورة جديدة يدفعها مجتمع استهلكت الحرب بالفعل معظم قدرته على الاحتمال.
محررو لقطة AI – 52
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات