محررو لقطة AI – 3
15 سبتمبر 2026
بدأ عام دراسي جديد في أجزاء من دارفور، لكن المقاعد الفارغة تكشف أزمة أكبر من مجرد تعثر العودة إلى المدارس. ففي مناطق خاضعة لسيطرة «حكومة تأسيس»، رصد معلمون وتربويون غيابًا واضحًا للطلاب الذكور، وسط إفادات بأن بعضهم انتقل إلى الأسواق ومناجم الذهب بحثًا عن دخل، وبعضهم غادر إلى دول الجوار، بينما التحق آخرون من طلاب المرحلة الثانوية بالقتال مع أحد أطراف النزاع.
المشهد يحمل مفارقة قاسية: المدارس تحاول العودة بعد سنوات من الحرب، لكن جزءًا من الجيل الذي يفترض أن يعود إليها لم يعد موجودًا أمام السبورة.
ولا يمكن تفسير الغياب بسبب واحد. الحرب دفعت الأسر إلى الفقر، وأغلقت مدارس، وشتتت المعلمين والطلاب، وفي الوقت نفسه دفعت التعبئة العسكرية والاستنفار بعض المراهقين والشباب نحو ساحات القتال.
وهكذا لا تواجه دارفور أزمة في فتح المدرسة فقط، بل في إعادة الطالب إليها.
في نيالا.. المدرسة مفتوحة لكن الطالب يعمل
في نيالا، العاصمة الإدارية لـ«حكومة تأسيس»، انطلق العام الدراسي بينما لا تزال أعداد من المدارس الحكومية مغلقة.
وقال مدير مدرسة في المدينة لدارفور24 إن المدارس المفتوحة أصبحت تعتمد بصورة شبه كاملة على الجهود الذاتية لتوفير أبسط الاحتياجات اليومية، من الطباشير ومياه الشرب إلى وجبات المعلمين.
واضطرت بعض المدارس، وفق المصدر نفسه، إلى فرض رسوم لتغطية تكاليف التشغيل رغم توجيهات وزارة التربية بعدم فرض رسوم وعدم طرد الطلاب بسبب عدم السداد.
لكن الأزمة الأشد تظهر خارج سور المدرسة.
فبحسب إفادة المدير، دفعت الأوضاع الاقتصادية العديد من الطلاب الذكور إلى العمل في الأسواق ومناجم الذهب، أو إلى السفر خارج المنطقة، بينما التحق بعض طلاب المرحلة الثانوية بالقتال.
وهنا تتغير وظيفة الطفل داخل الأسرة.
بدل أن يكون طالبًا تعتمد الأسرة على تعليم اليوم لبناء مستقبله، يصبح مصدر دخل تحتاج إليه الآن للبقاء.
بين المدرسة والبندقية
لا ينبغي اختزال كل غياب للطلاب الذكور في التجنيد؛ فالمصدر الميداني نفسه يشير إلى أسباب اقتصادية وهجرة وعمل إلى جانب الالتحاق بالقتال.
لكن وجود العامل العسكري داخل تفسير التسرب يجعل القضية أكثر خطورة.
فالطالب الذي يترك الفصل ليعمل في السوق قد تكون هناك فرصة لإعادته إلى التعليم إذا تحسنت ظروف أسرته.
أما الذي ينتقل من الفصل إلى القتال، فإنه يدخل مسارًا مختلفًا تمامًا، تتداخل فيه مخاطر الإصابة والموت والصدمات النفسية وصعوبة العودة لاحقًا إلى الحياة المدنية والتعليم.
والتقرير الإنساني البريطاني المحدث في سبتمبر، مستندًا إلى بيانات أممية، يشير إلى أن اضطراب التعليم هو الأشد في دارفور وكردفان، في بيئة نزاع تتضمن أيضًا مخاطر تجنيد الأطفال والعنف المرتبط بالحرب.
وهذه ليست مجرد مشكلة تعليمية.
إنها مشكلة تتعلق بشكل المجتمع الذي سيخرج من الحرب.
شمال دارفور.. 97% من المدارس كانت متوقفة
الأرقام تشرح حجم الانهيار الذي تحاول المدارس العودة منه.
بيانات عنقود التعليم المنشورة في يناير 2026 أشارت إلى أن 3% فقط من مدارس شمال دارفور كانت تعمل، أي أن نحو 97% لم تكن عاملة، بينما بلغت نسبة المدارس العاملة 13% في جنوب دارفور و27% في غرب دارفور.
وعلى مستوى السودان كله، ما يقارب 60% من الأطفال في سن الدراسة لا يلتحقون بالتعليم النظامي، بينما يحتاج 10.5 ملايين طفل إلى دعم تعليمي خلال 2026.
لذلك فإن فتح مدرسة في دارفور بعد سنوات الحرب يمثل تقدمًا.
لكنه لا يكفي.
فالمدرسة يمكن أن تفتح أبوابها ولا تعمل فعليًا إذا لم يكن هناك معلم يتقاضى راتبه، أو أسرة تستطيع شراء الكراسة، أو طالب يستطيع التخلي عن دخل يومي تحتاجه أسرته.
زالنجي تعود بعد أكثر من ثلاث سنوات.. جزئيًا
في زالنجي بوسط دارفور، عادت الدراسة للمرة الأولى بعد توقف استمر أكثر من ثلاث سنوات، لكن العودة اقتصرت، بحسب التقرير الميداني، على المدارس الخاصة في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة.
أكثر من 15 مدرسة خاصة استقبلت الطلاب، بينما بقيت المدارس الثانوية الحكومية والخاصة مغلقة، مع غياب واضح لطلاب المرحلة الثانوية.
وتتراوح الرسوم في المدارس الخاصة التي عادت للعمل بين 100 ألف و200 ألف جنيه للعام الدراسي.
هذه الأرقام تضع الأسرة أمام معادلة صعبة.
حتى إذا كان ابنها يريد العودة إلى الفصل، وحتى إذا كانت هناك مدرسة مفتوحة، فهل تستطيع دفع الرسوم والكتب والكراسات والمواصلات والمصروف اليومي؟
في نيالا، قال أب لأربعة أطفال إن المصروفات اليومية المتعلقة بتعليم أسرته تصل إلى ما بين 20 و25 ألف جنيه، وإن ارتفاع الكلفة دفعه إلى اختيار الخلوة لتحفيظ القرآن بدل المدرسة لأبنائه.
وهكذا تنشأ منظومة تعليمية غير متكافئة: من يستطيع الدفع يجد بابًا، ومن لا يستطيع يبحث عن بديل أو يخرج من التعليم.
شرق دارفور.. معلم بلا راتب
الصورة ليست أفضل كثيرًا في شرق دارفور.
بدأ العام الدراسي بحضور ضعيف للطلاب والمعلمين، فيما أفاد مسؤولون ومعلمون بأن مشكلة الأجور لا تزال قائمة.
وفي نيالا، قال مدير المدرسة إن المعلمين لم يتلقوا خلال الأشهر الماضية سوى راتب شهر واحد من الإدارة المدنية.
وفي شرق دارفور، طالبت إدارة التعليم المعلمين بالعودة إلى مواقع عملهم، وعممت خطابات بهذا الشأن على استخبارات قوات الدعم السريع؛ وهي خطوة قال معلمون إنها بدت لهم بمثابة تهديد بالعقاب، في وقت لم تُحل فيه مشكلة الأجور. وهذا توصيف صادر عن المعلمين الذين تحدثوا للمصدر، وليس حكمًا مستقلًا على نية الجهات التي أصدرت الخطابات.
المشكلة واضحة:
لا يمكن إعادة الطالب إلى مدرسة يتركها معلمه بحثًا عن الطعام.
خسارة جيل لا تُقاس بعدد المدارس
قد يبدو السؤال المباشر هو: كم مدرسة فتحت؟
لكن المؤشر الأكثر أهمية هو: كم طالبًا عاد؟ ومن الذي لم يعد؟ ولماذا؟
غياب الطلاب الذكور في بعض مناطق دارفور يمكن أن يخلق أثرًا يستمر سنوات بعد توقف إطلاق النار.
طالب المرحلة الثانوية اليوم هو معلم أو ممرض أو مهندس أو حرفي أو صاحب مشروع بعد عدة سنوات.
وعندما يخسر ثلاث سنوات من التعليم ثم ينتقل إلى سوق العمل غير المنظم أو التعدين أو الحرب، تصبح إعادته إلى المسار التعليمي أصعب مع مرور الوقت.
السودان يعرف أصلًا حجم الكارثة الوطنية: أكثر من 8 ملايين طفل أمضوا فترات طويلة خارج المدارس خلال الحرب، وفق تقديرات أوردتها منظمات دولية مطلع العام، فيما تشير أحدث التجميعات الإنسانية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج التعليم الرسمي.
الفتيات أيضًا لسن بمنأى عن الخطر
المفارقة أن المشهد الحالي في بعض مدارس دارفور يظهر غيابًا أكبر للذكور، لكن ذلك لا يعني أن الفتيات أكثر أمانًا تعليميًا على المدى الطويل.
بيانات اليونيسف التي يغطي أحدثها النصف الأول من 2026 تشير إلى أن بيئات النزاع المرتبطة بتجنيد الأطفال والعنف الجنسي تضرب تسجيل الفتيات في المرحلة الابتدائية بقوة، مع آثار أكبر على المراهقات والتعليم الثانوي.
أي أن الحرب تضغط على الجنسين بطرق مختلفة:
قد يُدفع الفتى إلى العمل أو القتال، وقد تواجه الفتاة الفقر والنزوح والعنف ومخاطر التسرب المبكر.
والنتيجة واحدة: فصل دراسي يفقد طلابه.
دارفور لا تحتاج إلى فتح المدارس فقط
التحدي الآن يتطلب أكثر من إعلان بداية العام الدراسي.
فتح المدرسة دون دفع رواتب المعلمين، ودون توفير المواد التعليمية، ودون معالجة الرسوم، ودون حماية الأطفال من التجنيد، قد يعيد المبنى إلى العمل لكنه لا يعيد النظام التعليمي.
كما أن المناطق التي ظلت مدارسها مغلقة لسنوات تحتاج إلى برامج تعويض تعليمي، لأن إعادة طفل يبلغ 16 عامًا إلى المنهج الذي غادره وهو في الثالثة عشرة ليست عملية تلقائية.
الحرب سرقت منه ثلاث سنوات، ولا يستطيع التقويم الدراسي إعادتها بمجرد إعلان يوم لبدء الدراسة.
أخطر صورة للعام الدراسي في دارفور ليست مدرسة مهدمة، بل مدرسة أعيد فتحها وبقي مقعد الطالب فارغًا. فالجدار يمكن ترميمه، والكتاب يمكن طباعته، لكن استعادة فتى انتقل من الفصل إلى المنجم أو السوق أو جبهة القتال قد تكون أصعب بكثير. وعندما تنتهي الحرب، سيكتشف السودان أن إحدى أكبر فواتيرها لم تكن في المباني التي دُمّرت، بل في السنوات التي سُرقت من أعمار أطفاله.
محررو لقطة AI – 3
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات