محررو لقطة AI – 7
4 أكتوبر 2026
لم يعد الشرق الأوسط الذي تشكلت قواعده طوال العقود الماضية موجودًا بالصورة نفسها. فالمنطقة التي قامت حساباتها الأمنية طويلًا على المظلة الأميركية، والانقسام بين معسكرات ثابتة نسبيًا، تدخل اليوم مرحلة أكثر سيولة؛ دول كانت متخاصمة تتقارب، وحلفاء قدامى يبحثون عن بدائل، وقوى إقليمية تبني ترتيباتها الدفاعية الخاصة، بينما تحولت مضائق النفط والبحار والمسيّرات والصواريخ إلى عناصر حاسمة في رسم ميزان القوة الجديد.
أبرز تعبير عن هذا التحول جاء في أغسطس الماضي، عندما وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي ينص على اعتبار الهجوم المسلح على أي من الدول الثلاث هجومًا على الجميع. الاتفاق جمع دولة خليجية محورية، وتركيا صاحبة ثاني أكبر جيش في حلف الناتو، وباكستان القوة النووية الوحيدة بين الدول ذات الأغلبية المسلمة، في صيغة أمنية لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة.
ولم يبق الاتفاق مجرد إعلان سياسي. ففي 5 أكتوبر يعقد وزراء الخارجية والدفاع وقادة عسكريون من الدول الثلاث اجتماعًا في الرياض لبحث تطورات المنطقة والخطوات المتعلقة بتحويل التحالف إلى مؤسسة أكثر انتظامًا. وتقول تركيا إن الاجتماع سيناقش أيضًا التطورات الإقليمية الراهنة، بينما أصبحت أزمة اليمن وهجمات الحوثيين من أول الملفات العملية التي تختبر قدرة التحالف على الانتقال من النصوص إلى القرار.
هذه التطورات لا تعني بالضرورة أن المنطقة تتجه إلى نسخة شرق أوسطية من حلف الناتو. تفاصيل الالتزامات العسكرية في اتفاق مكة ما تزال غير واضحة بالكامل، ومسؤولون في الدول الثلاث أكدوا أن الاتفاق دفاعي ولا يستهدف دولة بعينها. لكن أهميته تكمن في الرسالة السياسية التي يحملها: قوى إقليمية كبرى لم تعد تريد الاعتماد بصورة حصرية على طرف خارجي لحماية أمنها.
المظلة الأميركية لم تختفِ.. لكنها لم تعد الوحيدة
الولايات المتحدة ما تزال القوة العسكرية الخارجية الأكبر في المنطقة، وتحتفظ بعلاقات أمنية واسعة مع دول الخليج وإسرائيل وتركيا وغيرها. لكن حروب السنوات الأخيرة وضعت مسألة الاعتماد الكامل على الضمانات الأميركية تحت نقاش متزايد داخل عواصم المنطقة.
وتشير تقارير حديثة إلى أن الضغوط على القدرات والمخزونات العسكرية الأميركية خلال عمليات 2026 دفعت بعض الحلفاء إلى البحث عن مصادر دعم وتعاون أوسع. السعودية، على سبيل المثال، أبقت شراكتها مع واشنطن، لكنها بالتوازي وسعت تعاونها الدفاعي مع تركيا وباكستان، بينما أصبحت فكرة «تنويع الشركاء» جزءًا متزايدًا من الحسابات الأمنية الخليجية.
وهنا يكمن أحد أهم الاختلافات بين الشرق الأوسط القديم والجديد: الدول لم تعد مضطرة إلى الاختيار بين واشنطن أو خصومها. تستطيع دولة ما أن تشتري السلاح الأميركي، وتتعاون عسكريًا مع تركيا وباكستان، وتحافظ على تجارة واسعة مع الصين، وتتواصل سياسيًا مع روسيا وإيران في الوقت نفسه.
إيران وإسرائيل.. قوتان تعيدان تشكيل الحسابات
الحرب الأميركية–الإسرائيلية مع إيران منذ فبراير 2026 وما أعقبها من هجمات إيرانية واضطرابات في صادرات الطاقة دفعت دول المنطقة إلى إعادة التفكير في مفهوم الردع. وفي المقابل، أثارت التحركات العسكرية الإسرائيلية في غزة ولبنان وسوريا مخاوف لدى دول ترى أن اتساع نطاق العمليات العسكرية قد يخلق واقعًا أمنيًا لا يمكن احتواؤه بالآليات القديمة.
ولهذا فإن التحالفات الجديدة لا يمكن وصفها ببساطة بأنها «مع إيران» أو «ضد إيران»، ولا بأنها موجهة بالكامل ضد إسرائيل. المعادلة أكثر تعقيدًا: الدول تبحث عن قدرة تمنع أياً من القوى الإقليمية من امتلاك تفوق مطلق، وفي الوقت نفسه تحاول تفادي الدخول في حرب شاملة.
وحتى داخل تحالف مكة تظهر هذه البراغماتية. ففي الوقت الذي أدانت فيه الدول الثلاث هجمات الحوثيين على السعودية، نقلت باكستان اقتراحًا إيرانيًا للحوار السياسي معهم، ومن المقرر مناقشته داخل آليات التحالف. أي أن الردع العسكري والدبلوماسية يتحركان جنبًا إلى جنب.
مصر.. الحلقة التي قد تغيّر وزن المعادلة
قبل الإعلان الرسمي عن اتفاق مكة، رصد المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية تقاربًا متناميًا بين السعودية وتركيا وباكستان ومصر، معتبرًا أن الدول الأربع بدأت تنسق بصورة أكبر في قضايا الأمن الإقليمي، حتى وإن لم تكن آنذاك داخل تحالف رسمي واحد.
انضمام القاهرة مستقبلًا — إذا حدث — سيغيّر وزن أي إطار إقليمي ناشئ بسبب موقع مصر الجغرافي وقوتها العسكرية وسيطرتها على قناة السويس ودورها في البحر الأحمر وشرق المتوسط. لكن القاهرة لم تنضم حتى الآن إلى اتفاق مكة، وما تزال حساباتها السياسية والعسكرية والقانونية مختلفة عن حسابات الأطراف الثلاثة.
وهذا بحد ذاته يكشف طبيعة النظام الجديد: لن تكون هناك بالضرورة كتلتان واضحتان، بل شبكات من التحالفات المتقاطعة تتغير وفق الملف والأزمة.
المضائق أصبحت حدودًا للحرب
إذا كان النفط في الماضي هو قلب الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، فإن طرق مرور النفط أصبحت اليوم بالقدر نفسه من الأهمية.
إيران تقول إنها لن تعيد فتح مضيق هرمز بصورة كاملة قبل تنفيذ شروط مرتبطة بتفاهماتها مع الولايات المتحدة، بينما يشهد البحر الأحمر وباب المندب تصعيدًا جديدًا مع الحوثيين والحكومة اليمنية المدعومة من السعودية. وفي 4 أكتوبر أعلنت الحكومة اليمنية بدء عملية عسكرية واسعة لاستعادة مناطق يسيطر عليها الحوثيون.
وهكذا بات شريانان من أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم — هرمز وباب المندب — جزءًا مباشرًا من النزاع السياسي والعسكري.
وهذه النقطة تهم السودان بصورة خاصة. فالدولة المطلة على البحر الأحمر لم تعد تقف على هامش صراع شرق أوسطي بعيد، وإنما بجوار أحد أهم مسارح التنافس البحري الجديد، حيث ترتبط أمن الموانئ وحركة السفن وأسعار الوقود والتجارة السودانية بما يحدث على امتداد البحر الأحمر وباب المندب.
عالم متعدد القوى.. لكنه ليس أكثر استقرارًا بالضرورة
الصين من جانبها تسعى إلى توسيع حضورها السياسي والاقتصادي في عالم أكثر تعددية، وتدعو باستمرار إلى تسويات دبلوماسية في النزاعات الإقليمية، بينما تحتفظ روسيا بقنواتها مع السعودية وإيران وقوى أخرى. وفي سبتمبر دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى ضمان المرور الآمن عبر هرمز وباب المندب.
لكن انتقال المنطقة من هيمنة قوة خارجية واحدة إلى تعدد مراكز القوة لا يعني تلقائيًا أنها ستصبح أكثر أمنًا. بل قد يحدث العكس.
كلما زاد عدد التحالفات، زادت أيضًا احتمالات سوء تفسير الالتزامات. وكلما تعددت الدول التي تمتلك صواريخ بعيدة المدى ومسيّرات وأنظمة دفاع متطورة، أصبحت لحظة الخطأ أو الحساب الخاطئ أكثر تكلفة.
الخطر الأكبر في الشرق الأوسط الجديد ليس فقط اندلاع حرب مخطط لها، بل تحول حادث محدود إلى أزمة إقليمية لأن سلسلة من اتفاقات الدفاع والمصالح المتشابكة تجذب أطرافًا أخرى إلى المواجهة.
ما نشهده إذن ليس ولادة نظام مستقر بديل، وإنما نهاية مرحلة وبداية أخرى لم تتضح قواعدها بعد. الولايات المتحدة باقية، والصين تتقدم اقتصاديًا، وروسيا تبحث عن موطئ قدم، وإيران وإسرائيل تعيدان حساب القوة بالقوة، بينما تحاول السعودية وتركيا وباكستان ودول أخرى بناء مساحة مستقلة بين هذه المحاور.
لقد انتهى الشرق الأوسط الذي كانت خطوطه واضحة نسبيًا.
أما الشرق الأوسط الذي يولد الآن، فهو أكثر استقلالًا عن المعادلات القديمة، وأكثر قدرة على صنع تحالفاته بنفسه — لكنه أيضًا أكثر ازدحامًا بالسلاح والتحالفات والنقاط القابلة للاشتعال، ولذلك قد يكون أكثر خطورة من الذي سبقه.
محررو لقطة AI – 7
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات