محررو لقطة AI – 19
21 أكتوبر 2026
دخل الاقتصاد السوداني مرحلة جديدة من الضغوط، بعدما رفعت السلطات سعر الدولار الجمركي بنحو 29.6%، بالتزامن مع تسجيل العملة المحلية مستويات متدنية أمام الدولار الأمريكي في السوق الموازية، وارتفاع أسعار الذهب والسلع الاستهلاكية، في تطورات تضع الأسر والتجار والمستوردين أمام موجة جديدة من عدم اليقين الاقتصادي.
وأظهرت بيانات نشرتها وسائل إعلام سودانية، الاثنين 19 أكتوبر، ارتفاع السعر المعتمد للدولار في المعاملات الجمركية من 4,346.65 جنيهًا إلى 5,631.76 جنيهًا، بزيادة قدرها 1,285.11 جنيهًا للدولار الواحد، في خامس تعديل من نوعه منذ بداية العام الجاري، وفق ما أوردته سودان تربيون.
وفي الوقت نفسه، نقلت الصحيفة عن متعاملين في السوق الموازية وصول الدولار إلى 9,200 جنيه، وبلوغه 9,300 جنيه في بعض التعاملات، بينما سجل الدرهم الإماراتي نحو 2,500 جنيه، والريال السعودي 2,450 جنيهًا.
وتعكس هذه الأرقام أسعارًا أبلغ بها متعاملون في السوق غير الرسمية، ولا تمثل سعرًا موحدًا أو مضمونًا لجميع عمليات الصرف.
لكن أهمية التطورات لا تكمن في الأرقام وحدها، وإنما في تزامن ثلاثة ضغوط اقتصادية: زيادة قيمة الدولار المستخدم لحساب الرسوم الجمركية، وتراجع القوة الشرائية للجنيه، وارتفاع أسعار الذهب بوصفه أصلًا يلجأ إليه بعض المتعاملين لحفظ القيمة.
ويثير هذا التزامن سؤالًا يتجاوز حركة الأسواق اليومية: هل أصبحت السياسات المالية تحاول تعويض تراجع الإيرادات العامة عبر زيادة تكلفة الاستيراد، بينما يفقد المواطنون قدرتهم على تحمل المزيد من ارتفاع الأسعار؟
الدولار الجمركي.. قرار مالي يصل إلى المستهلك
الدولار الجمركي ليس سعرًا يستطيع المواطن شراء العملة الأجنبية أو بيعها به، وإنما قيمة حسابية تعتمدها السلطات لتحديد الرسوم المفروضة على السلع المستوردة.
وعندما ترتفع هذه القيمة، تزداد الرسوم المحسوبة بالجنيه السوداني على السلع الخاضعة للتعرفة الجمركية، حتى إذا بقي سعر السلعة بالدولار ثابتًا.
ويمكن توضيح الأثر بمثال افتراضي: إذا كانت قيمة شحنة مستوردة ألف دولار، فإن قيمتها لأغراض الحساب الجمركي ترتفع من نحو 4.35 ملايين جنيه إلى 5.63 ملايين جنيه بعد التعديل الأخير.
وإذا افترضنا أن الشحنة تخضع لرسم جمركي قدره 10%، فإن قيمة الرسم ترتفع من نحو 435 ألف جنيه إلى 563 ألف جنيه، أي بزيادة تقارب 128 ألف جنيه.
ولا يعني هذا المثال أن سعر السلعة النهائي سيرتفع بنسبة 29.6%، لأن السعر يتأثر بعوامل أخرى، منها التعرفة المطبقة والإعفاءات والضرائب والنقل وهوامش الربح وسعر الصرف الفعلي المستخدم في الاستيراد.
لكنه يوضح كيف يمكن لقرار يتعلق بالحسابات الجمركية أن ينتقل إلى تكلفة البضائع، ثم إلى أسعار الجملة والتجزئة.
وفي اقتصاد يعتمد على استيراد جانب مهم من احتياجاته الاستهلاكية والإنتاجية، قد تتسع دائرة التأثير لتشمل السلع المصنعة ومدخلات الإنتاج وقطع الغيار والمعدات.
هل تحاول الحكومة تعويض نقص الإيرادات؟
نقل موقع دارفور24 عن مصدر في وزارة المالية أن زيادة الدولار الجمركي ترتبط بعجز الموازنة وتراجع الإيرادات الحكومية، وأن السلطات تسعى إلى تعويض جزء من هذا النقص عبر زيادة التحصيل الجمركي.
لكن هذا التفسير ورد على لسان مصدر نقل عنه الموقع، ولم أتحقق من بيان رسمي مفصل لوزارة المالية يوضح حجم الإيرادات الإضافية المستهدفة أو أثر القرار على الأسعار.
وتواجه المالية العامة السودانية ضغوطًا كبيرة بسبب استمرار الحرب، وتراجع النشاط الإنتاجي، وتعطل مؤسسات اقتصادية، وارتفاع النفقات المرتبطة بإدارة الخدمات والأوضاع الطارئة.
وفي مثل هذه الظروف، قد تنظر الحكومات إلى الرسوم الجمركية باعتبارها مصدرًا متاحًا للإيرادات.
غير أن الاعتماد المتزايد عليها يحمل مخاطرة اقتصادية؛ فزيادة الرسوم قد ترفع تكلفة السلع وتضعف الطلب، كما قد تزيد الحوافز للتهرب الجمركي أو اللجوء إلى قنوات تجارية غير رسمية.
ولذلك فإن تقييم القرار لا ينبغي أن يتوقف عند مقدار الإيرادات التي تتوقع الحكومة تحصيلها، بل يجب أن يشمل تأثيره في حجم الاستيراد والأسعار والقدرة الشرائية والنشاط التجاري.
الجنيه السوداني.. أزمة تتجاوز المضاربات
يشير وصول الدولار إلى مستويات تتجاوز تسعة آلاف جنيه في بعض معاملات السوق الموازية إلى استمرار فقدان الثقة في قدرة العملة المحلية على الاحتفاظ بقيمتها.
لكن تفسير تدهور الجنيه باعتباره نتيجة للمضاربة وحدها لا يكفي.
فالحرب أضعفت الإنتاج الزراعي والصناعي، وعطلت شبكات النقل والتجارة، وقلصت قدرة الاقتصاد على توفير العملات الأجنبية من مصادر منتظمة.
وفي المقابل، يستمر الطلب على الدولار لتمويل الواردات والاحتياجات التجارية والالتزامات الخارجية.
وعندما يتراجع المعروض من العملات الأجنبية بينما يبقى الطلب مرتفعًا، تتزايد الضغوط على سعر الصرف.
كما أن توقع استمرار انخفاض الجنيه قد يدفع بعض الأفراد والشركات إلى الاحتفاظ بالدولار أو الذهب بدلًا من العملة المحلية، بما يزيد الطلب على الأصول التي يُنظر إليها باعتبارها أكثر قدرة على حفظ القيمة.
وتنشأ بذلك دائرة اقتصادية يصعب كسرها بإجراءات أمنية أو نقدية منفردة، ما لم تتحسن القدرة الإنتاجية وتزداد تدفقات النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية.
وكانت تقارير اقتصادية سابقة قد ربطت استمرار تراجع الجنيه بتداعيات الحرب وضعف النشاط الاقتصادي، رغم الإجراءات الحكومية المتكررة لمحاولة ضبط السوق.
الذهب يرتفع.. لكن الأرقام تحتاج إلى تدقيق
تزامن تراجع الجنيه مع ارتفاع أسعار الذهب في السوق المحلية، بحسب إفادات نقلتها سودان تربيون عن الأمين العام لشعبة مصدري الذهب، معتصم محمد صالح.
وأرجع صالح حركة الأسعار إلى عاملين رئيسيين: تغير سعر صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية، وتحركات أسعار الذهب في الأسواق العالمية.
غير أن التقرير أورد سعرًا يبلغ 1,055 جنيهًا لجرام الذهب الخام و1,170 جنيهًا للمشغول، وهي أرقام لا تتسق ظاهريًا مع مستويات الصرف المذكورة في التقرير نفسه. ولم أتمكن من تأكيد ما إذا كانت الأرقام تشير إلى وحدة تسعير مختلفة أو تتضمن خطأً في النقل. لذلك لا يصح اعتمادها كأسعار نهائية للجرام قبل مراجعتها مع شعبة الذهب أو مصدر سوقي مستقل.
ومع ذلك، فإن العلاقة الاقتصادية واضحة: عندما تنخفض قيمة العملة المحلية، ترتفع عادة التكلفة المقومة بالجنيه للذهب المسعّر عالميًا بالدولار، حتى إذا لم يرتفع السعر العالمي بالنسبة نفسها.
لكن ارتفاع سعر الذهب لا يعني بالضرورة تحسن أداء الاقتصاد السوداني أو زيادة إيرادات الدولة من صادراته.
فالعائد الاقتصادي يعتمد على حجم الإنتاج الذي يصل إلى القنوات الرسمية، وحجم الصادرات الفعلية، وقدرة الدولة على تحصيل الإيرادات، ومدى الحد من التهريب والتجارة غير المنظمة.
وقد أظهرت تقارير سابقة أن اضطراب تجارة الذهب وطرق تصديره بسبب الحرب والقيود التجارية ساهم في زيادة الضغوط على العملة السودانية.
من الأسواق إلى موائد الأسر
تظهر خطورة التطورات الحالية بصورة أوضح عند النظر إلى أسعار السلع الأساسية.
فبحسب الأسعار التي رصدتها سودان تربيون في الأسواق السودانية، بلغ سعر كيلو السكر نحو ثمانية آلاف جنيه، ولتر الزيت نحو عشرين ألف جنيه، وكيلو الدقيق نحو سبعة آلاف جنيه، بينما بلغ سعر عبوة الشعيرية بوزن 350 جرامًا نحو 4,500 جنيه.
وهذه أسعار رصدتها الصحيفة في فترة محددة، وليست متوسطات رسمية موحدة لكل الولايات والأسواق.
وتتجاوز آثار ارتفاع الأسعار تكلفة الغذاء وحده؛ فزيادة تكلفة الوقود والنقل ومدخلات الإنتاج قد تنتقل إلى الزراعة والصناعة والخدمات.
ويصبح الوضع أكثر صعوبة بالنسبة إلى الموظفين وأصحاب الدخل الثابت، الذين قد لا ترتفع أجورهم بالسرعة نفسها التي ترتفع بها أسعار السلع.
كما تواجه الأسر النازحة والمتضررة من الحرب ضغوطًا مضاعفة بسبب فقدان مصادر الدخل وارتفاع تكاليف السكن والمواصلات والعلاج.
وفي هذه الظروف، قد تضطر بعض الأسر إلى تقليل كميات الغذاء أو الاستغناء عن سلع ضرورية أو تأجيل الحصول على خدمات صحية وتعليمية.
ولا تتوافر بيانات جديدة كافية لتحديد نسبة ارتفاع تكلفة المعيشة على مستوى السودان نتيجة القرار الجمركي الأخير وحده. لكن اتجاه الضغوط واضح، ويحتاج إلى قياس رسمي مستقل.
هل تؤدي زيادة الجمارك إلى مزيد من التضخم؟
تعتمد الإجابة على كيفية انتقال الزيادة إلى الأسواق.
فبعض المستوردين قد يتحملون جزءًا من التكلفة الإضافية لتجنب فقدان الزبائن، بينما قد ينقل آخرون الزيادة إلى المستهلكين.
وقد تختلف الآثار بين السلع الأساسية والسلع الكمالية، وبين المنتجات المستوردة بالكامل والمنتجات المصنعة محليًا باستخدام مواد مستوردة.
كما أن توقيت انتقال الزيادة يعتمد على المخزون المتاح لدى التجار، والعقود السابقة، وحركة النقل، وطبيعة المنافسة.
لكن الخطر الأكبر يتمثل في تزامن الزيادة الجمركية مع تدهور سعر الصرف.
فالمستورد الذي يشتري الدولار بسعر مرتفع ثم يدفع رسومًا جمركية محسوبة على أساس أعلى سيواجه ضغطًا مزدوجًا على التكلفة.
وقد يدفع ذلك بعض الشركات إلى تقليص الاستيراد أو رفع الأسعار أو تجميد عمليات البيع مؤقتًا إلى حين استقرار السوق.
وهذا يعني أن معالجة التضخم تحتاج إلى سياسات متكاملة تتعلق بسعر الصرف والإنتاج والتجارة والمالية العامة، لا إلى قرار منفرد بشأن الجمارك.
ما البدائل الاقتصادية المتاحة؟
تحتاج الحكومة السودانية إلى توضيح الأساس الذي اعتمدته في تعديل الدولار الجمركي، والنتائج المالية المتوقعة، والإجراءات المصاحبة لحماية السلع الأساسية ومدخلات الإنتاج.
كما ينبغي نشر بيانات منتظمة عن حصيلة الجمارك وحجم الواردات، حتى يمكن تقييم ما إذا كانت الزيادة تؤدي فعلًا إلى تحسين الإيرادات أم تزيد تكلفة النشاط التجاري.
وتبرز أهمية مراجعة الرسوم المفروضة على مدخلات الزراعة والصناعة والأدوية والمستلزمات الطبية، لأن ارتفاع تكلفتها قد يؤثر في قدرة القطاعات الإنتاجية والخدمية على العمل.
وعلى المدى الأبعد، لا يمكن استعادة استقرار الجنيه دون معالجة الأضرار الاقتصادية للحرب، وإحياء الإنتاج، وتحسين حركة الصادرات، وإعادة بناء الثقة في المؤسسات المالية.
كما أن تطوير قنوات رسمية لتجارة الذهب وتصديره يمثل أحد الملفات المهمة لزيادة تدفقات النقد الأجنبي وتقليل الاعتماد على السوق الموازية.
لكن هذه الإجراءات تحتاج إلى مؤسسات مستقرة وبيئة أمنية تسمح بتنفيذها ومراقبة نتائجها.
ما الذي ينبغي متابعته؟
سيكون الاختبار الأول خلال الأيام المقبلة هو حجم الزيادة الفعلية في أسعار السلع المستوردة، خصوصًا الغذاء والأدوية ومدخلات الإنتاج.
كما ينبغي متابعة حركة الدولار في السوق الموازية، وما إذا كانت الأسعار ستستقر أو تستمر في الارتفاع.
ومن المهم كذلك الحصول على نسخة من المنشور الجمركي الجديد، وتوضيح موعد تطبيقه والفئات المستثناة منه، إن وجدت.
أما ملف الذهب، فيحتاج إلى بيانات دقيقة وموحدة عن الأسعار المحلية ووحدات التسعير، حتى لا تتحول الأرقام غير المتسقة إلى معلومات مضللة للمستهلكين والتجار.
إن ارتفاع الدولار الجمركي وتراجع قيمة الجنيه يكشفان حجم الأزمة التي تواجه الاقتصاد السوداني في ظل استمرار الحرب.
فالدولة تبحث عن موارد مالية لتسيير مؤسساتها، بينما يحاول المواطن الحفاظ على الحد الأدنى من احتياجاته، ويواجه المنتج والمستورد تكاليف متزايدة يصعب التنبؤ بها.
لكن زيادة الإيرادات الحكومية لا يمكن اعتبارها نجاحًا اقتصاديًا إذا جاءت على حساب تراجع قدرة الأسر على شراء الغذاء والدواء. والتحدي الحقيقي ليس رفع قيمة الدولار في دفاتر الجمارك، وإنما استعادة قيمة العمل والإنتاج والجنيه السوداني، حتى لا يصبح المواطن الحلقة الأخيرة التي تتحمل وحدها تكلفة الحرب واختلال السياسات الاقتصادية.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
الصورة المرفقة
صورة تعبيرية أرشيفية: حاويات شحن في ميناء بورتسودان، 2 أكتوبر 2024. تصوير إبراهيم إسحاق / وكالة فرانس برس، منشورة لدى العربي الجديد. لا توثق الصورة تعديل الدولار الجمركي الصادر في 19 أكتوبر 2026.
مصادر المادة
ملاحظة تدقيق قبل النشر: تأكدت الزيادة الجمركية من تقارير متطابقة، لكن لم أتحقق بصورة مستقلة من أصل المنشور الإداري الجديد. كذلك يجب عدم نشر أسعار جرام الذهب المذكورة بوصفها أسعارًا مؤكدة حتى تُحسم مشكلة وحدة التسعير.
التعليقات
0 تعليقات