محررو لقطة AI – 7
20 أكتوبر 2026
تحولت وجبة الفول، التي ظلت لعقود واحدة من أكثر الأطعمة انتشارًا وأقلها تكلفة في السودان، إلى عبء متزايد على الأسر محدودة الدخل، بعدما شهدت الأسواق ارتفاعات متلاحقة في الأسعار، بالتزامن مع قرار حكومي بوقف إصدار شهادات عدم الممانعة لاستيراد الفول المصري.
وكشف تقرير ميداني نشرته الجزيرة، الأحد 18 أكتوبر، عن شكاوى واسعة من أصحاب المطاعم والتجار والمواطنين في الخرطوم، بعدما ارتفعت تكلفة شراء الفول وتحضير الوجبات الشعبية إلى مستويات دفعت بعض المطاعم إلى تعديل أسعارها، ووضعت المستهلكين أمام خيارات غذائية أكثر صعوبة.
وتأتي الأزمة في وقت يواجه فيه الاقتصاد السوداني ضغوطًا استثنائية بسبب الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، وما خلفته من تراجع في الإنتاج، واضطراب حركة التجارة والنقل، وفقدان ملايين المواطنين مصادر دخلهم.
وتثير التطورات سؤالًا اقتصاديًا يتجاوز أسعار سلعة واحدة: هل تستطيع الحكومة حماية المنتج المحلي من المنافسة الخارجية دون أن يتحمل المستهلك تكلفة نقص المعروض واضطراب الأسواق؟
من قرار إداري إلى أزمة في المطاعم
بدأ الجدل بعد صدور القرار الوزاري رقم 42 في الثاني من أكتوبر 2026، الذي وجه الجهات المختصة بعدم إصدار شهادات عدم الممانعة لاستيراد الفول المصري من جميع الدول.
واستند القرار إلى ترتيبات حكومية سابقة لتنظيم استيراد السلع الغذائية، بينها قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 74 الصادر في 12 أبريل 2026.
وبحسب التوضيح الرسمي الذي نشرته إذاعة جمهورية السودان، فإن الهدف المعلن هو دعم الاقتصاد الوطني وتشجيع الإنتاج المحلي وحماية المنتجين.
غير أن تطبيق القرار تزامن مع ارتفاعات واضحة في الأسعار.
ففي التقرير الذي نشرته الجزيرة، قال صاحب أحد مطاعم الخرطوم إن سعر جوال الفول ارتفع من 750 ألف جنيه إلى مليون و200 ألف جنيه، ما اضطره إلى زيادة سعر الطلب من ستة آلاف إلى ثمانية آلاف جنيه.
وتعني هذه الأرقام ارتفاع تكلفة الجوال بنحو 60%، وزيادة سعر الوجبة في ذلك المطعم بنحو 33%.
وتحدث مواطنون آخرون عن تضاعف تكلفة بعض الوجبات، فيما تراوح سعر صحن «البوش» الذي يتقاسمه أربعة أشخاص بين 20 و30 ألف جنيه، وفق شهادات نقلها التقرير.
وتعكس هذه الأسعار أوضاعًا في مواقع محددة داخل الخرطوم، ولا تمثل متوسطًا رسميًا موحدًا للأسواق السودانية كافة.
لماذا أصبح الفول قضية معيشية؟
لا يحتل الفول مكانته في السودان باعتباره محصولًا زراعيًا أو سلعة تجارية فحسب، بل لأنه يمثل جزءًا أساسيًا من النظام الغذائي اليومي.
فهو وجبة للإفطار والعشاء، وغذاء للعمال والطلاب وأصحاب المهن اليومية، كما تعتمد عليه أسر كثيرة لتوفير وجبة مشبعة بتكلفة أقل نسبيًا من اللحوم وغيرها من مصادر البروتين.
ولهذا فإن ارتفاع سعره لا يشبه الزيادة في أسعار السلع غير الضرورية.
فكل زيادة تنعكس مباشرة على ميزانية الأسرة، خصوصًا عندما تكون الدخول ثابتة أو متراجعة، بينما ترتفع أسعار الخبز والزيوت والخضراوات والوقود بالتزامن.
وتتضاعف المشكلة بالنسبة إلى العاملين بالأجر اليومي، الذين قد يجدون أنفسهم مضطرين إلى إنفاق نسبة أكبر من دخلهم على وجبة اعتادوا شراءها دون حسابات معقدة.
كما أن المطاعم الصغيرة، التي تعتمد على سرعة دوران المبيعات وهوامش ربح محدودة، تواجه ضغوطًا إضافية عندما تتغير أسعار الجملة بصورة متكررة.
فرفع سعر الوجبة قد يقلل عدد الزبائن، بينما الاستمرار بالسعر القديم قد يجعل النشاط غير مربح.
وبذلك تنتقل الأزمة من المزارع والتاجر إلى المطعم، ثم إلى المستهلك، في سلسلة تكشف مدى ارتباط القرارات التجارية بالحياة اليومية.
الحكومة تدافع عن الإنتاج المحلي
في المقابل، يقدم وزير الزراعة والري عصمت قرشي تفسيرًا مختلفًا للأزمة.
ففي حوار صحفي نشر في السادس من أكتوبر، قال الوزير إن حظر الاستيراد يعود إلى سياسة تتصل باختصاص وزارة التجارة والصناعة، وإن دور وزارة الزراعة يتعلق بإصدار شهادات عدم الممانعة.
وأوضح أن تقديرات إنتاج الفول المحلي تتراوح بين 175 ألفًا و185 ألف طن، بينما لم تتجاوز الواردات، بحسب الأرقام التي أوردها، 35 ألف طن في أعلى مستوياتها خلال الفترة من 2019 إلى 2025.
كما قال إن كميات كبيرة دخلت البلاد خلال الفترة السابقة، معتبرًا أن ارتفاع الأسعار بعد القرار لا يستند بالضرورة إلى نقص فعلي في السلعة.
وتكشف تصريحات الوزير عن اختلاف مهم بين رؤية الحكومة وروايات التجار.
فالحكومة تنظر إلى حجم الإنتاج الوطني والواردات المسجلة، بينما يتعامل التاجر والمستهلك مع الكميات المتاحة فعليًا في السوق والسعر المطلوب للحصول عليها.
وقد يكون الإنتاج المحلي كافيًا على المستوى الوطني، لكن ذلك لا يعني بالضرورة وصوله إلى الأسواق المطلوبة في الوقت المناسب وبالتكلفة المناسبة.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين وفرة المحصول في مناطق الإنتاج ووفرة السلعة على أرفف المتاجر وداخل المطاعم.
هل تكفي زيادة الإنتاج المحلي؟
يرتبط نجاح سياسة حماية المنتج الوطني بشرط أساسي: أن يكون الإنتاج المحلي قادرًا على تلبية الطلب، وأن تصل الكميات المنتجة إلى المستهلكين بأسعار مناسبة.
وقد أشار مواطنون في تقرير الجزيرة إلى وجود إنتاج سوداني من الفول في مناطق مختلفة، لكن صعوبات النقل تمنع وصوله بانتظام إلى الأسواق.
وتزداد أهمية هذه المشكلة في ظل الحرب التي أضرت بالطرق وسلاسل التوريد، ورفعت تكاليف الوقود والنقل والتأمين.
كما أن توقف حركة الشاحنات التجارية عبر بعض المعابر مع مصر خلال أكتوبر أضاف اضطرابًا إلى حركة السلع، وفق تقارير اقتصادية مستقلة.
ولهذا فإن ارتفاع الأسعار لا يمكن تفسيره بعامل واحد دون بيانات دقيقة عن المخزون وحركة التجارة وتكاليف التوزيع.
فقد يسهم وقف الاستيراد في تقليص المنافسة، لكنه يتزامن مع اختلالات أوسع تشمل تكلفة النقل وتقلبات العملة وضعف القدرة الشرائية.
ويحتاج تقييم أثر القرار بصورة مستقلة إلى مقارنة الأسعار والكميات المتداولة قبل تطبيقه وبعده، مع مراعاة التغيرات الأخرى في السوق.
حماية المزارع أم حماية المستهلك؟
تستند سياسة تقييد الاستيراد إلى منطق اقتصادي مفهوم، يقوم على تشجيع الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات.
فإذا كانت الأسواق تستقبل كميات كبيرة من سلعة مستوردة بسعر أقل من تكلفة إنتاجها محليًا، فقد يتعرض المزارعون لخسائر تدفعهم إلى تقليص المساحات المزروعة.
لكن الحماية التجارية قد تتحول إلى عبء على المستهلك عندما تُطبق دون التأكد من توافر البديل المحلي بالكميات والأسعار المناسبة.
وتزداد حساسية هذا التوازن في حالة الفول، لأنه سلعة غذائية واسعة الاستهلاك، وليست منتجًا كماليًا يمكن للأسر الاستغناء عنه بسهولة.
ومن هنا يمكن أن تكون السياسات المرنة أكثر قدرة على تحقيق الهدفين، عبر ربط السماح بالاستيراد بمستويات المخزون المحلي، ومواعيد الحصاد، والأسعار الفعلية في الأسواق.
كما يمكن دعم المزارعين بتخفيض تكاليف الإنتاج والنقل والتخزين، بدل الاعتماد على تقييد الواردات وحده.
ولا يعني ذلك أن الاستيراد المفتوح هو الحل الوحيد؛ فالاستيراد دون ضوابط قد يضر بالمزارعين أيضًا. وإنما المطلوب سياسة تستند إلى معلومات دقيقة عن الإنتاج والاستهلاك، وتوازن بين مصالح المنتجين والمستهلكين.
خلاف داخل الحكومة حول مسؤولية القرار
أضافت تصريحات وزير الزراعة جانبًا آخر إلى الجدل، عندما أوضح أن الجهة المختصة بحظر الاستيراد هي وزارة التجارة والصناعة، وأن وزارته تنفذ الإجراءات المتعلقة بشهادات عدم الممانعة.
ويستدعي هذا التمييز توضيحًا رسميًا لمسؤوليات الجهات المختلفة، خصوصًا أن البيان الحكومي الصادر في الثاني من أكتوبر نسب القرار الوزاري رقم 42 إلى وزير الزراعة والري.
ولا يعني اختلاف الاختصاصات بالضرورة وجود تناقض قانوني؛ فقد تكون هناك جهة تضع السياسة التجارية وأخرى تتولى تنفيذ جزء من إجراءاتها.
لكن وضوح المسؤوليات يصبح مهمًا عندما يثير القرار آثارًا معيشية واسعة، ويطالب المواطنون بمعرفة الجهة القادرة على مراجعته أو تعديله.
ما الذي ينبغي أن تفعله الحكومة؟
تحتاج معالجة الأزمة إلى نشر بيانات محدثة عن إنتاج الفول والمخزون المتاح والكميات التي تصل إلى الأسواق، مع تحديد أسباب التفاوت الكبير في الأسعار بين الولايات.
كما ينبغي مراجعة أثر قرار وقف إصدار شهادات الاستيراد، والتحقق مما إذا كانت الزيادات تعكس نقصًا فعليًا في المعروض، أم ارتفاع تكاليف النقل، أم ممارسات احتكارية، أم تداخل هذه العوامل.
وسيكون من المهم أيضًا متابعة المحصول المحلي المتوقع وصوله خلال الشهرين المقبلين، ومدى قدرته على تخفيف الضغط على الأسواق.
فإذا تحسنت الإمدادات وانخفضت الأسعار، فقد يعزز ذلك موقف الحكومة بشأن كفاية الإنتاج المحلي.
أما إذا استمرت الزيادات رغم توافر المحصول، فسيصبح من الضروري إعادة تقييم سياسات التوزيع والاستيراد والرقابة.
إن أزمة الفول تكشف جانبًا من المعضلة الاقتصادية التي تواجه السودان في زمن الحرب؛ فالدولة تحتاج إلى دعم الإنتاج المحلي وتقليل فاتورة الواردات، لكنها مطالبة في الوقت نفسه بحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
ولا ينبغي أن يتحول تحقيق أحد الهدفين إلى إهمال الآخر.
فنجاح السياسة الزراعية لا يقاس فقط بعدد الأطنان المنتجة أو انخفاض الواردات، وإنما بقدرة المزارع على الاستمرار في الإنتاج، وقدرة المستهلك على شراء الغذاء.
وعندما تصبح وجبة الفول، التي ارتبطت طويلًا بمائدة محدودي الدخل، عبئًا ماليًا على الأسر، فإن القضية لم تعد مجرد خلاف حول الاستيراد، بل اختبارًا لقدرة السياسات الاقتصادية على حماية حياة الناس اليومية.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
الصورة المرفقة
التعليقات
0 تعليقات