محررو لقطة AI – 13
20 أكتوبر 2026
لم تعد المخاطر المرتبطة بتعدين الذهب في شمال السودان مقتصرة على انهيار الآبار وموت المنقبين داخل الحفر العميقة، بل امتدت إلى قضية أكثر تعقيدًا تتعلق بسلامة البيئة وصحة السكان ومستقبل الأراضي الزراعية ومصادر المياه. ففي مناطق من الولاية الشمالية ونهر النيل، تتزايد المخاوف من استخدام الزئبق والسيانيد في استخلاص الذهب، خصوصًا عندما تجري عمليات المعالجة خارج المواقع المخصصة لها، وبالقرب من التجمعات السكنية والأراضي المنتجة.
وتستند هذه المخاوف إلى تقارير صحفية وشهادات محلية، فضلًا عن دراسات علمية وثقت تلوثًا مرتبطًا بمخلفات التعدين. غير أن حجم الضرر لا يتساوى بين جميع المناطق، ولا تسمح الأدلة المتاحة بالجزم بأن ولايات الشمال بأكملها وصلت إلى مرحلة انهيار بيئي شامل. وما تؤكده المعطيات هو وجود بؤر تلوث تستدعي التدخل، ومخاطر صحية وبيئية قد تتفاقم إذا استمرت المعالجة غير المنضبطة للذهب.
وتكتسب القضية أهمية إضافية في ظل الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، وما ترتب عليها من ضغوط على المؤسسات الرقابية، وتزايد الاعتماد على الذهب بوصفه مصدرًا للدخل والعملات الأجنبية، في وقت أصبحت فيه حماية البيئة والصحة العامة تواجه منافسة شديدة مع الاحتياجات الاقتصادية العاجلة.
عندما يتحول الذهب إلى مصدر للتلوث
تعتمد بعض عمليات التعدين الأهلي على استخدام الزئبق لفصل الذهب عن الصخور والرواسب، قبل إعادة معالجة المخلفات بوسائل أخرى قد تتضمن السيانيد. وتزداد المخاطر عندما تُجرى هذه العمليات دون تجهيزات هندسية مناسبة أو وسائل حماية للعاملين أو أنظمة مأمونة للتخلص من النفايات.
فالزئبق مادة سامة يمكن أن تتسبب في أضرار عصبية وكلوية، ويُعد استنشاق أبخرته أحد مسارات التعرض الخطرة، خصوصًا أثناء تسخين ملغم الذهب والزئبق. أما السيانيد، فيشكل خطرًا حادًا إذا أسيء استخدامه أو تسرب إلى البيئة بتركيزات مؤذية.
ولا يقتصر الضرر المحتمل على العمال داخل مواقع التعدين؛ إذ يمكن أن ينتقل التلوث عبر الغبار أو المياه أو المخلفات المنقولة إلى مناطق أخرى، بحسب طبيعة المادة الكيميائية والظروف البيئية.
وتصبح المشكلة أكثر خطورة عندما تُخزن مخلفات التعدين بالقرب من المنازل أو المزارع، أو تُترك في العراء دون عزل مناسب، بما يسمح بانتقال الملوثات إلى البيئة المحيطة.
دراسة علمية تكشف خطورة المخلفات في نهر النيل
قدمت دراسة علمية منشورة عام 2024 في مجلة Sustainability أدلة ميدانية مهمة على طبيعة المخاطر في منطقة دارمالي بولاية نهر النيل.
وفحص الباحثون عينات من التربة ومخلفات التعدين ومصادر المياه، ووجدوا أن مخلفات المعالجة احتوت على تراكيز مرتفعة من الزئبق، مقارنة بالتربة الزراعية والسكنية.
وبلغ وسيط تركيز الزئبق في عينات المخلفات نحو 9.6 ملليغرام لكل كيلوغرام، مقابل 0.057 ملليغرام في التربة الزراعية و0.044 ملليغرام في المناطق السكنية.
وأظهرت الدراسة أن المخلفات تمثل مصدر الخطر الأكبر، مع تسجيل مؤشرات تعرض مقلقة، خصوصًا بالنسبة إلى الأطفال.
لكن الدراسة توصلت أيضًا إلى نتيجة مهمة ينبغي عدم تجاهلها: عينات المياه التي فُحصت كانت دون الحدود المعتمدة في المعايير السودانية، ولم تُظهر التربة السكنية والزراعية مستويات المخاطر الصحية نفسها التي سجلتها المخلفات.
وهذا التمييز ضروري؛ لأنه يثبت وجود تلوث خطير في مواقع محددة، دون أن يقدم دليلًا على تلوث جميع مصادر مياه الشرب أو الأراضي الزراعية في الولاية.
وأوصى الباحثون بإزالة المخلفات الملوثة ومعالجتها، وإجراء تدخلات عاجلة للحد من التعرض لأبخرة الزئبق، مع إعطاء اهتمام خاص للأطفال والمجتمعات المحيطة بمواقع المعالجة.
نفوق الماشية.. إنذار يتجاوز مواقع التعدين
في مايو 2026، حذرت شبكة أطباء السودان من مخاطر بيئية وصحية متزايدة في ولاية نهر النيل، عقب واقعة نفوق أكثر من عشرين رأسًا من الضأن، قالت الشبكة إن معلوماتها الأولية ربطتها بشرب مياه من أحواض معالجة ملوثة بمواد كيميائية مستخدمة في استخلاص الذهب.
وطالبت الشبكة بفتح تحقيق عاجل، وتشديد الرقابة على أحواض المعالجة، ومنع الأنشطة التي تعرض السكان والثروة الحيوانية للخطر. لكن تحديد المادة التي تسببت في النفوق بصورة قاطعة يتطلب نتائج فحوص مخبرية وتقريرًا بيطريًا موثقًا، وليس الاكتفاء بالمعلومات الأولية.
وتكشف هذه الواقعة عن جانب مهم من الأزمة؛ فالتعدين غير المنضبط لا يهدد العاملين فيه وحدهم، بل قد تمتد آثاره إلى المجتمعات الزراعية والرعوية المحيطة.
وفي ولايات تعتمد فيها قطاعات واسعة من السكان على الزراعة وتربية الحيوانات، يمكن لأي تلوث مؤكد لمصادر المياه أو مناطق الرعي أن يتحول إلى خسارة اقتصادية وصحية تتجاوز قيمة الذهب المستخرج.
هل توجد علاقة بين التعدين وانتشار السرطان؟
أثارت التقارير عن ارتفاع الإصابات بالسرطان وأمراض الكلى في بعض مناطق شمال السودان تساؤلات بشأن العلاقة المحتملة بينها وبين التلوث الكيميائي الناجم عن التعدين.
وتستحق هذه المخاوف تحقيقًا علميًا جادًا، لكن من الضروري التمييز بين وجود مواد سامة في البيئة وإثبات تسببها في مرض معين لدى مجموعة سكانية.
فالسرطان، على سبيل المثال، مجموعة أمراض متعددة الأسباب، ولا يمكن نسبة ارتفاع معدلات الإصابة به إلى التعدين دون بيانات وبائية موثوقة تقارن بين السكان المعرضين وغير المعرضين، وتراعي العمر والتدخين والعوامل الوراثية وغيرها.
أما التعرض للزئبق، فتوجد أدلة طبية راسخة على آثاره السامة في الجهاز العصبي والكلى، مع اختلاف المخاطر بحسب شكل الزئبق وجرعة التعرض ومدته.
وقد أضافت دراسة علمية نُشرت في سبتمبر 2026 بعدًا جديدًا لهذا الملف، باستخدام تحليل شعر مجموعة صغيرة من العاملين في التعدين الأهلي بالسودان لرصد عناصر مختلفة، بينها الرصاص والمنغنيز. وشملت الدراسة 18 عامل تعدين و15 شخصًا للمقارنة، ما يجعل نتائجها مفيدة في دراسة التعرض المهني، لكنها غير كافية لتعميم معدلات الإصابة أو مستويات التلوث على جميع عمال التعدين في البلاد.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى برنامج صحي مستقل يتضمن فحوصًا للعاملين والسكان القريبين من مواقع المعالجة، وربط نتائجها بقياسات فعلية للتلوث، بدل الاكتفاء بتقديرات لا تستند إلى عينات ممثلة.
الذهب بين إنقاذ الاقتصاد وتكاليفه الخفية
لا يمكن فصل أزمة التعدين عن الظروف الاقتصادية التي يعيشها السودان.
فقد دفعت الحرب وفقدان الوظائف وتعطل قطاعات الإنتاج أعدادًا كبيرة من المواطنين إلى البحث عن مصادر دخل بديلة، وأصبح التعدين الأهلي خيارًا متاحًا لكثيرين رغم مخاطره.
كما يمثل الذهب مصدرًا مهمًا للعملات الأجنبية، ما يجعل تنظيم القطاع مسألة اقتصادية بالقدر نفسه الذي تعد فيه قضية بيئية.
غير أن العائد المالي لا يقدم صورة كاملة عن التكلفة الحقيقية للإنتاج إذا لم تُحسب نفقات علاج الأمراض المرتبطة بالتعرض المهني، وإزالة المخلفات الملوثة، وإعادة تأهيل الأراضي، وحماية المياه، وتعويض المجتمعات المتضررة.
وقد اتخذ الاتحاد الأوروبي في يوليو 2026 إجراءات تستهدف اقتصاد الحرب السوداني، شملت حظر شراء الذهب السوداني أو استيراده أو نقله، إلى جانب حظر توريد الزئبق والسيانيد إلى السودان. ويعكس القرار ارتباط ملف الذهب بمسائل التمويل والصراع، فضلًا عن استخدام المواد الكيميائية في استخراجه.
لكن معالجة الأزمة البيئية لا تتحقق بمنع المواد الكيميائية وحده؛ إذ قد يؤدي ضعف الرقابة على الأسواق غير الرسمية إلى استمرار استخدامها دون ضوابط، ما لم تتوافر بدائل تقنية آمنة وتنظيم فعلي للقطاع.
أين تبدأ مسؤولية الدولة؟
تتحمل الجهات المختصة مسؤولية وضع معايير واضحة لمواقع التعدين والمعالجة، ومراقبة الالتزام بها، وإلزام المشغلين بإدارة المخلفات بصورة آمنة.
ويجب أن تشمل الإجراءات العاجلة تحديد مواقع المخلفات القريبة من المنازل والمزارع ومصادر المياه، وإجراء فحوص مستقلة للتربة والمياه والهواء، ونشر نتائجها للسكان بشفافية.
كما ينبغي مراجعة تراخيص منشآت المعالجة، والتأكد من وجود أحواض مصممة هندسيًا لمنع التسرب، ووضع آليات لمحاسبة المخالفين وتمويل إعادة تأهيل المواقع المتضررة.
ولا ينبغي أن يتحمل المعدنون الفقراء وحدهم مسؤولية المشكلة، بينما تظل الجهات المستفيدة من شراء الذهب ومعالجة مخلفاته بعيدة عن الرقابة.
فالهدف ليس إنهاء مصدر رزق آلاف الأسر، وإنما منع تحوله إلى نشاط ينقل تكلفته الصحية والبيئية إلى المجتمع.
ما الذي يجب أن يحدث الآن؟
تحتاج ولايات الشمال إلى مسح بيئي وصحي مستقل، يبدأ بالمناطق التي سبق توثيق التلوث فيها، ويعطي الأولوية لمواقع المخلفات المكشوفة والمناطق القريبة من التجمعات السكنية.
كما يتطلب الأمر نشر خريطة للمواقع عالية الخطورة، وإجراء فحوص دورية للعاملين والسكان، وتوفير خدمات صحية قادرة على تشخيص حالات التعرض للمعادن السامة.
ومن الضروري أن تُعلن الجهات المختصة نتائج التحقيقات في حوادث نفوق الحيوانات والتلوث المبلغ عنها، وأن تحدد الإجراءات المتخذة لمعالجة أسبابها.
إن الخطر الأكبر لا يكمن في استخراج الذهب بحد ذاته، بل في استمرار عمليات استخراجه ومعالجته دون ضوابط تحمي الإنسان والبيئة.
وإذا كان الذهب موردًا اقتصاديًا مهمًا للسودان، فإن المياه الصالحة للشرب والأرض الزراعية وصحة السكان موارد لا تقل أهمية، وقد تكون خسارتها أشد كلفة وأطول أثرًا.
والمطلوب اليوم ليس إصدار تحذير جديد فحسب، وإنما الانتقال من الشكاوى والدراسات المتفرقة إلى برنامج وطني قابل للقياس والمساءلة، يحدد مواقع التلوث ويعالجها ويمنع تكرارها.
فالثروة التي تسهم في تمويل الاقتصاد لا ينبغي أن تتحول إلى عبء صحي وبيئي تتحمله الأجيال المقبلة.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات