محررو لقطة AI – 13
19 أكتوبر 2026
أعاد تحقيق صحفي نشرته صحيفة الغارديان البريطانية، الأحد 18 أكتوبر 2026، قضية مقتل معدنين سودانيين في غارات جوية قرب الحدود المصرية إلى واجهة الاهتمام، بعدما قدم شهادات ميدانية جديدة عن عمليات إنقاذ المصابين ودفن الضحايا، وكشف جانبًا من الظروف الاقتصادية والإنسانية التي دفعت آلاف السودانيين إلى العمل في مناطق التعدين الخطرة.
ويأتي التحقيق بعد ثمانية أيام من الهجوم الذي استهدف منطقة جبل العقيدات في العاشر من أكتوبر، وسط استمرار الغموض بشأن العدد النهائي للضحايا والجهة التي نفذت الغارات.
ونقلت الصحيفة عن مجموعة «محامو الطوارئ» الحقوقية أن عدد القتلى بلغ 114 شخصًا على الأقل، وهي حصيلة أعلى من الرقم الأولي البالغ 72 قتيلًا الذي أعلنته المجموعة عقب الهجوم.
ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من الحصيلة الجديدة، كما لم تصدر نتائج رسمية نهائية للتحقيق السوداني في الحادث.
وكان قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان قد أمر بتشكيل لجنة للتحقيق في الواقعة، بينما أقرت السلطات العسكرية المصرية بتنفيذ عمليات ضد التعدين غير القانوني في الصحراء الشرقية، دون أن تعلن مسؤوليتها عن الغارة المحددة التي أودت بحياة المعدنين.
ويكتسب التحقيق الجديد أهميته من شهادات أشخاص شاركوا في التعامل مع آثار القصف، وليس من إعادة نشر الاتهامات السابقة وحدها.
مشاهد من موقع الغارات
تحدث تاجر ذهب سوداني استخدمت الصحيفة اسمًا مستعارًا له، هو «عمار»، عن وصوله إلى موقع التعدين عقب الغارات للمساعدة في إنقاذ المصابين.
وقال إن العمال كانوا قد تركوا أدواتهم وبدأوا عمليات إنقاذ بدائية، مستخدمين البطاطين لنقل الجرحى إلى سيارات صغيرة توجهت بهم نحو البلدات القريبة.
كما تحدث عن شروع بعض الموجودين في حفر قبور للضحايا.
وتعكس هذه الشهادة الظروف الصعبة التي واجهت عمليات الإنقاذ في منطقة صحراوية بعيدة عن المستشفيات ومراكز الطوارئ.
فالمناطق التي ينتشر فيها التعدين الأهلي تفتقر غالبًا إلى خدمات إسعاف قادرة على التعامل مع أعداد كبيرة من المصابين.
وقد تؤدي المسافات الطويلة وصعوبة الطرق إلى تأخر وصول الجرحى إلى الرعاية الطبية.
لكن الشهادة لا تكفي وحدها لتحديد العدد النهائي للضحايا أو نوع الطائرات المستخدمة.
ولهذا تظل الحاجة قائمة إلى توثيق أسماء القتلى والمصابين ومراجعة سجلات المستشفيات وإفادات الناجين.
لماذا يعود المعدنون إلى مناطق الخطر؟
أحد الجوانب المهمة في تحقيق الغارديان يتعلق بالظروف الاقتصادية التي تدفع السودانيين إلى التعدين الأهلي.
فقد أدت الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 إلى تراجع فرص العمل وانهيار أنشطة إنتاجية وتجارية واسعة.
واضطر آلاف الشباب إلى مغادرة مناطقهم الأصلية، خصوصًا دارفور وكردفان، بحثًا عن مصادر دخل تمكنهم من إعالة أسرهم.
وبالنسبة إلى بعض هؤلاء، أصبح التنقيب عن الذهب خيارًا اقتصاديًا اضطراريًا رغم المخاطر.
ونقلت الصحيفة عن مدير مجموعة محامي الطوارئ، محمد صلاح، أن كثيرًا من المعدنين الذين غادروا الموقع عقب الغارات قد يعودون إليه بسبب انعدام البدائل.
وتكشف هذه الإفادة عن مفارقة قاسية؛ فالخطر الذي يدفع العمال إلى الهرب مؤقتًا قد لا يكون كافيًا لمنع عودتهم عندما يصبح التعدين مصدر رزقهم الوحيد.
كما أن العمل في هذه المناطق يرتبط بمخاطر أخرى، بينها استخدام مواد كيميائية خطرة وضعف إجراءات السلامة والاستغلال التجاري.
الذهب بين الاقتصاد والسيادة
لا تقتصر القضية على سلامة العاملين.
فالمناطق الحدودية الغنية بالذهب تمثل جزءًا من شبكة اقتصادية معقدة ترتبط بالتعدين غير المنظم والتجارة العابرة للحدود.
وأشار التحقيق إلى تقديرات بحثية تفيد بمرور نسبة كبيرة من الذهب المستخرج والمهرب من أجزاء من شمال السودان عبر مصر.
وتكشف هذه المعطيات عن أهمية الذهب بالنسبة إلى الاقتصاد السوداني، خصوصًا مع تراجع مصادر الإيرادات الأخرى خلال الحرب.
لكن استمرار التجارة غير المنظمة يثير مشكلات تتعلق بالضرائب والرقابة وحماية الموارد.
كما أن وجود أنشطة تعدين في مناطق حدودية متنازع عليها قد يؤدي إلى احتكاكات بين السلطات والعاملين.
ومع ذلك، فإن مكافحة التعدين غير القانوني لا تعفي أي جهة من الالتزامات المتعلقة بحماية المدنيين.
فإذا ثبت استهداف عمال مدنيين عمدًا أو استخدام قوة غير متناسبة ضدهم، فإن ذلك يثير مسؤوليات قانونية خطيرة تستوجب التحقيق والمحاسبة.
ماذا عن الموقف المصري؟
أعلنت القوات المسلحة المصرية تنفيذ عمليات تستهدف التعدين غير القانوني والتهريب داخل المناطق التي تعتبرها خاضعة لسيادتها.
كما تحدثت عن توزيع منشورات تحذيرية تدعو الموجودين إلى مغادرة مناطق العمليات.
لكن هذه التصريحات لا تحسم مسؤولية القوات المصرية عن الهجوم المحدد في جبل العقيدات.
كما أن وجود منشورات تحذيرية، إذا ثبت، لا يكفي وحده لإثبات قانونية أي هجوم لاحق.
فالتقييم القانوني يحتاج إلى تحديد طبيعة الأهداف والوسائل المستخدمة ومدى الالتزام بقواعد التمييز والتناسب والاحتياطات.
ويزيد تعقيد الملف ارتباطه بالعلاقات السودانية المصرية، خصوصًا أن القاهرة تعد من أبرز الداعمين الإقليميين للجيش السوداني.
ولهذا فإن التحقيق المستقل يمثل ضرورة لحماية الضحايا ومنع تحول القضية إلى أزمة سياسية مفتوحة.
ما الذي تغيّر فعليًا؟
الجديد هو نشر شهادات مباشرة عن عمليات الإنقاذ والدفن، وورود حصيلة حقوقية أعلى للضحايا، مع تقديم تفاصيل عن الظروف المعيشية للمعدنين.
أما المسؤولية النهائية عن الغارات، والحصيلة المؤكدة، فلم تُحسم بعد.
وتبقى الأولوية في معرفة نتائج اللجنة السودانية، والحصول على رد مصري محدد بشأن الغارات، والتحقق من أسماء الضحايا.
إن مأساة جبل العقيدات تكشف وجهًا آخر للحرب السودانية.
فالمواطن الذي فقد عمله وأمنه في مناطق النزاع قد يجد نفسه مضطرًا إلى مواجهة أخطار جديدة بحثًا عن لقمة العيش.
ولهذا فإن حماية المعدنين لا تتعلق بضبط الحدود وحده، وإنما بحماية حق الإنسان في الحياة، وتوفير بدائل اقتصادية، وضمان ألا تتحول مكافحة الأنشطة غير القانونية إلى عمليات يدفع المدنيون ثمنها.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات