لماذا أصبح الهاتف المحمول أهم مؤسسة غير مرئية في السودان ؟
.عبدالرحمن صالح
وليس مقالاً عن الحرب.
وليس مقالاً عن الاقتصاد.
بل هو محاولة للإجابة عن سؤال ربما لم يطرحه أحد من قبل:
ماذا سيحدث لو استيقظ السودانيون غداً واختفى الهاتف المحمول من حياتهم؟
قد يبدو السؤال بسيطاً، لكنه في الحقيقة سؤال ضخم.
فالهاتف لم يعد مجرد هاتف.
لقد تحول إلى دولة كاملة تسكن داخل جيوب الناس.
في صباح يوم عادي، يوقظ الهاتف صاحبه من النوم.
يفتح عليه العالم.
يطمئن من خلاله على أسرته.
يرسل المال.
ويستقبل المال.
يتابع الأخبار.
يشاهد مباراة لكرة القدم.
يقرأ مقالاً.
يحجز رحلة سفر.
ويتلقى رسالة من أحد أفراد أسرته في قارة أخرى.
ثم يعود لينهي يومه وهو يحمل الجهاز نفسه، دون أن ينتبه إلى أنه أصبح يعيش داخل مؤسسة كاملة.
في السودان تحديداً، حدث شيء استثنائي خلال السنوات الأخيرة.
فبينما ضعفت مؤسسات كثيرة، بدأت مؤسسات أخرى تنمو بصمت.
لم تكن حكومات.
ولم تكن أحزاباً.
كانت تطبيقات.
واتساب أصبح مكتباً عائلياً.
والخرائط أصبحت دليلاً للحياة.
والتطبيقات البنكية أصبحت مصرفاً متنقلاً.
ومجموعات الأحياء تحولت إلى مجالس اجتماعية صغيرة.
أما الهواتف المحمولة، فأصبحت أرشيفاً شخصياً يحمل ذاكرة الناس وصورهم وأرقامهم وعلاقاتهم وأحلامهم.
ربما لهذا السبب لم يعد السؤال الحقيقي هو: كم عدد مستخدمي الهواتف في السودان؟
بل أصبح السؤال:
كم جزءاً انتقل من عالمنا الحقيقي إلى العالم الافتراضي الذي نعيشه يومياً؟
هناك تحول هائل يحدث أمام أعيننا دون أن ننتبه إليه.
فالسودان الذي نعرفه لم يعد يعيش فقط في الشوارع والأسواق والبيوت، بل أصبح يعيش أيضاً داخل فضاء رقمي جديد يتشكل كل يوم.
لم تعد الهواتف مجرد أجهزة نحملها معنا، بل أصبحت امتداداً لحياتنا وذاكرتنا وعلاقاتنا اليومية.
هذه ليست نهاية المجتمع كما عرفناه.
بل بداية مجتمع جديد يتشكل بصمت.
مجتمع لا تقوده المباني وحدها، بل الشبكات التي تربط البشر ببعضهم البعض أينما كانوا.
وربما بعد سنوات طويلة، سيكتشف المؤرخون شيئاً مدهشاً.
أن الحرب لم تغيّر الخرائط فقط.
بل غيّرت الطريقة التي يعيش بها الناس أنفسهم.
وقد يكون الهاتف المحمول هو أهم شاهد على هذه القصة.
لكن السؤال الأكبر الذي سيبقى مفتوحاً هو:
إذا كانت هناك دولة كاملة تسكن داخل جيوبنا، فمن الذي يكتب قوانينها اليوم



إرسال التعليق