محررو لقطة 7
23 أكتوبر 2026
تكشف مقارنة صور الأقمار الاصطناعية لمدن ومناطق ريفية في شرق وجنوب دارفور عن تراجع واضح في كثافة الغطاء النباتي خلال أكتوبر الجاري، في مؤشر يثير القلق على المحاصيل والمراعي ومصادر دخل السكان، وسط موسم أمطار ضعيف وحرب تقيد قدرة المجتمعات على مواجهة آثار الجفاف.
وقارنت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة صوراً التقطها القمر الأوروبي «سنتينال-2» في أكتوبر 2025 بصور من الشهر نفسه هذا العام، مستخدمة مؤشر الغطاء النباتي المعروف اختصاراً بـ«NDVI»، الذي يساعد على رصد كثافة اخضرار النباتات وحيويتها. وأظهرت المقارنة انخفاض قيم المؤشر واتساع المساحات ذات النشاط النباتي الضعيف حول مدينة الضعين، وفي أراضٍ زراعية وأودية شمال غربها، وكذلك في محيط مدينة برام والقرى المجاورة لها بولاية جنوب دارفور.
ولا تعني هذه المؤشرات الفضائية وحدها أن كل مساحة فقدت غطاءها النباتي أو أن المحاصيل تلفت بالكامل؛ فهي ترصد تغيراً في درجة الاخضرار والنشاط النباتي، وتحتاج قراءتها إلى ربطها بمشاهدات ميدانية وبيانات الأمطار والزراعة. لكن تزامنها مع شهادات من مناطق متضررة وتقارير عن نقص الأمطار يمنحها دلالة مقلقة على اتساع الإجهاد المائي الذي يواجه الأرض في الإقليم.
وتبرز الضعين في قلب المشهد. فصور منتصف أكتوبر 2025 أظهرت محيط المدينة بلون أخضر أكثر كثافة، شمل أراضي زراعية ومراعي قريبة، بينما سجلت صور منتصف أكتوبر هذا العام تراجعاً في المؤشر واتساعاً للمناطق الأقل نشاطاً نباتياً. وظهرت مؤشرات مشابهة على امتداد الأودية والأراضي الزراعية شمال غرب المدينة، ثم في مناطق ريفية حول برام، ما يوحي بأن الضغوط لا تقتصر على نقطة واحدة.
ويتزامن ذلك مع تقارير دولية عن موسم أمطار دون المعدلات المعتادة في مناطق زراعية سودانية. وأشارت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة إلى أن نقص الأمطار خلال الفترة من يونيو إلى سبتمبر أثر في إنبات المحاصيل واستقرار نموها، مع التنبيه إلى أن هذه البيانات تصف اتجاهاً عاماً ولا تقدم قياساً خاصاً بمدينة الضعين. كما حذرت شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة من أن ضعف الأمطار والصراع يهددان الإنتاج الزراعي في موسم 2026-2027، وقد يزيدان تراجع الإنتاج في مناطق من بينها شرق دارفور.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتفاعل فيه آثار الجفاف مع الحرب والنزوح وارتفاع أسعار الغذاء. وقال التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي إن الجفاف المرتبط بظاهرة «النينيو» يؤثر في نحو نصف السودان، ويضاعف آثار النزاع والنزوح عبر تقليص توافر الغذاء ورفع الأسعار والإضرار بسبل كسب العيش. كما أفاد بأن ضعف نمو الغطاء النباتي يطال قرابة ثلثي الأراضي الزراعية في شمال دارفور ونحو نصفها في جنوب دارفور وغرب كردفان وجنوب كردفان.
وتزيد خطورة ذلك في دارفور لأن الزراعة والرعي يرتبطان مباشرة بقدرة الأسر على توفير الغذاء والدخل. فتراجع المحاصيل قد يحرم المزارعين من محصول يعتمدون عليه للاستهلاك أو البيع، بينما يؤدي ضعف المراعي وشح المياه إلى زيادة الضغط على قطعان الرعاة، ورفع الحاجة إلى شراء الأعلاف أو التنقل بحثاً عن الماء والكلأ. ومع تدهور القدرة الشرائية وتعطل الأسواق بفعل القتال، يصبح أي نقص في الإنتاج أكثر صعوبة على الأسر التي لا تملك مخزوناً أو مصادر دخل بديلة.
ولا يمكن عزل ما ترصده الصور عن سياق التدهور البيئي الأوسع. فدارفور تواجه أيضاً قطعاً للأشجار واستخداماً متزايداً للحطب والفحم في ظل نقص بدائل الطاقة والضغوط الاقتصادية التي خلقتها الحرب. وقد حذر خبراء بيئة، في تقرير نشرته «دارفور24»، من أن إزالة الأشجار تضعف التربة والمراعي وتفاقم آثار الجفاف، فيما يفاقم النزوح وغياب الرقابة الضغط على الغابات والموارد الطبيعية.
وتكمن أهمية الرصد الفضائي في أنه يوفر وسيلة لمتابعة مناطق يصعب الوصول إليها ميدانياً، ويساعد على تحديد مواقع الخطر ومقارنة التغيرات من موسم إلى آخر. لكنه لا يعوض مسح المحاصيل على الأرض، ولا يحدد بمفرده أسباب التراجع في كل منطقة؛ إذ تتداخل قلة الأمطار ودرجات الحرارة واستخدام الأراضي والقطع الجائر للأشجار مع آثار النزاع.
وتتطلب الاستجابة العاجلة جمع بيانات ميدانية عن المحاصيل والمياه والمراعي، وتوفير دعم زراعي وغذائي للمناطق الأشد تضرراً، وضمان وصول المساعدات إلى السكان دون عوائق. كما تحتاج السلطات والجهات الإنسانية إلى نشر معلومات دورية عن حجم الأضرار والتدابير المتخذة، كي لا تتحول إشارات الجفاف التي تظهر من الفضاء إلى أزمة غذاء أوسع قبل وصول الدعم.
في دارفور، لا يقف تراجع الاخضرار عند حدود تغير لون الصور؛ فهو إنذار مبكر يمس الزراعة والرعي والغذاء، وتزداد كلفته حين تجتمع قلة المطر مع النزوح والقتال وضيق سبل العيش. وتؤكد المقارنة بين صور عامين متتاليين ضرورة متابعة الموسم على الأرض، وحماية ما تبقى من الموارد الطبيعية، والتحرك قبل أن تتسع فجوة الغذاء والماء.
محررو لقطة 7
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات