محررو لقطة AI
24 أكتوبر 2026
دخلت العلاقة بين السلطات السودانية والمؤسسات الصحفية مرحلة جديدة من التوتر، الجمعة 23 أكتوبر 2026، بعدما أعلنت نقابة الصحفيين السودانيين رفضها التعديلات المتعلقة بالمادة 51 من القانون الجنائي لسنة 1991، محذرة من أن إدراج النشر عبر الوسائط الإعلامية والإلكترونية ضمن الأفعال المرتبطة بإثارة الحرب ضد الدولة قد يفتح الباب أمام ملاحقة الصحفيين والناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان بعقوبات تصل إلى الإعدام أو السجن المؤبد.
ولم تقتصر اعتراضات النقابة على النص الجنائي، وإنما شملت قرار تشكيل آلية وطنية لمكافحة جرائم المعلوماتية، وسط مخاوف من منحها صلاحيات واسعة لمراقبة المؤسسات الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي.
وتكتسب القضية أهميتها من طبيعة المادة القانونية التي يجري تعديلها، ومن الظروف الاستثنائية التي يعيشها السودان منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، حيث أصبحت المنصات الرقمية إحدى الوسائل الأساسية لنقل الأخبار وتوثيق الانتهاكات بعد انهيار قطاعات واسعة من المؤسسات الإعلامية التقليدية.
وبحسب ما أوردته صحيفة سودان تربيون، فإن التعديل محل الاعتراض يتضمن إضافة عبارة تشمل النشر عبر الوسائط الإعلامية والإلكترونية إلى المادة المتعلقة بإثارة الحرب ضد الدولة.
وترى نقابة الصحفيين أن هذه الصياغة قد تسمح بتوسيع نطاق التجريم ليشمل العمل الصحفي المشروع، بما في ذلك التحقيقات والتقارير المتعلقة بالعمليات العسكرية والانتهاكات والقرارات الحكومية.
لكن وزير العدل عبد الله درف رفض هذه المخاوف، مؤكدًا أن التعديل يستهدف الأشخاص الذين يستخدمون النشر الإعلامي والإلكتروني لتقديم الدعم العلني للجهات التي تشن الحرب ضد الدولة، وليس الصحفيين الذين يمارسون عملهم المهني.
الخلاف يتجاوز حرية التعبير إلى تعريف الجريمة
تتمثل المشكلة القانونية الأساسية في تحديد الحدود الفاصلة بين التعبير عن الرأي أو نقل المعلومات وبين تقديم دعم فعلي لطرف مسلح.
فقد ينشر صحفي تقريرًا يتضمن تصريحات لقائد عسكري، أو يوثق انتهاكات ارتكبتها قوات نظامية، أو ينقل شهادات من مناطق تسيطر عليها قوات الدعم السريع.
وهذه الأنشطة تدخل في نطاق العمل الصحفي متى التزمت بالمعايير المهنية والقانونية.
لكن الصياغات الجنائية الواسعة قد تثير مخاوف من تفسير بعض هذه الممارسات باعتبارها دعمًا لجهة مسلحة أو إضرارًا بأمن الدولة.
وهنا تظهر أهمية النصوص القانونية الدقيقة التي تحدد الفعل المجرّم وأركانه، وتمنع الخلط بين التغطية الصحفية والمشاركة الفعلية في الأنشطة العسكرية.
كما أن العقوبات المرتبطة بالمادة 51 تجعل المسألة أكثر خطورة.
فالقانون الجنائي الذي يتضمن عقوبات شديدة يحتاج إلى تعريفات واضحة وضمانات إجرائية صارمة، حتى لا يتحول اختلاف التفسير إلى وسيلة لمعاقبة التعبير السلمي أو النقد السياسي.
وزارة العدل تقدم رواية مختلفة
في المقابل، أوضح وزير العدل أن التعديل يتعلق بالمادة 51 الخاصة بإثارة الحرب ضد الدولة، وليس بالمادة 50 المتعلقة بتقويض النظام الدستوري.
وقال إن الغرض من إضافة النشر الإعلامي والإلكتروني هو التعامل مع أشكال الدعم العلني للجماعات التي تخوض الحرب ضد الدولة.
كما أشار إلى أن وزارة العدل لا تمارس سلطة التشريع بصورة منفردة، وأن النصوص تمر بمراحل مراجعة مؤسسية.
لكن تقارير صحفية أخرى تحدثت عن نشر تعديلات في الجريدة الرسمية، ما يثير تساؤلًا بشأن الوضع التشريعي الدقيق للنص محل الخلاف.
ولذلك فإن إحدى الأولويات العاجلة تتمثل في الحصول على النسخة الرسمية الكاملة للتعديل، وتحديد تاريخ نفاذه والجهة التي اعتمدته، بدلًا من الاكتفاء بالتصريحات المتعارضة.
فمعرفة ما إذا كان النص مشروعًا قيد المراجعة أو تعديلًا نافذًا بالفعل ليست مسألة شكلية، وإنما تحدد الحقوق والالتزامات القانونية المترتبة عليه.
محامو الطوارئ يحذرون من توسع الملاحقات
انضمت مجموعة محامو الطوارئ إلى الأصوات المعترضة على التعديل، معتبرة أنه يوسع نطاق التجريم بصورة قد تسمح بملاحقة الأفراد بسبب ما ينشرونه أو يعيدون نشره عبر الإنترنت.
وحذرت المجموعة من احتمال استخدام النص ضد الصحفيين والناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان، خصوصًا عند نشر معلومات تتعلق بالانتهاكات أو انتقاد السلطات.
كما ربطت اعتراضها بمخاوف أوسع تتعلق بالمحاكمات المرتبطة باتهامات التعاون مع قوات الدعم السريع، وما تثيره من أسئلة بشأن ضمانات العدالة.
ولا تعني هذه الاعتراضات أن كل ملاحقة جنائية بموجب المادة ستكون بالضرورة غير مشروعة.
لكنها تكشف الحاجة إلى ضمانات تمنع استخدام النصوص الأمنية ضد الأشخاص بسبب آرائهم أو أنشطتهم الصحفية السلمية.
آلية مكافحة المعلوماتية أمام اختبار الصلاحيات
تثير الآلية الوطنية الجديدة مخاوف منفصلة عن التعديل الجنائي.
فمكافحة الجرائم الإلكترونية هدف مشروع، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالاحتيال والابتزاز والاختراقات وانتهاك الخصوصية.
لكن تنظيم هذا المجال يتطلب تحديد صلاحيات الجهات المختصة، وآليات الرقابة القضائية على إجراءاتها، والحدود القانونية لجمع المعلومات ومراقبة الحسابات.
وتخشى نقابة الصحفيين أن تتحول الآلية إلى جهة تراقب المحتوى الإعلامي، أو تتدخل في العمل التحريري تحت عناوين واسعة تتعلق بالأمن العام.
وتزداد حساسية هذه المخاوف في السودان، حيث تعتمد مؤسسات إعلامية عديدة على النشر الإلكتروني للوصول إلى الجمهور داخل البلاد وخارجها.
فأي قيود غير محددة على المحتوى قد تؤثر في قدرة الصحفيين على نقل المعلومات من مناطق الحرب، أو نشر التحقيقات المتعلقة بالفساد والانتهاكات.
الصحافة بين الحرب والرقابة
لم تبدأ أزمة الصحافة السودانية مع التعديل الجديد.
فمنذ اندلاع الحرب، تعرض صحفيون للقتل والاعتقال والتهديد والنزوح، بينما توقفت مؤسسات إعلامية عديدة عن العمل.
كما أدت الانقسامات السياسية والعسكرية إلى انتشار حملات التضليل والمعلومات غير الموثوقة.
وفي هذه البيئة، تصبح الصحافة المستقلة ضرورة لحماية حق المواطنين في المعرفة، وليس مجرد نشاط مهني يمكن الاستغناء عنه.
فغياب المعلومات الموثوقة يترك المجال للشائعات والدعاية العسكرية، ويصعب معه التحقق من مصير المدنيين وحجم الانتهاكات والاحتياجات الإنسانية.
كما أن الرقابة الذاتية قد تدفع الصحفيين إلى تجنب ملفات حساسة، حتى عندما تكون ذات أهمية عامة واضحة.
ما الذي ينبغي متابعته؟
ستكون الأولوية خلال الأيام المقبلة للحصول على النص الرسمي للتعديل، والتحقق من وضعه القانوني، وتحديد الضمانات التي تمنع استخدامه ضد العمل الصحفي المشروع.
كما ينبغي متابعة صلاحيات الآلية الوطنية لمكافحة جرائم المعلوماتية، وما إذا كانت ستخضع لرقابة قضائية مستقلة.
وسيكون من المهم أيضًا معرفة ما إذا كانت السلطات ستفتح حوارًا مع نقابة الصحفيين والمنظمات الحقوقية بشأن الاعتراضات المثارة.
إن الخلاف الحالي لا يتعلق بحق الدولة في حماية أمنها، فهذا الحق لا خلاف على أصله، وإنما يتعلق بالوسائل القانونية المستخدمة لتحقيقه.
فحماية الأمن لا ينبغي أن تؤدي إلى تجريم نقل المعلومات أو توثيق الانتهاكات أو ممارسة النقد السلمي.
كما أن حرية الصحافة لا تمنح حصانة لمن يرتكب جرائم فعلية، لكنها تقتضي عدم معاقبة الصحفي لمجرد نشر معلومات لا ترضي السلطات.
وبين المخاوف النقابية والتبريرات الحكومية، يبقى الاختبار الحقيقي في وضوح القانون وضمانات تطبيقه واستقلال القضاء.
فالدولة التي تسعى إلى استعادة مؤسساتها بعد الحرب تحتاج إلى صحافة مستقلة تكشف الأخطاء وتراقب السلطة، بقدر حاجتها إلى أجهزة أمنية تحمي المواطنين.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات