محررو لقطة AI
24 أكتوبر 2026
كشف تحقيق صحفي جديد نشرته وكالة رويترز، الجمعة 23 أكتوبر 2026، عن تفاصيل تتعلق بشبكات نقل الوقود إلى قوات الدعم السريع عبر منطقة أبيي المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان، في تطور يسلط الضوء على جانب من اقتصاد الحرب الذي يغذي استمرار العمليات العسكرية، ويثير تساؤلات بشأن دور المعابر التجارية والسلطات المحلية في تسهيل حركة الإمدادات عبر الحدود.
واستند التحقيق إلى إفادات خمسة دبلوماسيين ومحللين يتابعون الحرب السودانية، قالوا إن سوق أميت في أبيي يمثل محطة معروفة ضمن شبكة لنقل الوقود إلى قوات الدعم السريع التي تقاتل الجيش السوداني منذ أبريل 2023.
وبحسب المصادر، تصل كميات من الوقود المستورد إلى جنوب السودان، ثم تنتقل عبر أبيي، حيث تتولى شبكات مرتبطة بالدعم السريع جمعها وإعادة نقلها في شحنات أصغر إلى مناطق داخل السودان.
وتكتسب المعلومات أهمية خاصة لأنها تقدم تفسيرًا محتملًا للدور اللوجستي الذي تؤديه المنطقة الحدودية، بعد الهجوم بطائرة مسيّرة على سوق أميت في 19 أكتوبر الجاري، والذي أدى إلى مقتل أكثر من 150 شخصًا، وفق السلطات المحلية.
لكن التحقيق لم يثبت بصورة مستقلة هوية الجهة التي نفذت الهجوم، كما لم يقدم أدلة قاطعة تحدد المسؤولية القانونية للأشخاص المتورطين في شبكات نقل الوقود.
سوق تجاري يتحول إلى عقدة في اقتصاد الحرب
يقع سوق أميت في منطقة أبيي، التي ظلت محل نزاع بين السودان وجنوب السودان منذ انفصال الأخير عام 2011.
وعلى مدى سنوات، أدى السوق دورًا اقتصاديًا مهمًا في حركة التجارة بين المجتمعات المحلية، خصوصًا في الوقود والمواد الغذائية والسلع الاستهلاكية.
لكن الحرب السودانية أضافت إلى هذه الحركة التجارية أبعادًا أمنية وعسكرية جديدة.
فبحسب الدبلوماسيين والمحللين الذين تحدثوا إلى رويترز، أصبح السوق محطة ضمن مسارات الإمداد التي تستخدمها شبكات مرتبطة بقوات الدعم السريع.
ويقول أحد المصادر الدبلوماسية إن الهجوم الأخير استهدف، على ما يبدو، منشآت لتخزين الوقود وشاحنة يُشتبه في أنها كانت تنقل إمدادات إلى تلك القوات.
وتحدثت المصادر أيضًا عن تسهيل مسؤولين في جنوب السودان استيراد الوقود وعبوره إلى الشبكات المرتبطة بالدعم السريع.
لكن وزارة الخارجية في جنوب السودان لم تقدم ردًا على طلب الوكالة التعليق على هذه الاتهامات عند إعداد التحقيق.
ومن الضروري التمييز هنا بين وجود تجارة وقود عبر الحدود، وهو نشاط قد يكون مشروعًا في الأصل، وبين إثبات تحويل شحنات محددة إلى استخدام عسكري.
فإثبات المسؤولية عن تسهيل الإمداد العسكري يتطلب تحديد الشحنات والجهات المستفيدة وطبيعة المعاملات والوسطاء المشاركين فيها.
شهادات تكشف تعقيدات الواقع
نقلت رويترز عن عوض عشام الأمين، وهو سوداني لجأ إلى أبيي هربًا من الحرب، أنه أصيب بشظايا في يده وساقه خلال الهجوم على السوق.
وكان الأمين يعمل في تفريغ الوقود ونقل البضائع بعربة يدوية لكسب رزقه.
وتكشف شهادته أن السوق لم يكن مجرد محطة تجارية، بل مصدر معيشة لآلاف الأشخاص الذين اضطر بعضهم إلى الفرار من مناطق القتال داخل السودان.
وقال الأمين إن مقاتلي الدعم السريع لم يكونوا موجودين في السوق وقت الهجوم، لكنه أشار إلى أنهم كانوا يزورون المنطقة من حين إلى آخر.
وفي السياق نفسه، أقر شول دينق شول، رئيس الغرفة التجارية في أبيي، بأن قوات الدعم السريع تستخدم السوق للحصول على الوقود اللازم لعملياتها في كردفان ودارفور.
لكنه قال إن عناصر تلك القوات لم يكونوا موجودين في السوق يوم الهجوم.
وأضاف أن عشر ناقلات وقود دُمرت خلال الضربة.
وتكتسب هذه الإفادات أهمية لأنها تجمع بين الاعتراف باستخدام السوق ضمن شبكات الإمداد، والتأكيد على غياب المقاتلين عنه وقت الهجوم، بحسب الشهود.
ولا يكفي وجود إمدادات قد تُستخدم عسكريًا للحكم تلقائيًا بمشروعية استهداف سوق مزدحم بالمدنيين.
فالقانون الدولي الإنساني يفرض التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، ويحظر الهجمات غير المتناسبة، ويلزم الأطراف المتحاربة باتخاذ الاحتياطات الممكنة لتجنب الخسائر بين المدنيين.
الخرطوم تنفي وجوبا تراجع ملابسات الهجوم
في أول تعليق رسمي أوردته رويترز بشأن الحادث، نفت الحكومة السودانية مساء الخميس أي صلة لها بالهجوم على سوق أميت.
وكان مسؤولون في أبيي قد اتهموا الجيش السوداني بتنفيذ الضربة، كما استدعت حكومة جنوب السودان السفير السوداني احتجاجًا على الحادث.
لكن المتحدثة باسم وزارة الخارجية في جنوب السودان، أبوك أيويل مايين، قالت الجمعة إن ملابسات الهجوم، بما فيها أي ارتباط محتمل بوجود قوات الدعم السريع في أبيي، لم تتضح بعد.
ويعكس هذا الموقف استمرار الغموض بشأن المسؤولية المباشرة عن الضربة.
أما الإدارة الموازية المرتبطة بقوات الدعم السريع، فقد دعت إلى إجراء تحقيق أممي، دون أن تقدم في ردها الذي نقلته رويترز تعليقًا على وجود عناصرها في أبيي.
وتؤكد هذه المواقف ضرورة إجراء تحقيق مستقل يستطيع تحديد طبيعة الأهداف التي ضُربت، والجهة المنفذة، وعدد الضحايا المدنيين، ومدى الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني.
تحذيرات أممية سبقت الهجوم
لم يكن الحديث عن وجود قوات الدعم السريع في أبيي جديدًا بالكامل.
فقد سبق لقوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي أن حذرت من إقامة نقاط تفتيش تابعة للدعم السريع في المنطقة، ومن تأثير وجود تلك القوات في تدهور الأوضاع الأمنية.
وتشير هذه التحذيرات إلى أن المخاطر المرتبطة بامتداد الحرب السودانية إلى أبيي كانت معروفة قبل الهجوم الأخير.
كما تقدر الأمم المتحدة أن نحو 25 ألف شخص فروا من الحرب السودانية إلى أبيي منذ أبريل 2023.
ويعني ذلك أن المنطقة أصبحت تستضيف نازحين ولاجئين يعتمدون على الأسواق والخدمات المحلية، في وقت تتزايد فيه المخاطر الأمنية المحيطة بهم.
ومن شأن تدمير سوق رئيسي أن يؤدي إلى فقدان فرص العمل وتعطيل الإمدادات التجارية وارتفاع تكاليف المعيشة، حتى بالنسبة إلى السكان الذين لم يصابوا مباشرة في الهجوم.
اقتصاد الحرب يتجاوز الحدود السياسية
تكشف المعلومات الجديدة جانبًا مهمًا من طبيعة الحرب السودانية.
فاستمرار العمليات العسكرية لا يعتمد فقط على السيطرة على المدن والمواقع الاستراتيجية، وإنما يحتاج أيضًا إلى شبكات لنقل الوقود والذخائر والمعدات والمواد الأساسية.
وقد تمتد هذه الشبكات عبر دول مجاورة، مستفيدة من المعابر التجارية والطرق غير الرسمية والعلاقات الاقتصادية القائمة قبل الحرب.
ويصبح الوقود عنصرًا حاسمًا في تشغيل المركبات العسكرية والمولدات ووسائل النقل المستخدمة في العمليات.
لكن تعطيل شبكات الإمداد لا يبرر استهداف المدنيين أو الأسواق دون الالتزام الصارم بقواعد الحرب.
كما أن وجود أنشطة تجارية مختلطة، مدنية وعسكرية، يزيد صعوبة تحديد الأهداف بصورة قانونية ودقيقة.
وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج تحول المناطق الحدودية إلى مراكز لإمداد الأطراف المسلحة: فقد تصبح المجتمعات المحلية التي تعتمد على التجارة معرضة لخطر الهجمات، حتى عندما لا تشارك في القتال.
جنوب السودان أمام اختبار الحياد
قال رئيس جنوب السودان سلفاكير ميارديت إن أبيي يجب ألا تتحول إلى ساحة للحرب السودانية.
ويأتي موقفه في وقت تواجه فيه جوبا ضغوطًا سياسية وأمنية بسبب قرب المنطقة من خطوط الإمداد والقتال.
وتؤكد حكومة جنوب السودان رسميًا أنها لا تنحاز إلى أي طرف في الحرب السودانية.
لكن الاتهامات المتعلقة بتسهيل نقل الوقود تفرض ضرورة توضيح طبيعة الرقابة على حركة الشحنات والمعابر، والتحقيق في أي مشاركة محتملة لمسؤولين في أنشطة تدعم العمليات العسكرية.
ولا يمكن اعتبار الاتهامات الموجهة إلى مسؤولين دليلًا على وجود سياسة حكومية رسمية لدعم قوات الدعم السريع.
لكن تجاهلها قد يترك الباب مفتوحًا أمام استمرار استخدام الأراضي الحدودية في أنشطة تزيد تعقيد النزاع.
ما الذي ينبغي متابعته؟
تتمثل الخطوة الأكثر أهمية في إجراء تحقيق مستقل بشأن الهجوم على سوق أميت، بالتوازي مع مراجعة المعلومات المتعلقة بشبكات نقل الوقود.
كما ينبغي متابعة موقف حكومة جنوب السودان من الاتهامات التي أوردها تحقيق رويترز، وما إذا كانت ستعلن إجراءات للتحقق من حركة الإمدادات عبر أبيي.
وسيكون من المهم أيضًا معرفة ما إذا كانت الأمم المتحدة ستوسع مراقبتها الأمنية للمنطقة، خصوصًا في ظل وجود النازحين واستمرار التوتر بين الأطراف المسلحة.
إن القيمة الأساسية للتحقيق الجديد لا تكمن في إعادة سرد مأساة سوق أميت، وإنما في الكشف عن شبكة مصالح وإمدادات قد تساعد على تفسير كيفية استمرار الحرب واتساع نطاقها.
فالحروب الحديثة لا تُدار بالسلاح وحده، وإنما تتحرك خلفها منظومات مالية وتجارية ولوجستية قد تمتد إلى دول لا تشارك رسميًا في القتال.
وإذا لم تُعالج هذه الشبكات وفق القانون، مع حماية التجارة المدنية المشروعة، فقد تستمر الحرب في تهديد المجتمعات الحدودية وتحويل الأسواق إلى ساحات جديدة للخطر.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات