محررو لقطة AI
24 أكتوبر 2026
دخل ملف إعادة مقر محكمة عدل السوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا «الكوميسا» إلى العاصمة السودانية الخرطوم مرحلة جديدة، بعدما بحث رئيس الوزراء كامل إدريس مع الأمينة العامة للمنظمة، تشيليشي مبوندو كابويبوي، الترتيبات التنفيذية والاحتياجات الفنية واللوجستية اللازمة لاستئناف عمل المحكمة من مقرها الدائم في السودان.
وجاءت المباحثات على هامش القمة الخامسة والعشرين لرؤساء دول وحكومات الكوميسا، التي انعقدت في العاصمة الزيمبابوية هراري يوم الخميس 22 أكتوبر 2026، بمشاركة وفد سوداني ضم وزير الخارجية والتعاون الدولي محيي الدين سالم وعددًا من كبار المسؤولين.
وبحسب بيان رسمي صادر عن الحكومة السودانية، ناقش الاجتماع الإجراءات العملية المتعلقة بعودة المحكمة إلى الخرطوم خلال الفترة المقبلة، باعتبارها إحدى المؤسسات القانونية الإقليمية التي اضطرت إلى نقل عملياتها بسبب الحرب.
لكن البيان لم يحدد موعدًا نهائيًا لعودة المحكمة، ولم يعلن اكتمال الترتيبات المتعلقة بالمباني والموظفين والأمن والتجهيزات الفنية.
ويعني ذلك أن التطور يمثل تقدمًا في المشاورات التنفيذية، وليس إعلانًا عن استئناف المحكمة أعمالها بالفعل من الخرطوم.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية سياسية وقانونية خاصة، لأنها تتعلق بمؤسسة قضائية إقليمية تتمتع باختصاصات تتجاوز الحدود الوطنية، وتضطلع بتفسير معاهدة الكوميسا والفصل في المنازعات المتعلقة بتطبيقها.
فعودة المحكمة، إذا اكتملت، قد تمثل مؤشرًا على استعادة جزء من النشاط المؤسسي الدولي الذي فقدته الخرطوم منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
غير أن دلالات العودة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها شهادة نهائية باستقرار الأوضاع الأمنية في السودان، خصوصًا مع استمرار العمليات العسكرية في دارفور وكردفان ومناطق أخرى.
من الخرطوم إلى لوساكا
لم تكن محكمة الكوميسا مؤسسة وافدة حديثًا إلى السودان.
فقد اختار قادة المنظمة الخرطوم مقرًا دائمًا لها في عام 2003، وانتقلت المحكمة إلى السودان عام 2005، قبل أن تغادر إلى لوساكا بسبب صعوبات تشغيلية في عام 2007.
وعادت المحكمة إلى الخرطوم عام 2014، حيث استأنفت نشاطها من مقرها الدائم.
لكن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 عطلت عمليات المحكمة وأثرت في سلامة موظفيها ومرافقها.
وفي سبتمبر من العام نفسه، وافق وزراء العدل والمدعون العامون بدول الكوميسا على نقل عمليات سجل المحكمة مؤقتًا إلى لوساكا في زامبيا.
وأكدت المنظمة آنذاك أن الإجراء يهدف إلى ضمان استمرار العمل القضائي في ظل تعذر ممارسة الأنشطة المعتادة داخل الخرطوم.
ولم يكن النقل إلغاءً لقرار اعتماد العاصمة السودانية مقرًا دائمًا، وإنما إجراءً استثنائيًا فرضته الظروف الأمنية.
وهنا تكمن أهمية المشاورات الحالية.
فالسودان لا يسعى إلى الحصول على مقر جديد لمؤسسة إقليمية، وإنما إلى استعادة مؤسسة كان يستضيفها بالفعل قبل أن تؤدي الحرب إلى تعطيل وجودها.
العقبات التي لا تحسمها التصريحات
رغم التفاؤل الذي عكسته البيانات الحكومية، فإن إعادة المحكمة تحتاج إلى معالجة مسائل عملية معقدة.
فالمؤسسة القضائية لا تستطيع استئناف عملها بمجرد إعلان سياسي.
إذ يتطلب الأمر تأمين مقر مناسب، واستعادة الوثائق والأصول، وتوفير الخدمات الأساسية، وضمان قدرة القضاة والموظفين والمحامين والمتقاضين على الوصول إليه.
كما تحتاج المحكمة إلى بيئة تسمح بممارسة اختصاصاتها بصورة مستقلة ومنتظمة.
وكانت المحكمة قد كشفت في سبتمبر 2026 عن اجتماع مع القائم بالأعمال السوداني، ناقش خلاله الطرفان الأضرار التي لحقت بالمؤسسة وموظفيها بسبب الحرب.
وتضمن الاجتماع مقترحًا لتشكيل لجنة مشتركة تتولى تقييم تكاليف إصلاح المباني وحصر الممتلكات ومعالجة أوضاع العاملين.
وأقر الجانب السوداني خلال ذلك الاجتماع بصعوبة الظروف التي لا تزال تواجه البلاد.
ولهذا فإن التطور الجديد ينبغي تقييمه في ضوء ما تحقق فعليًا من هذه الترتيبات، وليس باعتباره نهاية تلقائية للمشكلات السابقة.
قمة هراري تمنح السودان دعمًا سياسيًا
لم تقتصر نتائج مشاركة السودان في القمة على ملف المحكمة.
فقد أعلنت الحكومة السودانية أن قادة الكوميسا اعتمدوا توصيات تتعلق بدعم الاستقرار السياسي والأمني في السودان، والمحافظة على وحدة أراضيه، ومساندة المبادرات الرامية إلى إنهاء النزاع.
كما شملت القرارات معالجة ملف المتأخرات المالية المستحقة على السودان للمنظمة، مراعاةً للظروف الاقتصادية والسياسية التي تمر بها البلاد.
وطالب رئيس الوزراء كامل إدريس الدول الأعضاء بتقديم دعم فني واقتصادي ولوجستي لإعادة الإعمار، معتبرًا أن استقرار السودان يرتبط بصورة مباشرة باستقرار اقتصادات شرق أفريقيا وجنوبها.
وفي الاجتماع الوزاري الذي سبق القمة، دعا وزير الخارجية السوداني إلى موقف إقليمي أكثر وضوحًا تجاه قوات الدعم السريع، وإلى تعزيز التعاون في مواجهة الجماعات المسلحة ووقف الدعم العسكري الخارجي لها.
ووفق تقرير نشرته صحيفة «إيستلي فويس» الكينية يوم الجمعة، تضمنت توصيات المجلس الوزاري تأكيد سيادة السودان ووحدة أراضيه، ورفض تقديم الدعم العسكري والمالي الخارجي للجماعات المسلحة.
لكن هذه المواقف لا تعني أن الكوميسا أقرت عقوبات جديدة محددة، أو أن الدول الأعضاء اتفقت على إجراءات تنفيذية ملزمة لوقف تدفق السلاح.
فالانتقال من البيانات السياسية إلى الإجراءات العملية يحتاج إلى قرارات وآليات واضحة.
هل تتحول العودة إلى فرصة اقتصادية؟
ترتبط أهمية محكمة الكوميسا بطبيعة المنظمة نفسها، التي تضم 21 دولة وتسعى إلى تعزيز التجارة والاستثمار والتكامل الاقتصادي.
فوجود مؤسسة قضائية إقليمية قادرة على الفصل في المنازعات التجارية وتفسير القواعد المشتركة يمثل عنصرًا مهمًا في بناء الثقة بين الدول والمستثمرين.
وقد تستفيد الخرطوم من استضافة المحكمة عبر استعادة جزء من حضورها الدبلوماسي والقانوني، وتنشيط الخدمات المرتبطة بالمؤسسات الدولية.
لكن هذه المكاسب تظل محدودة إذا لم تتزامن مع إعادة تأهيل البنية التحتية واستقرار الخدمات وتحسين البيئة الاقتصادية.
فالحرب ألحقت أضرارًا واسعة بالمرافق العامة وشبكات الكهرباء والمياه والاتصالات، وأدت إلى تعطيل قطاعات إنتاجية وتجارية رئيسية.
كما أن استعادة الثقة الاستثمارية تحتاج إلى مؤسسات مستقلة وقواعد قانونية مستقرة وضمانات لحماية الحقوق والعقود.
ولهذا فإن عودة المحكمة، على أهميتها، لا تكفي وحدها لإعلان تعافي الخرطوم اقتصاديًا أو مؤسسيًا.
بين استعادة المؤسسات واستمرار الحرب
يحاول السودان من خلال مشاركته في الكوميسا إعادة بناء علاقاته الاقتصادية والدبلوماسية مع محيطه الأفريقي.
لكن نجاح هذا التوجه سيعتمد على قدرة الحكومة على تحويل الدعم السياسي إلى برامج عملية.
وستكون الخطوة التالية الحاسمة إعلان جدول زمني واضح لعودة المحكمة، وتحديد حالة مقرها في الخرطوم، ونشر نتائج التقييم الفني والأمني.
كما ينبغي متابعة كيفية معالجة المتأخرات المالية السودانية لدى المنظمة، وما إذا كانت ستُعتمد ترتيبات جديدة لتخفيف الأعباء أو إعادة جدولتها.
إن عودة محكمة عدل الكوميسا إلى الخرطوم، إذا تحققت، ستكون تطورًا مهمًا في مسار استعادة المؤسسات الإقليمية التي غادرت السودان بسبب الحرب.
لكن القيمة الحقيقية لهذا التطور لن تُقاس بالاحتفاء السياسي، وإنما بقدرة المحكمة على ممارسة عملها بصورة مستقلة وآمنة ومنتظمة.
فاستعادة المقر خطوة مهمة، أما استعادة الثقة فهي عملية أطول، ترتبط بإنهاء الحرب وإصلاح المؤسسات وضمان سيادة القانون.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات