محررو لقطة AI
26 أكتوبر 2026
أثارت تعديلات جديدة على القانون الجنائي السوداني لسنة 1991 موجة من الاعتراضات الحقوقية والمهنية، بعدما أُضيف النشر عبر الوسائط الإلكترونية والإعلامية إلى الأفعال التي قد تدخل ضمن نطاق جريمة إثارة الحرب ضد الدولة، في خطوة حذرت نقابة الصحفيين السودانيين من أنها قد تفتح الباب أمام ملاحقة الصحفيين والناشطين بموجب نصوص جنائية تصل عقوباتها إلى الإعدام أو السجن المؤبد.
وجاءت الاعتراضات بعد صدور المرسوم المؤقت رقم 7 لسنة 2026 بشأن تعديلات تشريعية، وما أعقبه من إعلان تشكيل آلية وطنية لمكافحة جرائم المعلوماتية.
وفي بيان أصدرته سكرتارية الحريات بالنقابة، الجمعة 23 أكتوبر، طالبت النقابة بإلغاء التعديل المتعلق بالمادة 51 من القانون الجنائي، والتراجع عن قرار تشكيل الآلية الجديدة.
واعتبرت أن إدراج النشر الإعلامي والإلكتروني ضمن نص جنائي بهذه الخطورة، دون ضمانات واضحة لحماية العمل الصحفي المشروع، قد يؤدي إلى تجريم التحقيقات والتقارير الصحفية والتعبير عن الرأي.
لكن وزير العدل السوداني عبد الله درف رفض هذه المخاوف، مؤكدًا أن التعديل يستهدف دعم الأعمال الحربية ضد الدولة، وليس ممارسة الصحافة المهنية أو التعبير المشروع.
وتكشف المواقف المتعارضة عن خلاف يتجاوز صياغة مادة قانونية واحدة، ليمس حدود سلطة الدولة في تنظيم النشر أثناء الحرب، والضمانات التي تحمي المواطنين من الملاحقة بسبب آرائهم أو عملهم الصحفي.
ماذا تغير في النص القانوني؟
تتعلق القضية بالمادة 51، الخاصة بإثارة الحرب ضد الدولة، والتي تتضمن عقوبات شديدة قد تصل إلى الإعدام أو السجن المؤبد.
وبحسب التقارير التي تناولت التعديل، أُضيفت إلى النص إشارة صريحة إلى الدعم عبر النشر الإلكتروني أو الإعلامي.
ومن المهم توضيح أن التعديل لم يستحدث عقوبة الإعدام بوصفها عقوبة جديدة للنشر.
فهذه العقوبة كانت موجودة أصلًا ضمن النص المتعلق بإثارة الحرب ضد الدولة.
أما مصدر المخاوف فهو احتمال توسيع نطاق تطبيق المادة ليشمل أفعالًا مرتبطة بالنشر، إذا فُسرت باعتبارها دعمًا لجهة تحارب الدولة.
وهذا التمييز أساسي لتجنب تقديم معلومات قانونية مضللة.
فليس صحيحًا القول إن كل منشور ينتقد الحكومة أصبح تلقائيًا جريمة عقوبتها الإعدام، لكن الصياغة الجديدة تثير تساؤلات جدية بشأن كيفية التمييز بين النقد المشروع والدعم الفعلي للأعمال الحربية.
كما أن وزير العدل أوضح أن جريمة تقويض النظام الدستوري تقع ضمن المادة 50، بينما يتعلق التعديل محل الجدل بالمادة 51 الخاصة بإثارة الحرب ضد الدولة.
وتحتاج الصيغة النهائية المعتمدة للتعديل وإجراءات نفاذه إلى تدقيق في الجريدة الرسمية، خصوصًا مع وجود تصريحات حكومية تشير إلى مراحل مراجعة تشريعية إضافية.
لماذا تعترض نقابة الصحفيين؟
ترى نقابة الصحفيين أن النصوص الجنائية المتعلقة بالنشر يجب أن تكون دقيقة ومحددة، حتى لا تصبح قابلة لتفسيرات واسعة تسمح بملاحقة الصحفيين بسبب أداء واجباتهم المهنية.
فالتغطية الصحفية للحرب قد تتطلب نشر تصريحات أطراف النزاع، أو التحقيق في انتهاكات منسوبة إلى القوات المتحاربة، أو تحليل قرارات القيادة العسكرية والسياسية.
ولا ينبغي أن يؤدي مجرد نقل المعلومات أو نقد السياسات العامة إلى اعتبار الصحفي طرفًا مشاركًا في الأعمال العدائية.
وتحذر النقابة من أن غموض النصوص قد يدفع المؤسسات الإعلامية إلى الامتناع عن نشر معلومات مهمة خوفًا من الملاحقة القضائية.
وتُعرف هذه الظاهرة بالرقابة الذاتية، عندما يقرر الصحفي أو الناشر حجب معلومات مشروعة خشية التعرض للعقوبات.
وقد تكون آثارها على المجتمع أوسع من آثار إغلاق مؤسسة إعلامية واحدة، لأنها تؤدي تدريجيًا إلى تقليص المساحة المتاحة للنقاش العام.
وتزداد خطورة هذه النتيجة في أوقات الحرب، عندما يحتاج المواطنون إلى معلومات دقيقة بشأن الأوضاع الأمنية والانتهاكات والخدمات الأساسية.
الحكومة تدافع عن التعديل
في المقابل، قال وزير العدل عبد الله درف إن الغرض من التعديل هو مواجهة الأشخاص الذين يقدمون دعمًا علنيًا للأعمال الحربية ضد الدولة عبر الوسائط الإعلامية والإلكترونية.
وأكد أن النص لا يستهدف الصحفيين بسبب عملهم المهني.
ويستند الموقف الحكومي إلى أن الحرب الحديثة لا تقتصر على استخدام السلاح، وإنما قد تشمل أنشطة دعم وتنسيق وتحريض عبر وسائل الاتصال.
لكن هذا التبرير يطرح سؤالًا بشأن المعايير القانونية المستخدمة لإثبات أن منشورًا معينًا يمثل دعمًا فعليًا للأعمال الحربية.
فوجود علاقة واضحة بين الفعل المنشور والجريمة المفترضة يختلف عن مجرد التعبير عن موقف سياسي أو نشر معلومات لا ترغب السلطات في تداولها.
ولهذا فإن الضمانات القضائية واستقلال جهات التحقيق وتحديد أركان الجريمة تمثل عناصر أساسية لمنع إساءة استخدام النص.
آلية مكافحة جرائم المعلوماتية تزيد المخاوف
لا تقتصر اعتراضات النقابة على التعديل الجنائي.
فقد رفضت كذلك قرار رئيس الوزراء كامل إدريس تشكيل آلية وطنية لمكافحة جرائم المعلوماتية، صدر في 19 أكتوبر الجاري.
وبحسب المعلومات المنشورة، تضم الآلية ممثلين لمؤسسات حكومية، وتختص بمتابعة الجرائم الإلكترونية وما تصفه السلطات بالنشر الضار بأمن الدولة والمجتمع.
لكن النقابة حذرت من أن منح جهة إدارية صلاحيات واسعة لمراقبة المؤسسات الإعلامية ومنصات التواصل قد يؤدي إلى تداخل مكافحة الجرائم الحقيقية مع الرقابة على التعبير.
ولا خلاف من حيث المبدأ على ضرورة مكافحة الاحتيال الإلكتروني والابتزاز والاختراقات والتهديدات الرقمية.
لكن هذه الجرائم تختلف عن نشر التحقيقات الصحفية أو انتقاد المسؤولين أو توثيق الانتهاكات.
ويحتاج القانون إلى فصل واضح بين المجالين، حتى لا تتحول مكافحة الجريمة الإلكترونية إلى وسيلة لتقييد الحريات العامة.
الصحافة السودانية تحت ضغوط الحرب
تأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه الصحافة السودانية ظروفًا استثنائية منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
فقد تعرض صحفيون للاعتقال والتهديد والنزوح، وتوقفت مؤسسات إعلامية عن العمل، بينما فقد عدد كبير من العاملين في القطاع مصادر دخلهم.
كما أدت الانتهاكات الأمنية وانقطاع الاتصالات إلى صعوبة الوصول إلى المعلومات والتحقق منها.
وفي هذه البيئة، يصبح دور الصحافة المستقلة أكثر أهمية، لأنها تساعد في توثيق الوقائع وكشف الانتهاكات وتوفير المعلومات التي يحتاجها المواطنون.
لكن حماية الصحافة لا تعني إعفاء المؤسسات الإعلامية من المسؤولية المهنية أو القانونية.
فالتحريض المباشر على العنف ونشر المعلومات الكاذبة عمدًا والتشهير جرائم يمكن معالجتها وفق قوانين واضحة وإجراءات قضائية عادلة.
أما الخطر فينشأ عندما تصبح الحدود بين النقد والجريمة غير محددة.
هل تتحول القضية إلى اختبار دستوري؟
طالبت مجموعة «محامو الطوارئ» بإلغاء التعديل وإخضاع التشريعات الصادرة عن السلطات القائمة لرقابة دستورية مستقلة.
وحذرت من احتمال استخدام النص لملاحقة الصحفيين والناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان بسبب نشر معلومات تتعلق بالانتهاكات أو انتقاد أداء السلطات.
وسيكون من المهم متابعة موقف المؤسسات القضائية والحقوقية من التعديل، وما إذا كانت ستُعلن ضمانات واضحة تستبعد العمل الصحفي المشروع من نطاق التجريم.
كما ينبغي التحقق من الوضع التشريعي النهائي للنص، ونشر صيغته الرسمية الكاملة، حتى يتمكن الصحفيون والمحامون والمواطنون من معرفة حقوقهم والتزاماتهم بدقة.
إن القضية لا تتعلق بحق الصحفي في النشر وحده، وإنما بحق المجتمع السوداني في المعرفة.
فالدولة التي تواجه حربًا مدمرة تحتاج إلى مؤسسات قادرة على كشف الأخطاء والانتهاكات، لا إلى بيئة يخشى فيها الصحفيون طرح الأسئلة.
وإذا لم تُحسم حدود النصوص الجديدة بصورة واضحة، فقد يتحول الخوف من الملاحقة إلى قيد دائم على حرية التعبير، في وقت يحتاج فيه السودان إلى مزيد من الشفافية والمساءلة.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات