محررو لقطة 7
26 أكتوبر 2026
كشفت تحقيقات صحفية عن جانب قاسٍ من اقتصاد البث المباشر على تيك توك: أطفال وأسر نازحة في مخيمات شمال غربي سوريا يطلبون من المشاهدين إرسال «هدايا» رقمية قابلة للتحويل إلى أموال، بينما لا يصل إلى الأسر سوى جزء ضئيل مما يدفعه الجمهور. ووفق اختبار أجرته هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» عام 2022، احتفظت المنصة بنحو 69% من قيمة الهدايا في عينة محددة، قبل أن تقتطع رسوم التحويل والوسطاء مبالغ إضافية.
تابعت بي بي سي، على مدى خمسة أشهر، 30 حساباً كانت تبث مباشرة من مخيمات للنازحين. ووجدت أن بعض البثوث كانت تستمر لساعات، فيما وصلت قيمة الهدايا التي يتلقاها الحساب الواحد إلى نحو ألف دولار في الساعة. وظهر أطفال يرددون عبارات قصيرة بالإنجليزية، مثل «أرسلوا هدايا»، أمام مشاهدين من دول مختلفة. لكن قيمة الهدايا التي تظهر على الشاشة لم تكن تعني أن المبلغ نفسه سيصل إلى الأسرة.
لاختبار مسار الأموال، أرسل موظفو بي بي سي هدايا رقمية قيمتها 106 دولارات إلى حساب أنشأه مراسل في سوريا. وبعد البث، ظهر في الحساب ما يعادل 33 دولاراً؛ وقدّرت الهيئة أن تيك توك اقتطعت 69% من قيمة الهدايا. وعند سحب المبلغ، انخفض أكثر بسبب رسوم التحويل، ثم اقتطع وسيط يعمل مع الأسرة حصة أخرى. ووفق حساب بي بي سي، لم يتبق للأسرة من المبلغ الأصلي سوى 19 دولاراً. هذه نتيجة اختبار بعينه، وليست كشفاً شاملاً لحسابات جميع الأسر أو نسبة ثابتة تنطبق على كل بث.
وتكمن أهمية التحقيق في أن اقتطاع المنصة لم يكن سوى جزء من السلسلة. فقد وصف التقرير وسطاء يوفرون الهواتف وشرائح الاتصال والاتصال بالإنترنت، ويساعدون الأسر على إنشاء الحسابات وبدء البث، فيما قال بعضهم إنهم يعملون مع وكالات مرتبطة بمنظومة البث المباشر. وأفاد التقرير بأن الوكالات تحصل على عمولات مرتبطة بمدة البث وقيمة الهدايا، ما يجعل استمرار الأسر أمام الكاميرا ساعات طويلة جزءاً من نموذج يربط العائد بوقت المشاهدة والتفاعل.
أثارت هذه الممارسات سؤالاً يتجاوز قيمة العمولة: هل يتحول طلب المساعدة إلى استغلال عندما يُدفع الأطفال إلى الظهور المتكرر أمام الجمهور، أو حين لا تعرف الأسرة مقدار ما جمعه البث فعلياً ولا تسيطر على الحساب أو حصيلة الهدايا؟ لا يثبت ظهور طفل في بث وحده أن جهة ما أجبرته على المشاركة، كما أن حاجة العائلات المعيشية قد تكون حقيقية. لكن وجود وسيط يتحكم في الوصول إلى الحساب أو في توزيع المال يجعل الشفافية والتحقق من موافقة الأسرة وحماية الطفل أموراً أساسية.
وقالت تيك توك لبي بي سي إن هذا النوع من المحتوى غير مسموح على منصتها، وإنها ستتخذ إجراءات ضد «التسول الاستغلالي». وأضافت أن عمولتها أقل بكثير من تقدير 70%، لكنها لم تعلن النسبة الفعلية. وذكر التحقيق أن بي بي سي أبلغت المنصة عبر أدوات الإبلاغ داخل التطبيق عن 30 حساباً يظهر فيها أطفال يطلبون الهدايا، ولم تعتبر المنصة حينها أن الحسابات خالفت سياساتها. وبعد تواصل الهيئة معها مباشرة، قالت تيك توك إنها حظرت الحسابات التي حددها التحقيق وشددت سياساتها.
وفي أكتوبر 2022، رفعت تيك توك الحد الأدنى للعمر المطلوب لبدء البث المباشر من 16 إلى 18 عاماً. لكن تغيير شرط العمر لا يحسم وحده مسألة ظهور الأطفال في بث يديره بالغون، ولا يضمن أن الأموال ستصل إلى من يظهرون في البث.
وأعاد تحقيق لصحيفة «الغارديان» نشرته عام 2025 فتح النقاش حول استغلال البث المباشر للتسول الرقمي، بعد رصد ممارسات مشابهة في دول عدة، بينها سوريا. ونقلت الصحيفة عن تيك توك أن الأطفال لا يجوز لهم طلب الهدايا في البث، وأن المضيفين يجب أن يكونوا بالغين. كما قالت الشركة إن قيمة ما يصل إلى صناع البث بعد الرسوم والعمولات تختلف، وقد تبلغ نصف قيمة الهدايا أو تنخفض أحياناً إلى 30%. وتؤكد هذه النتائج أن رقم 70% الذي ظهر في تحقيق 2022 لا ينبغي تقديمه بوصفه نسبة موحدة لكل بث أو سياسة معلنة حالية، لكنه يسلط الضوء على صعوبة معرفة ما يُقتطع فعلاً ومن ينتفع من المال.
المطلوب من المنصة يتجاوز حذف حساب
بعد نشر تحقيق صحفي. فالبث المباشر يتيح جمع الأموال لحظياً، بينما يصعب على المشاهد معرفة الجهة التي تدير الحساب، أو التأكد من أن الطفل والأسرة حصلا على المساعدة. ويحتاج الأمر إلى إظهار واضح لقيمة الهدايا والرسوم والعمولات، وآليات أسرع لرصد استغلال الأطفال، والتحقق من دور الوسطاء والوكالات، وإتاحة الإبلاغ عن الحالات ومراجعتها بفاعلية.
أما الجمهور، فبوسعه التريث قبل إرسال المال إلى حساب لا يعرف من يديره أو كيف تُوزع عائداته، والبحث عن جهات إغاثية موثوقة حين يريد دعم العائلات. فالأطفال الذين يظهرون في هذه البثوث ليسوا جزءاً من واجهة ترفيهية؛ إنهم أشخاص يعيشون ظروف نزوح وفقر، وتستدعي حمايتهم ألا تتحول حاجتهم إلى مورد تتقاسم عوائده المنصات والوسطاء قبل أن يصل إليهم.
محررو لقطة 7
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات