محررو لقطة AI – 7
25 أكتوبر 2026
شهدت مدينة عطبرة بولاية نهر النيل، الأحد 25 أكتوبر 2026، احتجاجات شعبية على خلفية أزمة الوقود وارتفاع تعرفة المواصلات بين عطبرة والدامر إلى سبعة آلاف جنيه سوداني للراكب، في تطور يكشف انتقال أزمة الإمدادات البترولية من محطات الخدمة ومواقف النقل إلى الشارع، وسط ضغوط معيشية متزايدة على المواطنين.
وأفادت تقارير صحفية بأن محتجين أغلقوا عددًا من شوارع المدينة وأشعلوا إطارات السيارات، احتجاجًا على الزيادة في أسعار النقل العام، بعدما شهد موقف المواصلات مشادات بين الركاب وسائقي المركبات بسبب التعرفة الجديدة.
ونقلت «سودان تربيون» عن شهود عيان أن الاحتجاجات اندلعت عقب خلافات بشأن الزيادة التي جاءت بالتزامن مع نقص حاد في الوقود وتعطل حركة عدد من المركبات. ولم تتوافر في التقارير التي أمكن مراجعتها حصيلة موثقة لإصابات أو اعتقالات مرتبطة بهذه الاحتجاجات.
حين تصبح المواصلات عبئًا يفوق قدرة المواطنين
لا تبدو أزمة عطبرة مجرد خلاف عابر حول أجرة رحلة بين مدينتين متجاورتين. فالدامر، عاصمة ولاية نهر النيل، وعطبرة ترتبطان بحركة يومية تشمل الموظفين والطلاب والتجار والمرضى وأصحاب الأعمال الصغيرة. وأي ارتفاع مفاجئ في تكلفة التنقل بينهما ينعكس مباشرة على القدرة على الوصول إلى العمل والتعليم والخدمات.
وتعني التعرفة المعلنة، البالغة سبعة آلاف جنيه للاتجاه الواحد، أن المواطن الذي يسافر يوميًا بين المدينتين قد يحتاج إلى أربعة عشر ألف جنيه للذهاب والعودة، أي نحو 308 آلاف جنيه خلال 22 يوم عمل، دون احتساب المواصلات الداخلية أو المصروفات الأخرى.
وتوضح هذه المقارنة حجم الضغط الذي قد تواجهه الأسر ذات الدخول المحدودة، خاصة أن أجور العاملين لم ترتفع بالضرورة بالنسبة نفسها التي ارتفعت بها تكاليف النقل والغذاء والعلاج.
والمفارقة أن السائقين أنفسهم يواجهون ضغوطًا مالية حقيقية. فارتفاع أسعار البنزين والجازولين، إلى جانب تكاليف الصيانة وقطع الغيار، يجعل تشغيل المركبات أكثر كلفة، بينما يؤدي نقص الوقود إلى ضياع ساعات طويلة في الانتظار أمام محطات الخدمة.
وهكذا يجد المواطن والسائق نفسيهما في مواجهة أزمة واحدة، وإن اختلف موقع كل منهما منها: الأول يعجز عن تحمل الأجرة، والثاني يقول إن الإيرادات لم تعد تغطي تكلفة التشغيل.
أزمة تتجاوز عطبرة
تزامنت احتجاجات عطبرة مع تفاقم أزمة المواصلات في العاصمة الخرطوم، حيث أفادت تقارير منشورة في اليوم نفسه بوجود صفوف طويلة أمام محطات الوقود، ونقص المركبات العاملة على عدد من الخطوط.
وذكرت «سودان تربيون» أن تعرفة بعض الرحلات في العاصمة ارتفعت من ثلاثة آلاف إلى خمسة آلاف جنيه، بينما وصلت أجرة خطوط أخرى إلى سبعة آلاف جنيه.
كما نقلت عن سائقين أن أسعار الوقود في السوق الموازية بلغت مستويات مرتفعة، مع اختلاف الأسعار بين المناطق بحسب حجم المعروض وصعوبة الحصول عليه.
وتشير هذه الوقائع إلى أن المشكلة لم تعد محصورة في مدينة أو ولاية، بل أصبحت مرتبطة باختلال أوسع في توزيع المشتقات البترولية وتكاليف تشغيل وسائل النقل.
وكانت ولاية الخرطوم قد أقرت في 21 أكتوبر إجراءات لتنظيم توزيع الوقود، شملت وضع ضوابط للتزود به وتخصيص محطات لفئات معينة، في محاولة لمعالجة التكدس أمام محطات الخدمة.
غير أن استمرار الشكاوى بعد هذه الإجراءات يطرح تساؤلات بشأن مدى كفاية المعالجات الإدارية عندما تكون الكميات المتاحة أقل من احتياجات السوق.
لماذا تتفاقم أزمة الوقود؟
تعود جذور الأزمة إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها الأضرار التي لحقت بقطاع النفط والبنية التحتية خلال الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، واضطراب طرق النقل والإمداد، وتراجع قيمة الجنيه السوداني، وارتفاع تكلفة استيراد المشتقات البترولية.
وكان تقرير نشرته الجزيرة في 24 أكتوبر قد وثق تأثير نقص الوقود على سائقي المواصلات في بورتسودان، حيث اضطر بعضهم إلى تخصيص ساعات طويلة للانتظار أمام المحطات، ما قلص عدد الرحلات اليومية وأضعف دخولهم.
ونقل التقرير عن عاملين في قطاع النقل أن الأزمة دفعت إلى زيادات في تعرفة الحافلات والمركبات الصغيرة، بينما اضطرت بعض الأسر إلى تقليص رحلاتها اليومية، بما في ذلك الذهاب إلى العمل.
لكن ارتفاع الأسعار ليس النتيجة الوحيدة لنقص الوقود. فحين تتراجع حركة النقل، ترتفع تكلفة إيصال الخضروات والدقيق والأدوية والسلع الاستهلاكية إلى الأسواق، ثم تنتقل الزيادة إلى المستهلك النهائي.
وبذلك تصبح أزمة الطاقة عاملًا مضاعفًا للتضخم، لا مجرد مشكلة تتعلق بتشغيل المركبات.
عطبرة بين ضغط السكان وأعباء النزوح
تكتسب التطورات في عطبرة حساسية إضافية بسبب التحولات السكانية التي شهدتها ولاية نهر النيل منذ اندلاع الحرب.
فقد استقبلت الولاية أعدادًا كبيرة من النازحين، خصوصًا من الخرطوم وبحري، ما أدى إلى زيادة الطلب على السكن والخدمات والمواصلات والمواد الاستهلاكية.
ونقلت «سودان تربيون» عن أحد النازحين في عطبرة شكاوى من ارتفاع الإيجارات، ووصول الأمر ببعض ملاك العقارات إلى المطالبة بالسداد بالدولار أو بما يعادله بالجنيه السوداني.
ويعني ذلك أن الأسر النازحة لا تواجه فقط فقدان مساكنها ومصادر دخلها الأصلية، بل تواجه كذلك ارتفاعًا مستمرًا في تكاليف الحياة داخل المدن التي لجأت إليها.
كما أن بعض الأسر التي تفكر في العودة إلى الخرطوم تجد نفسها أمام صعوبات تتعلق بتوفر الخدمات الأساسية وفرص العمل وإعادة تأهيل المساكن.
وفي مثل هذه الظروف، قد تؤدي زيادة المواصلات إلى تقليص قدرة الأسر على الحصول على الخدمات الطبية والتعليمية أو البحث عن فرص عمل جديدة.
أين تقع مسؤولية السلطات؟
أشارت تقارير محلية إلى أن والي نهر النيل وجّه باستخدام مركبات حكومية للمساعدة في نقل المواطنين خلال الأزمة، مع متابعة تنفيذ التوجيه في محليات الولاية.
ويمكن لمثل هذه الإجراءات أن تخفف الضغط مؤقتًا، لكنها لا تعالج الأسباب الأساسية لنقص الوقود أو الارتفاع المستمر في تكلفة النقل.
وتحتاج المعالجة إلى بيانات واضحة بشأن حجم الإمدادات البترولية التي تصل إلى الولاية، وآليات توزيعها، والجهات المسؤولة عن تحديد التعرفة ومراقبة الالتزام بها.
كما ينبغي التمييز بين الزيادات التي تصدر بموجب قرارات رسمية معلنة وتلك التي يفرضها واقع الندرة أو التفاهمات داخل مواقف المواصلات.
فغياب التعرفة الواضحة يفتح الباب أمام خلافات متكررة بين السائقين والركاب، ويضع الطرفين في مواجهة مباشرة بدلًا من معالجة المشكلة على مستوى السياسات والإمدادات.
وسيكون من المهم معرفة ما إذا كانت سلطات ولاية نهر النيل ستعلن تعرفة مؤقتة مدروسة لخط عطبرة–الدامر، وما إذا كانت ستخصص إمدادات منتظمة لوسائل النقل العام، خصوصًا الخطوط التي يعتمد عليها الموظفون والطلاب.
الاحتجاجات إنذار اقتصادي واجتماعي
تُظهر احتجاجات عطبرة أن الضغوط الاقتصادية المتراكمة يمكن أن تتحول إلى احتجاجات شعبية عندما تمس الاحتياجات اليومية التي لا يستطيع المواطن الاستغناء عنها.
فالمواصلات ليست خدمة ترفيهية، وإنما وسيلة للوصول إلى العمل والمدارس والمستشفيات والأسواق.
وحين تصبح تكلفة الانتقال إلى مكان العمل أعلى من العائد الاقتصادي المتوقع، يفقد بعض المواطنين القدرة العملية على الاستمرار في وظائفهم، حتى لو ظلت هذه الوظائف متاحة.
كما أن اضطراب النقل يؤثر في الأسواق الصغيرة وحركة التجارة، ويزيد تكلفة توزيع السلع، ما يوسع دائرة المتضررين.
ولا تعني الاحتجاجات بالضرورة وجود تنظيم سياسي يقف خلفها؛ فالمعلومات المتاحة تربطها مباشرة بأزمة الوقود وتعرفة المواصلات، ولا تقدم أدلة كافية على دوافع أخرى.
لكنها تكشف أن الاستقرار الأمني النسبي في بعض المدن لا يلغي احتمالات التوتر الاجتماعي عندما تتدهور ظروف المعيشة.
وستكون الأيام المقبلة اختبارًا لقدرة السلطات على توفير الوقود بصورة أكثر انتظامًا، وضبط التعرفة، ومنع انتقال الخلافات اليومية إلى مواجهات أوسع.
إن ما حدث في عطبرة يتجاوز إغلاق الشوارع وإحراق الإطارات؛ فهو تعبير عن أزمة اقتصادية تضغط على قدرة السودانيين على العمل والتنقل وتوفير احتياجات أسرهم.
والسؤال الذي تطرحه هذه الاحتجاجات ليس فقط متى تنخفض تعرفة المواصلات، وإنما كيف يمكن إعادة بناء منظومة إمداد ونقل قادرة على العمل في ظروف الحرب، دون تحميل المواطنين وحدهم تكلفة الانهيار.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات