محررو لقطة AI – 19
26 أكتوبر 2026
تصاعدت المخاوف بشأن أوضاع الحريات الصحفية في ولاية النيل الأبيض، جنوبي السودان، بعد إعلان نقابة الصحفيين السودانيين تعرض صحفيين لاستدعاءات أمنية متكررة، واحتجاز صحفية بمدينة القطينة على خلفية مادة تناولت أوضاع التعليم والرسوم الدراسية، في تطور يعيد إلى الواجهة قضية استخدام الإجراءات الأمنية والبلاغات الجنائية في التعامل مع العمل الصحفي.
وقالت سكرتارية الحريات بنقابة الصحفيين السودانيين، في بيان صدر الأحد 25 أكتوبر 2026، إن الصحفيين راشد أوشي وسوسن محمد عثمان يتعرضان لاستدعاءات أسبوعية إلى مقر الخلية الأمنية، بينما أُلقي القبض على الصحفية رشا حسن في مدينة القطينة على خلفية بلاغ تقدمت به مديرة إحدى المدارس بشأن مادة صحفية تناولت تطلعات التلاميذ للدراسة وما أثير حول ارتفاع الرسوم.
واعتبرت النقابة أن تكرار الاستدعاءات واللجوء إلى الإجراءات الجنائية في قضايا النشر يمثلان مصدر قلق بشأن استقلال الصحافة وسلامة العاملين فيها، وطالبت بوقف الإجراءات التي وصفتها بالترهيبية، وضمان الحقوق القانونية للصحفيين.
ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من جميع تفاصيل الإجراءات الأمنية، كما لم تتوفر إفادة رسمية منشورة من الجهات الأمنية المعنية تشرح أسباب الاستدعاءات أو الوضع القانوني الحالي للصحفية رشا حسن.
استدعاء أسبوعي يتحول إلى ضغط مستمر
وفق بيان النقابة، يُطلب من الصحفيين راشد أوشي وسوسن محمد عثمان الحضور إلى مقر الخلية الأمنية يوم الخميس من كل أسبوع.
وكان موقع «عين الحقيقة» قد نشر، السبت 24 أكتوبر، معلومات عن هذه الاستدعاءات، مشيرًا إلى تساؤلات بشأن أساسها القانوني وتأثيرها على قدرة الصحفيين على ممارسة عملهم باستقلال.
وتوجد نقطة تحتاج إلى توضيح رسمي، إذ ذكر بيان النقابة أن الاستدعاءات تتم في كوستي، بينما أشار التقرير السابق إلى ربك. ولم يتضح ما إذا كان الاختلاف يتعلق بموقع الجهة الأمنية أو بمكان حضور الصحفيين.
ولا يقتصر تأثير الاستدعاءات المتكررة على الوقت الذي يقضيه الصحفي داخل المقر الأمني. فقد يؤدي تكرارها دون توضيح أسبابها ومدتها والأساس القانوني لها إلى خلق حالة من عدم اليقين بشأن حدود العمل الصحفي المسموح به.
كما قد يدفع الصحفي إلى تجنب بعض الموضوعات الحساسة، حتى دون صدور قرار رسمي يمنعه من تناولها.
وهنا تظهر خطورة ما يعرف بالرقابة الذاتية، حين يمتنع الصحفي عن نشر معلومات ذات مصلحة عامة خشية التعرض للاستدعاء أو التحقيق أو الملاحقة.
لكن تقييم قانونية أي استدعاء بعينه يتطلب الاطلاع على طبيعة الإجراء والجهة التي أصدرته، وما إذا كان الصحفي قد أُبلغ بحقوقه وأسباب استدعائه.
قضية رشا حسن.. هل تصبح رسوم المدارس سببًا للاحتجاز؟
تمثل قضية الصحفية رشا حسن جانبًا مختلفًا من التطورات الأخيرة.
فبحسب نقابة الصحفيين، جرى القبض عليها بمدينة القطينة، الأحد، على خلفية بلاغ متعلق بمادة صحفية تناولت أحلام التلاميذ وتطلعاتهم التعليمية، وما أثير بشأن ارتفاع الرسوم الدراسية في إحدى المدارس.
وقالت النقابة إن البلاغ تقدمت به مديرة المدرسة المعنية.
وتثير القضية تساؤلًا يتجاوز الخلاف بين إدارة مؤسسة تعليمية وصحفية نشرت مادة عنها: كيف ينبغي التعامل مع الشكاوى المتعلقة بالتغطية الصحفية للقضايا العامة؟
فالتعليم ورسوم المدارس وشروط الالتحاق بها ليست مسائل إدارية مغلقة، وإنما قضايا تمس الأسر والطلاب وحق المجتمع في معرفة كيفية إدارة المؤسسات التعليمية.
ومن حق إدارات المدارس الاعتراض على المعلومات التي تعتبرها غير صحيحة، وطلب التصحيح أو الرد، واللجوء إلى الإجراءات القانونية المتاحة إذا اعتقدت بوقوع ضرر محدد.
لكن اللجوء إلى الاحتجاز في نزاع يتعلق بالنشر يثير مسألة التناسب بين طبيعة الشكوى والإجراء المتخذ، خصوصًا إذا لم تتضمن الوقائع اتهامات أخرى تستوجب تقييد الحرية.
ولم تتوفر حتى إعداد هذا المقال نسخة من البلاغ أو المادة الصحفية محل النزاع، ولذلك لا يمكن إصدار حكم نهائي بشأن صحة المعلومات المنشورة أو المسؤولية القانونية لأي طرف.
كما لم يتضح ما إذا كانت رشا حسن لا تزال محتجزة أم أُفرج عنها لاحقًا.
حرية الصحافة لا تعني غياب المساءلة
يحتاج النقاش حول قضايا النشر إلى التمييز بين أمرين: حق الصحفي في التحقيق والنقد ونشر المعلومات المتعلقة بالمصلحة العامة، وحق الأفراد والمؤسسات في حماية سمعتهم والرد على المعلومات غير الدقيقة.
ولا يمنح العمل الصحفي صاحبه حصانة مطلقة من المساءلة القانونية، لكنه يتطلب ألا تتحول الإجراءات القانونية إلى وسيلة لمعاقبته قبل إثبات أي مخالفة.
وتشمل الضمانات الأساسية إبلاغ الشخص بأسباب القبض أو الاستدعاء، وتمكينه من الاستعانة بمحامٍ، وإخضاع أي تقييد للحرية لرقابة قانونية وقضائية مناسبة.
كما أن التعامل مع الأخطاء المهنية المحتملة ينبغي أن يراعي طبيعة المادة المنشورة والضرر المدعى به والوسائل الأقل تقييدًا لحرية التعبير.
وتزداد أهمية هذه المبادئ في السودان، حيث أدت الحرب إلى إضعاف المؤسسات الإعلامية وتقييد الوصول إلى المعلومات في مناطق واسعة من البلاد.
الحرب توسع المخاطر على الصحفيين
لا يمكن فصل التطورات في النيل الأبيض عن الأزمة الأوسع التي تواجه الصحافة السودانية منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
فقد تعرض صحفيون للاعتقال والاحتجاز والاختفاء القسري، بينما اضطر آخرون إلى النزوح أو مغادرة البلاد أو التوقف عن العمل.
وفي 21 أكتوبر الجاري، طالبت نقابة الصحفيين السودانيين قوات الدعم السريع بالإفراج عن الصحفيين مصطفى فضل المولى ومعمر إبراهيم، وكشف مصير أربعة صحفيين قالت إنهم ما زالوا مختفين قسريًا.
ووفق بيان النقابة الذي نقلته «سودان تربيون»، فإن فضل المولى محتجز منذ سبتمبر 2023، بينما احتُجز معمر إبراهيم في أكتوبر 2025، وسط مخاوف بشأن أوضاعهما الصحية والإنسانية.
وتوضح هذه الوقائع أن المخاطر التي تواجه الصحفيين لا تنحصر في منطقة جغرافية واحدة أو جهة مسلحة واحدة، وإن اختلفت طبيعة الانتهاكات والجهات المنسوبة إليها.
وكانت لجنة حماية الصحفيين قد وثقت خلال عام 2026 حالات احتجاز وملاحقة لصحفيين سودانيين، محذرة من استخدام إجراءات الاعتقال لإسكات التغطيات المتعلقة بالفساد والقضايا العامة.
وتؤدي هذه البيئة إلى تقليص قدرة الصحافة على متابعة أداء المؤسسات العامة، وتوثيق الانتهاكات، ونقل شكاوى المواطنين في مجالات التعليم والصحة والخدمات.
لماذا تمثل النيل الأبيض حالة تستحق المتابعة؟
تكتسب التطورات الأخيرة أهمية خاصة لأنها تقع في ولاية تضم مراكز سكانية وتجارية وخدمية مهمة، وتستقبل أعدادًا من المواطنين المتأثرين بالحرب والنزوح.
وفي مثل هذه الظروف، يحتاج السكان إلى صحافة محلية قادرة على متابعة أداء المدارس والمستشفيات والسلطات الإدارية، والتحقق من أسعار الخدمات والرسوم والشكاوى العامة.
فغياب الصحافة المستقلة لا يعني اختفاء المشكلات، وإنما قد يجعل الوصول إلى معلومات موثوقة بشأنها أكثر صعوبة.
كما أن استمرار الاستدعاءات الأمنية قد يؤثر على استعداد المصادر للتحدث إلى الصحفيين، خصوصًا الموظفين والمواطنين الذين يخشون التعرض للمساءلة بسبب الإدلاء بمعلومات تتعلق بأداء المؤسسات.
ولهذا فإن حماية الصحافة المحلية ترتبط بصورة مباشرة بحق السكان في معرفة ما يحدث داخل المؤسسات التي تقدم لهم الخدمات.
النقابة تطالب بوقف الاستدعاءات والإفراج عن الصحفية
طالبت سكرتارية الحريات بنقابة الصحفيين بوقف الاستدعاءات الأمنية المتكررة بحق راشد أوشي وسوسن محمد عثمان.
كما دعت إلى الإفراج عن رشا حسن إذا كانت لا تزال قيد الاحتجاز، وضمان سلامتها وتمكينها من حقوقها القانونية.
وشددت على ضرورة عدم استخدام السلطات الأمنية أو الإدارية والإجراءات القانونية للضغط على الصحفيين بسبب عملهم المهني، مع مساءلة من يثبت تورطه في انتهاكات وفق القانون.
لكن تقييم الاستجابة لهذه المطالب يحتاج إلى متابعة الإجراءات التي ستتخذها الجهات المختصة، وليس الاكتفاء بإعلان المواقف.
وسيكون من المهم الحصول على توضيح رسمي بشأن الأساس القانوني لاستدعاء الصحفيين، وتحديد مكان الاستدعاءات، ومعرفة مصير البلاغ المتعلق برشا حسن، وما إذا كانت قد مُكّنت من الاستعانة بمحامٍ.
كما ينبغي إتاحة الفرصة لمديرة المدرسة المعنية لتوضيح طبيعة اعتراضها على المادة الصحفية، بما يضمن عرض موقف الطرف الآخر دون المساس بحق الصحفية في المعاملة القانونية السليمة.
اختبار لحرية الصحافة وسيادة القانون
تطرح التطورات في النيل الأبيض سؤالًا أساسيًا بشأن مستقبل العمل الصحفي في السودان: هل تستطيع الصحافة مراقبة أداء المؤسسات العامة ونقل شكاوى المواطنين دون أن تتحول الإجراءات الأمنية والبلاغات المتعلقة بالنشر إلى عائق دائم أمام عملها؟
ولا تكفي الإجابة عن هذا السؤال عبر البيانات والتصريحات وحدها، وإنما تتطلب ضمانات عملية تحمي الصحفيين من الاحتجاز التعسفي، وتتيح في الوقت نفسه للأفراد والمؤسسات وسائل عادلة للاعتراض على التغطيات غير الدقيقة.
فحرية الصحافة والمسؤولية المهنية ليستا مبدأين متعارضين، بل ينبغي أن يعزز كل منهما الآخر.
والصحافة التي تلتزم بالتحقق والإنصاف وحق الرد تحتاج إلى بيئة قانونية تسمح لها بالعمل دون خوف، مثلما يحتاج المجتمع إلى مؤسسات قضائية قادرة على معالجة الخلافات بصورة مستقلة وعادلة.
إن قضية الصحفيين في النيل الأبيض لا تتعلق بأسماء ثلاثة صحفيين وحدهم، وإنما بالمساحة المتاحة للصحافة المحلية لمناقشة قضايا المواطنين، وبالحدود الفاصلة بين المساءلة القانونية المشروعة واستخدام الإجراءات على نحو قد يقيد حرية التعبير.
وسيكون المعيار الأهم في الأيام المقبلة هو وضوح الإجراءات، وضمان الحقوق، وتقديم المعلومات للرأي العام، بما يحمي حق الصحفيين في أداء عملهم وحق المواطنين في المعرفة.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات