محررو لقطة AI – 19
26 أكتوبر 2026
كشف تحقيق استقصائي نشرته هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» أدلة جديدة على تعرض المستشفيات والمراكز الصحية في مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، لهجمات متكررة خلال حصار قوات الدعم السريع للمدينة، في وقائع تشير إلى نمط من استهداف البنية الصحية أدى إلى تعطيل الخدمات الطبية وحرمان آلاف المدنيين من العلاج.
ووثق التحقيق ما لا يقل عن 43 هجومًا منفصلًا على مستشفيات ومرافق صحية خلال الفترة من مايو 2024 إلى أكتوبر 2025، تعرض بعضها للقصف مرات عديدة، قبل أن تتمكن قوات الدعم السريع من السيطرة على المدينة في 25 أكتوبر من العام الماضي.
كما كشف التحقيق عن مقتل 55 عاملًا صحيًا وإصابة 120 آخرين، إلى جانب اختفاء أو اختطاف عشرة من العاملين في القطاع الطبي خلال الفترة الممتدة من أبريل 2023 إلى أكتوبر 2025.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة لأنها لا تقتصر على توثيق هجمات منفردة، وإنما تقدم تسلسلًا زمنيًا يوضح كيف فقدت المدينة مرافقها الصحية تدريجيًا، حتى أصبح المستشفى السعودي آخر منشأة رئيسية تقدم خدمات العلاج للسكان المحاصرين.
ووصف مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، نتائج التحقيق بأنها مثيرة للقلق الشديد، مؤكدًا توافقها مع ما وثقه مكتبه بشأن الهجمات المتكررة على المستشفيات والمرافق الطبية المؤقتة.
وأشار إلى أن الاعتداءات على المنشآت المدنية، بما فيها المؤسسات الصحية، قد تشكل جرائم حرب إذا ثبتت ظروفها القانونية ومسؤولية مرتكبيها.
من المستشفى التعليمي إلى المستشفى السعودي
يرسم التحقيق صورة لانهيار متدرج للنظام الصحي في الفاشر.
فمع اندلاع الحرب في أبريل 2023، توقفت خدمات المستشفى التعليمي الرئيسي، وانتقلت أجزاء من نشاطه الطبي إلى المستشفى الجنوبي.
واستمر المستشفى الجنوبي في تقديم العلاج رغم نقص الإمدادات الطبية وانقطاع الكهرباء وتزايد أعداد المصابين.
لكن الوضع تغير بصورة كبيرة مع تشديد قوات الدعم السريع حصارها للمدينة خلال عام 2024.
فقد تعرض المستشفى الجنوبي لقصف متكرر في مايو ويونيو من ذلك العام، قبل اقتحامه في الثامن من يونيو.
ونقل التحقيق شهادات أطباء قالوا إن عناصر من الدعم السريع دخلوا المستشفى واعتدوا على العاملين فيه.
وتحدث مدير المستشفى، الجراح عز الدين أحمد داود، عن تعرضه للضرب والإهانات ذات الطابع العرقي، قبل أن يتمكن من النجاة.
وأدى استمرار الهجمات إلى توقف المستشفى عن العمل، وانتقال الخدمات المتبقية إلى المستشفى السعودي.
لكن الانتقال لم يوفر الحماية المطلوبة.
فبحسب شهادات ستة أطباء تحدثوا إلى بي بي سي، تعرض المستشفى السعودي لقصف متكرر بالمدفعية والطائرات المسيّرة، ووصل عدد الضربات في بعض الأيام إلى نحو 25 ضربة.
كما تعرضت مراكز طبية أصغر للهجمات، بينها مرافق لعلاج الأطفال وغسيل الكلى، حتى بعد نقل بعضها إلى مواقع بديلة.
وتشير هذه الوقائع إلى أن المشكلة لم تكن مجرد تضرر منشأة واحدة نتيجة وقوعها بالقرب من منطقة قتال، وإنما تكرار الهجمات على مواقع استمرت في تقديم العلاج بعد انتقالها.
الأطباء يعالجون المرضى تحت الأرض
اضطر العاملون الصحيون إلى ابتكار وسائل بدائية لمواصلة تقديم الخدمات الطبية.
فقد استخدموا أكياس الرمل لحماية بعض أجزاء المباني، وأنشأوا غرفًا مؤقتة تحت الأرض باستخدام حاويات معدنية، كما نقلوا المرضى بين مواقع مختلفة لتقليل تعرضهم للقصف.
وروى أطباء أن بعض العمليات الجراحية أُجريت في ظروف شديدة الصعوبة، وسط انقطاع الكهرباء ونقص المعدات والأدوية.
ولم تكن سيارات الإسعاف متاحة دائمًا، بعدما تعرض بعضها للتدمير.
وفي إحدى الوقائع التي وثقها التحقيق استنادًا إلى شهادة طبيب، تعرضت عربة يجرها حمار، كانت تنقل مرضى إلى موقع علاجي بديل في أغسطس 2025، لهجوم بطائرة مسيّرة أدى إلى مقتل مريضين وسائق العربة.
كما تحدث التحقيق عن هجوم وقع في مارس من العام نفسه، استهدف أشخاصًا كانوا ينقلون مصابين إلى أحد المراكز الطبية المؤقتة، وأسفر عن مقتل تسعة أشخاص، وفق الشهادة التي جمعها الصحفيون.
وتوضح هذه الوقائع كيف امتد الخطر من المباني الصحية إلى حركة نقل المرضى والجرحى.
فحين تصبح رحلة الوصول إلى العلاج معرضة للقصف، يفقد المدنيون أحد أهم وسائل البقاء خلال الحروب.
هل كان تدمير المستشفيات جزءًا من استراتيجية الحصار؟
يثير التسلسل الذي كشفه التحقيق سؤالًا جوهريًا بشأن أهداف الهجمات.
فقد اعتبر عدد من الأطباء الذين تحدثوا إلى بي بي سي أن ضرب المستشفيات كان يهدف إلى تعطيل الخدمات الأساسية ودفع السكان إلى مغادرة المدينة.
لكن إثبات وجود سياسة عسكرية منظمة لاستهداف القطاع الصحي يحتاج إلى تحقيقات قضائية مستقلة تحدد المسؤولين عن إصدار الأوامر وتنفيذها.
وفي المقابل، رفض علاء الدين نقد، المسؤول عن الصحة في الإدارة المرتبطة بقوات الدعم السريع، نتائج التحقيق، واعتبر الاتهامات جزءًا من حملة تستهدف تشويه صورة القوات.
وادعى أن بعض المنشآت الصحية استُخدمت لأغراض عسكرية.
غير أن بي بي سي أوضحت أنها لم تجد أدلة مستقلة تؤكد الادعاء المتعلق باستخدام المستشفى الجنوبي قاعدة عسكرية، بينما رفضت السلطات الإقليمية في دارفور هذه الاتهامات.
ويظل هذا الخلاف مهمًا من الناحية القانونية.
فالمستشفيات تتمتع بحماية خاصة بموجب القانون الدولي الإنساني، ولا تفقد هذه الحماية لمجرد علاج جرحى ينتمون إلى أحد أطراف النزاع.
كما أن وجود مقاتلين جرحى داخل منشأة طبية لا يجعلها تلقائيًا هدفًا عسكريًا مشروعًا.
وتحتاج أي مزاعم باستخدام مستشفى لتنفيذ أعمال ضارة بالطرف الآخر إلى أدلة محددة، مع مراعاة القواعد القانونية المتعلقة بالإنذار والضرورة والتناسب وحماية المرضى والعاملين.
الذكرى الأولى لسقوط الفاشر تعيد ملف المحاسبة
تأتي نتائج التحقيق بالتزامن مع مرور عام على سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، بعد حصار طويل شهد انتهاكات واسعة بحق المدنيين.
وكانت منظمة الصحة العالمية قد تحدثت عقب سقوط المدينة عن تقارير تفيد بمقتل أكثر من 460 مريضًا ومرافقًا داخل المستشفى السعودي.
ونفت قوات الدعم السريع وقوع مجزرة بهذا الحجم، بينما أثارت صور الأقمار الصناعية وشهادات الناجين مخاوف كبيرة بشأن مصير المرضى والعاملين الذين كانوا داخل المنشأة.
ولا تمثل الحصيلة المذكورة حكمًا قضائيًا نهائيًا بشأن عدد الضحايا أو هوية جميع المسؤولين عن قتلهم.
لكن نتائج التحقيق الجديد تضيف معلومات يمكن أن تساعد الجهات المختصة على إعادة بناء تسلسل الأحداث، وتحديد المواقع التي تعرضت للهجمات، وحصر الشهود والضحايا.
كما أنها تعزز أهمية المحافظة على الأدلة الطبية والوثائق وسجلات المستشفيات، خصوصًا مع استمرار الحرب وصعوبة الوصول إلى مواقع الانتهاكات.
ما الذي تغير بعد عام؟
تقول الإدارة المرتبطة بقوات الدعم السريع إن بعض المنشآت الصحية في الفاشر عادت إلى العمل، ونشرت تسجيلات مصورة تظهر تقديم خدمات طبية داخل المستشفيات.
لكن إعادة فتح مبنى صحي لا تعني بالضرورة استعادة النظام الطبي الذي كان يعمل فيه.
فالمستشفى يحتاج إلى أطباء وممرضين وأدوية ومعدات ومياه وكهرباء، فضلًا عن ضمانات أمنية تسمح للمرضى والعاملين بالوصول إليه دون خوف.
كما أن اختفاء بعض الكوادر الطبية ونزوح آخرين يجعل إعادة بناء الخدمات أكثر تعقيدًا.
ولهذا ينبغي أن تشمل أي عملية تقييم مستقلة للوضع الصحي في الفاشر أعداد المرافق العاملة فعليًا، ونوعية الخدمات المتاحة، وأوضاع الكوادر الطبية، ومدى قدرة المدنيين على الحصول على العلاج.
وسيكون من المهم كذلك معرفة مصير العاملين الصحيين المفقودين، وما إذا كانت الجهات المسيطرة على المدينة ستسمح بوصول فرق دولية مستقلة للتحقق من أوضاع المستشفيات.
إن القيمة الأساسية لتحقيق بي بي سي لا تكمن في عدد الهجمات التي وثقها وحده، وإنما في إظهار العلاقة بين تدمير المؤسسات الصحية وقدرة السكان على البقاء داخل مدينة محاصرة.
فالمستشفى ليس مجرد مبنى يمكن إعادة تشييده بعد انتهاء الحرب، وإنما مؤسسة يعتمد عليها المرضى والجرحى والأطفال والنساء الحوامل وكبار السن.
وحين تتوقف هذه المؤسسة عن العمل، قد يموت أشخاص لم تصبهم القذائف مباشرة، لكنهم حُرموا من العلاج الذي كان يمكن أن ينقذ حياتهم.
وبعد عام على سقوط الفاشر، يبقى السؤال الأهم هو ما إذا كانت الأدلة المتراكمة ستتحول إلى تحقيقات ومحاسبة، أم ستظل شهادات توثق مأساة أخرى دون أن تمنع تكرارها.
فحماية المدنيين لا تبدأ عند توقف المعارك فقط، وإنما تبدأ أيضًا بحماية المؤسسات التي تبقيهم على قيد الحياة.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات