محررو لقطة AI – 7
27 أكتوبر 2026
أعادت زيارة الأمين العام لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي، إلى الخرطوم، الاثنين 26 أكتوبر 2026، ملف التسوية السياسية في السودان إلى واجهة التحركات الدبلوماسية، بعدما أجرى مباحثات مع قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان ورئيس الوزراء كامل إدريس ولجنة تهيئة الحوار السوداني، تناولت جهود إنهاء الحرب وإطلاق عملية سياسية داخل البلاد ودعم إعادة الإعمار.
وتكتسب الزيارة أهميتها من توقيتها، إذ تأتي بعد أكثر من ثلاثة أعوام ونصف من اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وفي ظل استمرار العمليات العسكرية وتعثر المبادرات الدولية والإقليمية الرامية إلى وقف القتال.
وأكد فهمي، خلال لقائه البرهان في القصر الجمهوري بالخرطوم، التزام الجامعة العربية بدعم وحدة السودان وسيادته ومؤسساته الوطنية، مشيرًا إلى أن المنظمة ستواصل اتصالاتها للمساعدة في تحقيق السلام والاستقرار وإعادة الإعمار.
كما أعلن استعداده للاستماع إلى رؤى القوى السودانية بشأن مستقبل العملية السياسية، مؤكدًا أن الحوار ينبغي أن يستند إلى إرادة السودانيين أنفسهم.
وبحسب وكالة السودان للأنباء، شارك في لقاء البرهان وزير الخارجية محيي الدين سالم والقائم بأعمال سفارة السودان لدى مصر عمر الفاروق.
من دعم المؤسسات إلى دعم العملية السياسية
لم تكن مواقف الجامعة العربية الداعمة لوحدة السودان ومؤسساته جديدة، فقد تكررت منذ اندلاع الحرب في بيانات واجتماعات متعددة.
لكن التطور الحالي يتمثل في انتقال الأمين العام إلى الخرطوم لإجراء مشاورات مباشرة مع المسؤولين ولجنة تهيئة الحوار، بدل الاكتفاء بالاتصالات الدبلوماسية والبيانات الصادرة من القاهرة.
ويعكس ذلك رغبة الجامعة في توسيع دورها داخل العملية السياسية السودانية، خصوصًا أنها تشارك في الآلية الخماسية التي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية «إيقاد» والاتحاد الأوروبي.
وتعمل هذه الآلية على تقريب مواقف القوى السودانية وتهيئة الظروف لإطلاق عملية سياسية شاملة.
لكن تعدد الجهات المشاركة في جهود الوساطة لا يمثل ضمانة لنجاحها.
فالتجارب السابقة أظهرت أن كثرة المبادرات قد تتحول إلى عامل إرباك عندما تتنافس الأطراف الإقليمية والدولية على إدارة الملف، أو عندما تختلف تصوراتها بشأن وقف إطلاق النار ومستقبل السلطة وترتيبات الانتقال المدني.
ولهذا فإن أهمية التحرك العربي الجديد ستتحدد بقدرته على دعم مسار سياسي واضح، وليس بإضافة مبادرة أخرى إلى قائمة المبادرات المتعثرة.
الحوار داخل السودان.. فرصة أم عقبة؟
أعلن نبيل فهمي، خلال لقائه لجنة تهيئة الحوار السوداني، دعم الجامعة العربية لإجراء حوار تقوده القوى السودانية داخل البلاد.
وشدد على أهمية الاتفاق المسبق على الترتيبات التنظيمية والموضوعات التي ستناقش، ووضع خطة عمل تسمح بإحراز تقدم تدريجي.
كما دعا إلى استيعاب الآراء المختلفة، مع احترام سيادة الدولة ومؤسساتها.
وهنا تظهر إحدى أكثر القضايا حساسية.
فإجراء الحوار داخل السودان قد يمنحه ارتباطًا مباشرًا بالمجتمع والمؤسسات الوطنية، لكنه يطرح في الوقت نفسه أسئلة بشأن قدرة القوى السياسية الموجودة خارج البلاد على المشاركة بحرية وأمان.
كما أن استمرار الحرب والاعتقالات والقيود السياسية في بعض المناطق قد يجعل المشاركة المتكافئة أمرًا صعبًا.
ولا يكفي إعلان أن الحوار سوداني القيادة والملكية حتى يصبح شاملًا بالفعل.
فالشمول يتطلب ضمانات قانونية وسياسية وأمنية تسمح بمشاركة القوى المدنية والأحزاب والنقابات والمجموعات النسوية والشبابية وممثلي المناطق المتضررة من الحرب.
كما يتطلب وضوحًا بشأن الجهة التي ستحدد المشاركين، وطريقة اتخاذ القرارات، ومدى إلزامية النتائج التي سيصل إليها الحوار.
وقد بدأت لجنة تهيئة الحوار خلال سبتمبر الماضي توجيه الدعوات إلى قوى سياسية ومجتمعية، في خطوة أولية نحو إطلاق العملية السياسية.
لكن الوصول إلى توافق وطني سيظل مرتبطًا بمدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات متبادلة بشأن مستقبل الحكم وإصلاح المؤسسات.
السلام السياسي والحرب العسكرية
تواجه المبادرة العربية معضلة أساسية تتمثل في استمرار الحرب بينما تجري التحضيرات للحوار.
فالحكومة السودانية تؤكد انفتاحها على جهود السلام التي تحفظ وحدة البلاد وسيادتها، لكنها تتمسك بشروط تتعلق بإنهاء الوجود العسكري لقوات الدعم السريع ونزع سلاحها.
وفي المقابل، لم تظهر حتى الآن تفاهمات عسكرية شاملة تضمن وقف إطلاق النار وتنفيذ ترتيبات أمنية قابلة للتحقق.
ويعني ذلك أن الحوار السياسي قد يبدأ في بيئة لا تزال فيها المعارك مستمرة، وهو ما يضعف فرص التوصل إلى تسوية مستقرة.
كما أن الحرب لم تعد مجرد خلاف بين قيادتين عسكريتين، بل تحولت إلى أزمة شاملة تتداخل فيها المصالح الاقتصادية والقبلية والإقليمية، وتؤثر في ملايين المدنيين.
ومن الصعب بناء توافق سياسي مستدام دون معالجة قضايا العدالة والمساءلة وحماية المدنيين وإعادة النازحين واللاجئين.
وتزداد أهمية هذه الملفات بعد الانتهاكات الواسعة التي شهدتها دارفور وكردفان والخرطوم ومناطق أخرى.
إعادة الإعمار قبل انتهاء الحرب
تناولت مباحثات فهمي مع المسؤولين السودانيين كذلك دعم إعادة الإعمار.
ويحمل هذا الملف أهمية اقتصادية واجتماعية كبيرة، خصوصًا مع عودة بعض المؤسسات الحكومية إلى الخرطوم ومحاولات استئناف النشاط الاقتصادي في المناطق التي تراجعت فيها المعارك.
لكن إعادة الإعمار لا يمكن اختزالها في ترميم المباني والطرق والمرافق الحكومية.
فالسودان يحتاج إلى إعادة تأهيل المستشفيات والمدارس وشبكات الكهرباء والمياه، واستعادة النشاط الزراعي والصناعي، وتوفير فرص العمل للأسر التي فقدت مصادر دخلها.
كما يحتاج إلى مؤسسات رقابية تضمن عدم تحول أموال الإعمار إلى موارد تستفيد منها شبكات الفساد واقتصاد الحرب.
وتبرز هنا إمكانية مساهمة الدول العربية في التمويل والاستثمار والخدمات الفنية.
غير أن نجاح هذه المساهمات سيعتمد على وجود بيئة أمنية مستقرة وخطط اقتصادية واضحة ومؤسسات مدنية قادرة على إدارة الموارد بشفافية.
ما الذي تغير وما الذي ينبغي متابعته؟
يتمثل التطور الجديد في انتقال الجامعة العربية إلى مرحلة المشاورات المباشرة داخل الخرطوم، مع إعلان دعمها لترتيبات الحوار السوداني وإعادة الإعمار.
كما أن لقاء الأمين العام بقائد الجيش ورئيس الوزراء ولجنة الحوار يمنح الزيارة أهمية تتجاوز الجانب البروتوكولي.
لكن لم يُعلن حتى الآن عن اتفاق جديد لوقف إطلاق النار، أو جدول زمني نهائي للحوار، أو ترتيبات ملزمة تضمن مشاركة جميع القوى السياسية.
وسيكون من المهم متابعة ما إذا كانت الجامعة العربية ستقدم خطة عملية تتضمن مواعيد محددة وآليات تنفيذ، ومدى تنسيقها مع الآلية الخماسية والجهود الدولية الأخرى.
كما ينبغي معرفة موقف القوى المدنية الموجودة خارج السودان من ترتيبات الحوار المقترحة.
إن السودان لا يعاني نقصًا في المبادرات السياسية بقدر ما يعاني غياب الاتفاق على شروط إنهاء الحرب وإدارة المرحلة الانتقالية.
ولهذا فإن زيارة نبيل فهمي تمثل فرصة دبلوماسية تستحق المتابعة، لكنها لن تصبح تحولًا حقيقيًا إلا إذا ساعدت على تقريب المواقف وفتح الطريق أمام وقف القتال واستعادة الحكم المدني.
فالمعيار الذي ينبغي أن تقاس به أي مبادرة جديدة ليس عدد الاجتماعات التي تعقدها، وإنما قدرتها على تقليل معاناة المواطنين وإعادة الأمن إلى حياتهم.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات