محررو لقطة AI – 7
27 أكتوبر 2026
تواجه العاصمة السودانية الخرطوم موجة جديدة من الضغوط المعيشية، بعدما تسبب شح الوقود في اضطراب حركة المواصلات العامة وارتفاع تعرفة عدد من الخطوط، بالتزامن مع زيادات في أسعار الدقيق ومدخلات المخابز، وسط تحذيرات من احتمال وصول سعر قطعة الخبز الواحدة إلى ألف جنيه سوداني.
وتأتي التطورات في وقت تحاول فيه العاصمة استعادة جانب من نشاطها الاقتصادي والخدمي بعد سنوات من الحرب، بينما يواجه السكان العائدون إليها واقعًا تتزايد فيه تكاليف النقل والغذاء والخدمات الأساسية، دون تحسن مماثل في مستويات الدخل.
وكشفت تقارير نشرتها «سودان تربيون» و«راديو دبنقا» الأحد 25 أكتوبر عن ارتفاع جديد في أسعار الدقيق، واضطرابات في إمدادات الوقود، وشكاوى من ندرة المركبات العاملة في خطوط المواصلات.
وقال نائب رئيس اتحاد المخابز، عصام عكاشة، إن سعر الدقيق ارتفع إلى 191 ألفًا و500 جنيه، وإن الزيادة شملت الشركات الموردة، إلى جانب ارتفاع تكاليف الخميرة والزيوت والغاز والجازولين.
وتوقع أن يصل سعر قطعة الخبز إلى ألف جنيه إذا استمرت الزيادات الحالية. غير أن هذا السعر يظل توقعًا وليس سعرًا معتمدًا أو مطبقًا بصورة عامة في الخرطوم حتى وقت إعداد المادة.
المواصلات تتحول إلى عبء يومي
لم يعد الحصول على وسيلة نقل داخل الخرطوم أمرًا يسيرًا بالنسبة إلى كثير من المواطنين.
فقد أدت ندرة الوقود إلى اصطفاف المركبات أمام محطات الخدمة، وانخفاض أعداد الحافلات العاملة في بعض الخطوط، ما اضطر الركاب إلى الانتظار لفترات طويلة.
ونقلت «سودان تربيون» عن مواطنين ارتفاع تعرفة خط مستشفى شرق النيل إلى العربي من ثلاثة آلاف إلى خمسة آلاف جنيه، بينما ارتفعت تعرفة خط المحطة الوسطى بحري إلى شارع عبيد ختم من ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف جنيه.
ووصلت تعرفة الرحلة من الوادي الأخضر إلى منطقة السوق المركزي إلى سبعة آلاف جنيه.
وتكشف هذه الزيادات عن تفاوت كبير في تكاليف التنقل داخل العاصمة، بحسب طول الرحلة وتوافر المركبات وحجم الطلب على المواصلات.
وبالنسبة إلى العامل الذي يحتاج إلى رحلتين يوميًا بتعرفة خمسة آلاف جنيه لكل رحلة، فإن تكلفة الذهاب والعودة تبلغ عشرة آلاف جنيه يوميًا، أي نحو 220 ألف جنيه خلال 22 يوم عمل.
ولا تشمل هذه التكلفة المواصلات الإضافية أو انتقال أفراد الأسرة الآخرين.
ومع تراجع القدرة الشرائية وعدم انتظام الرواتب لدى بعض العاملين، قد تصبح المواصلات سببًا في تقليص أيام العمل أو البحث عن وسائل نقل بديلة أقل تكلفة.
السوق الموازية تزيد الأزمة تعقيدًا
يعزو سائقون الأزمة إلى ندرة الوقود في المحطات الرسمية وارتفاع أسعاره في السوق الموازية.
ونقلت «سودان تربيون» عن أحد السائقين أن سعر غالون الجازولين بلغ 80 ألف جنيه، مقابل 70 ألف جنيه للبنزين في السوق غير الرسمية.
ولا تمثل هذه الأسعار بالضرورة متوسطًا موحدًا في جميع أنحاء العاصمة، لكنها تعكس مستويات مرتفعة أبلغ عنها عاملون في قطاع النقل.
وتؤثر هذه الزيادات في تكلفة تشغيل المركبات، خصوصًا الحافلات التي تعتمد على الجازولين وتحتاج إلى كميات منتظمة منه لمواصلة العمل.
فحين يضطر السائق إلى شراء الوقود بأسعار مرتفعة، ترتفع تكلفة الرحلة، بينما يؤدي الانتظار الطويل أمام المحطات إلى انخفاض عدد الرحلات اليومية.
وتنشأ بذلك حلقة اقتصادية معقدة: نقص الوقود يقلل المعروض من المواصلات، وندرة المركبات تزيد التعرفة، ثم تؤدي زيادة الأجرة إلى تراجع قدرة المواطنين على التنقل.
ولا يتوقف الأثر عند الركاب، لأن انخفاض حركة المواصلات يؤثر كذلك في الأسواق وأماكن العمل والمؤسسات التعليمية والصحية.
الخبز يدخل دائرة الغلاء
بالتزامن مع أزمة الوقود، تواجه المخابز ضغوطًا متزايدة بسبب ارتفاع أسعار الدقيق ومدخلات الإنتاج.
ونقل «راديو دبنقا» عن أصحاب مخابز أن سعر جوال الدقيق زنة 25 كيلوغرامًا ارتفع من نحو 165 ألف جنيه إلى 190 ألفًا و500 جنيه، وفق الأسعار التي رصدها التقرير.
وتختلف هذه القيمة قليلًا عن السعر الذي نقله تقرير «سودان تربيون»، ما يرجح وجود فروق بين الموردين أو توقيتات التسعير.
وتكشف هذه الزيادات عن ارتفاع ملحوظ في أحد أهم عناصر تكلفة إنتاج الخبز، إلى جانب الوقود والزيوت والخميرة وأجور العمال والنقل.
لكن تحديد السعر العادل لقطعة الخبز لا يعتمد على الدقيق وحده، بل يحتاج إلى معرفة وزن القطعة، وعدد الأرغفة المنتجة من الجوال، وتكلفة الطاقة والتشغيل، وهوامش الربح والتوزيع.
ولهذا فإن توقع وصول السعر إلى ألف جنيه يحتاج إلى متابعة الأسعار الفعلية داخل المخابز خلال الأيام المقبلة.
وفي ولاية النيل الأزرق، أفاد «راديو دبنقا» بأن السلطات في الدمازين سمحت ببيع قطعتين من الخبز مقابل ألف جنيه، وهو تطور يوضح اختلاف الأسعار والسياسات المحلية بين الولايات.
ولا ينبغي الخلط بين هذا القرار وبين التوقعات المتعلقة بسعر القطعة الواحدة في الخرطوم.
لماذا تتكرر الأزمة رغم الإجراءات الحكومية؟
كانت اللجنة العليا للطوارئ وإدارة الأزمة بولاية الخرطوم قد عقدت اجتماعًا في 21 أكتوبر، برئاسة الوالي أحمد عثمان حمزة، لمناقشة استمرار شح الوقود وآثاره على المواطنين والخدمات.
وأقرت اللجنة ضوابط لتنظيم توزيع الكميات المتاحة، بينها تحديد سقف للتزود بالوقود، ومنع تعبئته خارج خزانات المركبات، وتخصيص محطات لفئات محددة، مع اتخاذ إجراءات تتعلق بالمركبات غير المرخصة.
كما ناقشت التوسع في مراكز البيع المخفض والتنسيق مع المؤسسة التعاونية الوطنية للمساهمة في استقرار أسعار الخبز.
لكن استمرار الصفوف وارتفاع تعرفة المواصلات بعد الاجتماع يشيران إلى أن الإجراءات التنظيمية لم تنعكس بعد في تحسن كافٍ يشعر به جميع المواطنين.
فإدارة الكميات المتاحة قد تساعد على تقليل التكدس أو تحسين عدالة التوزيع، لكنها لا تعوض النقص الفعلي إذا كانت الإمدادات أقل من احتياجات السوق.
ويظل السؤال الأساسي متعلقًا بحجم الوقود الذي يصل إلى الخرطوم، وقدرة المستودعات وشركات التوزيع على توفيره بصورة منتظمة، ومدى فاعلية الرقابة على السوق الموازية.
الحرب تعيد تشكيل تكلفة الحياة
لا يمكن فصل أزمة الوقود الحالية عن الأضرار التي لحقت بالاقتصاد السوداني منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
فقد تضررت منشآت نفطية وشبكات نقل وتوزيع، بينما تعطلت أجزاء من النشاط الإنتاجي والتجاري، وأصبح الاقتصاد أكثر اعتمادًا على الواردات في ظروف تتسم بتقلب أسعار الصرف وارتفاع تكاليف الشحن.
وفي تقرير نشرته الجزيرة يوم 24 أكتوبر، تحدث سائقون وعاملون في بورتسودان عن اضطرارهم إلى قضاء ساعات طويلة أمام محطات الوقود، بدلًا من استثمار الوقت في العمل.
كما نقل التقرير عن عاملين في قطاع التجارة أن ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل أدى إلى زيادة تكلفة توزيع السلع، وتقليص عدد الرحلات التي تنفذها المركبات التجارية.
وتؤكد هذه الشهادات أن الأزمة لا تقتصر على الخرطوم، بل ترتبط بمشكلة أوسع تؤثر في عدة ولايات، وإن اختلفت حدتها وأسعارها من منطقة إلى أخرى.
وتزداد المشكلة تعقيدًا مع انخفاض قيمة الجنيه السوداني، لأن استيراد الوقود والمواد الخام يحتاج إلى العملات الأجنبية، بينما يحصل معظم المواطنين على دخولهم بالعملة المحلية.
وهكذا تتراجع القدرة الشرائية حتى عندما تظل الأجور ثابتة اسميًا، لأن تكلفة الاحتياجات الأساسية ترتفع بوتيرة أسرع.
عودة السكان تصطدم بارتفاع الأسعار
تمثل الأزمة اختبارًا إضافيًا للعاصمة التي تسعى إلى استعادة سكانها ومؤسساتها الاقتصادية والخدمية.
فعودة الأسر إلى الخرطوم لا تتوقف على توفر المنازل أو انخفاض حدة العمليات العسكرية وحدهما، وإنما تحتاج إلى وسائل نقل منتظمة، ومياه وكهرباء، وأسواق تعمل بصورة طبيعية، وخدمات صحية وتعليمية يمكن الوصول إليها.
وحين ترتفع تكلفة المواصلات والخبز في وقت واحد، تتعرض ميزانيات الأسر لضغط مزدوج.
فالمواطن الذي يخصص جزءًا كبيرًا من دخله للتنقل قد يضطر إلى تقليل إنفاقه على الغذاء أو العلاج، بينما تواجه الأسر الكبيرة زيادة يومية في تكلفة شراء الخبز.
كما أن أصحاب الأعمال الصغيرة يتأثرون بارتفاع تكاليف نقل البضائع وتشغيل المولدات والمركبات، ما قد يدفعهم إلى زيادة أسعار منتجاتهم أو تقليص نشاطهم.
وتكشف هذه العلاقة بين الوقود والخبز والمواصلات أن الأزمة ليست مجموعة من الزيادات المنفصلة، بل سلسلة مترابطة من التكاليف تنتقل من الطاقة إلى الإنتاج والنقل ثم إلى المستهلك.
ما الذي ينبغي أن تفعله السلطات؟
تحتاج معالجة الأزمة إلى إجراءات قصيرة الأجل تضمن وصول الوقود إلى وسائل النقل العام والمخابز والخدمات الأساسية، إلى جانب حلول أوسع تعالج مشكلات الإمداد والتوزيع والاستيراد.
كما أن نشر بيانات منتظمة عن الكميات الواردة إلى الولاية والموزعة على المحطات قد يساعد على تقليل الشائعات وتعزيز الرقابة على الأسواق.
ومن الضروري كذلك توضيح الأسس التي تُحدد بموجبها تعرفة المواصلات، حتى لا تتحول الخلافات بين السائقين والركاب إلى مصدر توتر يومي.
أما في قطاع الخبز، فإن أي تدخل لضبط الأسعار ينبغي أن يراعي تكلفة الإنتاج الفعلية، لأن فرض أسعار لا تغطي التكلفة قد يؤدي إلى توقف بعض المخابز، بينما يؤدي ترك الأسعار دون رقابة أو شفافية إلى تحميل المستهلك أعباء يصعب تحملها.
وسيكون من المهم خلال الأيام المقبلة متابعة ما إذا كانت الزيادات الجديدة في الدقيق ستنعكس بالفعل على سعر قطعة الخبز، وما إذا كانت إجراءات ولاية الخرطوم ستنجح في تقليل صفوف الوقود واستعادة انتظام المواصلات.
إن ما يجري في الخرطوم يكشف أن التعافي من الحرب لا يقاس فقط بعودة المؤسسات وفتح الطرق والأسواق، وإنما بقدرة المواطنين على تحمل تكلفة الحياة اليومية.
فإذا أصبحت رحلة العمل عبئًا ماليًا، وارتفع الخبز إلى مستويات تتجاوز قدرة الأسر، فإن العودة إلى الحياة الطبيعية ستظل محدودة مهما اتسعت مظاهر النشاط في المدينة.
وتبقى الأولوية في هذه المرحلة لضمان توفر السلع والخدمات الأساسية بأسعار يمكن تحملها، ومعالجة الاختلالات التي تجعل المواطن يدفع بصورة متكررة ثمن الحرب وتراجع الإنتاج واضطراب الإمدادات.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات