محور أسمرا.. كيف تحولت العاصمة الإريترية إلى إحدى ساحات التأثير في السياسة السودانية؟ (1)
قراءة في التحولات الصامتة التي أعادترسم مراكز النفوذ السودانية
عبود النصيح
لم تكن العاصمة الإريترية أسمرا يوماً مجرد مدينة مجاورة للسودان، بل تحولت خلال العقود الثلاثة الماضية إلى واحدة من أكثر المدن حضوراً في تفاصيل المشهد السياسي السوداني، حتى وإن كانت بعيدة عن صخب الخرطوم .
فكلما دخل السودان مرحلة اضطراب سياسي كبير، عاد اسم أسمرا إلى الواجهة مرة أخرى، سواء كمنصة للمعارضة، أو ساحة للتفاوض، أو بوابة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية.
ورغم أن مصطلح “محور أسمرا” لا يشير إلى كيان رسمي أو تحالف معلن، إلا أنه أصبح تعبيراً سياسياً متداولاً يصف شبكة المصالح والعلاقات التي تشكلت بين قوى سودانية مختلفة والدولة الإريترية عبر سنوات طويلة.
البداية.. عندما غادرت المعارضة الخرطوم
في تسعينيات القرن الماضي، أصبحت أسمرا المقر الأبرز للتجمع الوطني الديمقراطي، وهو التحالف الذي ضم أحزاباً سياسية وحركات مسلحة معارضة لحكومة الرئيس السابق عمر البشير.
وضم ذلك التحالف قوى سياسية وعسكرية متعددة، أبرزها الحزب الاتحادي الديمقراطي، وحزب الأمة القومي، والحزب الشيوعي السوداني، والحركة الشعبية لتحرير السودان، إضافة إلى تنظيمات شرق السودان.
وفي ذلك الوقت، لم تكن إريتريا مجرد مستضيف سياسي، بل أصبحت لاعباً مباشراً في معادلة الصراع السوداني.
أسمرا وصناعة الأفكار الكبرى
في عام 1995 استضافت أسمرا اجتماعاً تاريخياً للمعارضة السودانية خرج بما عرف لاحقاً بـ”مقررات أسمرا للقضايا المصيرية”.
وهي وثيقة لا يزال أثرها ممتداً حتى اليوم، لأنها ناقشت ملفات شديدة الحساسية مثل:
- علاقة الدين بالدولة.
- إعادة هيكلة الدولة السودانية.
- نظام الحكم الفيدرالي.
- مستقبل المؤسسة العسكرية.
- حق تقرير المصير لجنوب السودان.
وبعد أكثر من ثلاثين عاماً، لا تزال كثير من تلك الأسئلة مطروحة على الطاولة السودانية حتى هذه اللحظة.
شرق السودان.. بوابة النفوذ الجديدة
مع مرور الوقت، انتقلت أسمرا من استضافة المعارضة إلى إدارة ملفات أكثر تعقيداً، خصوصاً في شرق السودان.
وفي عام 2006 لعبت دوراً محورياً في اتفاق سلام شرق السودان، الذي أنهى سنوات من التوتر المسلح في المنطقة.
ومنذ ذلك الوقت، أصبحت إريتريا تنظر إلى شرق السودان باعتباره امتداداً مباشراً لأمنها القومي.
لماذا تعود أسمرا دائماً؟
الإجابة تكمن في الجغرافيا.
إريتريا تدرك أن استقرار السودان ليس ملفاً خارجياً بالنسبة لها، بل قضية ترتبط مباشرة بأمن حدودها ومصالحها الاقتصادية والسياسية.
كما أن السودان يمثل جزءاً من معادلة أكبر ترتبط بالبحر الأحمر، الذي تحول خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أهم مسارح التنافس الإقليمي والدولي.
ولهذا السبب، لم تغب أسمرا عن المشهد السوداني حتى في الفترات التي بدا فيها حضورها أقل وضوحاً.
هل يوجد فعلاً ما يسمى بمحور أسمرا؟
بالمعنى السياسي الواسع، نعم.
لكن ليس باعتباره تنظيماً أو تحالفاً رسمياً، بل باعتباره شبكة متغيرة من العلاقات والتحالفات والمصالح التي تتبدل وفقاً للظروف السياسية والأمنية.
وهذا ما يجعل أسمرا حاضرة باستمرار في المشهد السوداني، حتى عندما تبدو بعيدة عن الأضواء.
ما بعد التاريخ
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد متعلقاً بالماضي، بل بالمستقبل.
هل تعود أسمرا لتلعب دوراً جديداً في إعادة تشكيل المشهد السوداني؟
وهل بدأت صناعة القرار السوداني تنتقل تدريجياً من الخرطوم إلى مراكز نفوذ جديدة على امتداد البحر الأحمر؟
أسئلة سنناقشها في الجزء الثاني من هذه السلسلة:
محور أسمرا الجديد.. هل يُعاد تشكيل التحالفات السودانية من بوابة البحر الأحمر .



إرسال التعليق