محررو لقطة AI
3 نوفمبر 2026
لا يمكن فهم أزمة الهوية في السودان باعتبارها خلافاً ثقافياً أو تنازعاً حول الانتماءات وحدها؛ فهي ترتبط، في جوهرها، بكيفية توزيع السلطة والثروة، وبمن يمتلك حق تعريف الدولة وتحديد موقع الجماعات المختلفة داخلها. ومن هذا المنظور تكتسب رؤية المفكر والدبلوماسي السوداني فرانسيس دينق أهميتها، لأنها تنقل النقاش من سؤال: «من نحن؟» إلى سؤال أكثر عمقاً: «كيف تُدار الدولة، ولمن تُتاح مواردها وسلطتها؟».
ملاحظة تحريرية: العنوان يلخص الفكرة الأساسية في كتابات فرانسيس دينق عن الهوية السودانية، ولا نقدمه باعتباره اقتباساً حرفياً موثقاً عنه. ففي كتابه War of Visions: Conflict of Identities in the Sudan، الصادر عام 1995، ربط دينق مسألة الهوية بالمشاركة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبكيفية توزيع السلطة والموارد.
الهوية ليست مجرد انتماء
في كتابه «حرب الرؤى»، يطرح دينق أزمة الهوية بوصفها صراعاً بين تصورات مختلفة للسودان، لا مجرد اختلاف بين جماعات عرقية أو دينية. فهناك سؤال يتعلق بكيفية تعريف الدولة لنفسها: هل تقوم على هوية عربية إسلامية واحدة، أم تعترف بتعدد مكوناتها الأفريقية والعربية والثقافية والدينية، وتبني على هذا التنوع هوية وطنية مشتركة؟
تكمن أهمية هذا الطرح في أنه لا يتعامل مع الهوية باعتبارها صفة ثابتة يولد بها الإنسان، وإنما باعتبارها علاقة تتشكل أيضاً من خلال اعتراف الدولة بالمواطنين، وموقعهم في مؤسساتها، وقدرتهم على المشاركة في صنع القرار والحصول على نصيب عادل من الفرص والموارد.
ومن هنا يصبح الصراع حول الهوية متصلاً بالصراع حول السلطة والثروة. فعندما تحتكر مجموعة محددة القرار السياسي والموارد الاقتصادية، وتظل مناطق واسعة على هامش التنمية والخدمات والتمثيل، تتحول الاختلافات الثقافية والإثنية إلى خطوط انقسام سياسي واجتماعي. ولا يعود السؤال متعلقاً بالانتماء وحده، بل بما يترتب على هذا الانتماء من حقوق أو تهميش.
دولة المركز والأطراف
تاريخياً، واجه السودان مشكلة عميقة في بناء دولة تستوعب تنوعه الجغرافي والثقافي. فمنذ الاستقلال عام 1956، ظلت العلاقة بين المركز والأقاليم من أبرز مصادر التوتر، مع استمرار تركيز جانب كبير من السلطة السياسية والاقتصادية في العاصمة ومحيطها، مقابل شعور مناطق أخرى بالتهميش وضعف المشاركة في إدارة شؤون البلاد.
ولم تكن الحروب التي شهدها السودان في الجنوب ودارفور ومناطق أخرى مجرد مواجهات عسكرية منفصلة عن هذه الأزمة. فقد ارتبطت، بدرجات مختلفة، بمطالب تتعلق بالتمثيل السياسي، والاعتراف بالخصوصيات الثقافية، وتقاسم الموارد، وإعادة تنظيم العلاقة بين المركز والأقاليم.
وفي قراءته للصراع بين شمال السودان وجنوبه، حذر دينق من اختزال الهوية في تصنيفات متقابلة، مثل العربي والأفريقي أو المسلم والمسيحي. فالمجتمع السوداني أكثر تعقيداً من هذه الثنائيات، والتداخل الثقافي والاجتماعي بين مكوناته يجعل بناء هوية وطنية جامعة أمراً ممكناً إذا توفرت الإرادة السياسية والمؤسسات العادلة.
كيف تحولت الهوية إلى أداة للصراع؟
تظهر خطورة أزمة الهوية عندما تستخدم النخب السياسية الانتماءات الثقافية والعرقية والدينية لحشد الأنصار، أو لتبرير احتكار السلطة، أو لإقصاء المنافسين. وفي هذه الحالة لا تكون الهوية مجرد تعبير عن التنوع، بل تتحول إلى أداة لتحديد من يحق له الحكم، ومن يُنظر إليه باعتباره جزءاً أصيلاً من الدولة، ومن يُدفع إلى موقع المواطن الأقل حضوراً وتأثيراً.
وقد ساهمت هذه الممارسات في تعميق انعدام الثقة بين مكونات المجتمع، وأضعفت فرص بناء مؤسسات وطنية تحظى بشرعية واسعة. كما جعلت بعض النزاعات المحلية أكثر قابلية للتحول إلى صراعات مسلحة، خصوصاً عندما تتداخل المنافسة على الأرض والموارد مع التمييز السياسي والاجتماعي.
ويكتسب هذا التحليل أهمية إضافية في ظل الحرب الحالية، التي اندلعت في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع. فرغم أن الحرب بدأت في سياق صراع على السلطة والسيطرة العسكرية ومؤسسات الدولة، فإن امتداداتها الاجتماعية والمناطقية، وما صاحبها من تعبئة على أسس إثنية وخطابات إقصائية، كشفت هشاشة البناء الوطني السوداني. ولا يمكن اختزال الحرب كلها في أزمة الهوية، لكنها لا يمكن أيضاً فصلها عن تاريخ طويل من اختلال توزيع السلطة والثروة.
الحرب الحالية تعيد طرح السؤال القديم
أعادت الحرب إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً: هل يمكن بناء دولة سودانية مستقرة بينما تظل السلطة والثروة ومؤسسات القوة موضع تنازع بين مراكز سياسية وعسكرية واجتماعية متنافسة؟
إن استمرار الحرب لا يهدد وحدة الأراضي السودانية فحسب، بل يهدد أيضاً الروابط الاجتماعية التي تشكلت عبر عقود من التعايش والتداخل بين السكان. فالنزوح الواسع، وتدمير المدن، والانتهاكات ذات الطابع الإثني، وانتشار خطاب الكراهية، كلها عوامل تزيد صعوبة استعادة الثقة بين المجتمعات المحلية.
وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن وقف إطلاق النار ضرورياً، لكنه لا يكفي وحده لمعالجة جذور الأزمة. فالتسوية التي تعيد توزيع المناصب بين القوى المسلحة والسياسية من دون معالجة اختلالات الدولة قد تؤجل الصراع بدلاً من إنهائه. كما أن أي مشروع لإعادة بناء السودان لا يمكن أن ينجح إذا اقتصر على تقاسم السلطة بين النخب، وأهمل مطالب الأقاليم والمجتمعات التي ظلت خارج دوائر القرار.
ما الذي يعنيه بناء هوية سودانية مشتركة؟
تقدم أفكار دينق مدخلاً مهماً للتفكير في مستقبل السودان، يقوم على الاعتراف بالتنوع بدلاً من محاولة صهره في هوية واحدة مفروضة. ويتطلب ذلك بناء نظام سياسي يضمن المشاركة العادلة، وتوزيع الموارد وفق معايير واضحة، وتوسيع صلاحيات الأقاليم، وإقامة مؤسسات وطنية لا تخضع للولاءات العرقية أو الجهوية أو الحزبية.
كما يتطلب إعادة تعريف المواطنة بحيث تكون الحقوق والواجبات مرتبطة بالانتماء إلى الدولة، لا بالقبيلة أو المنطقة أو الدين أو القرب من السلطة. فالمواطن في دارفور أو النيل الأزرق أو الشرق أو الشمال أو الوسط ينبغي أن يمتلك الحقوق نفسها في التعليم والصحة والأمن والتمثيل السياسي والفرص الاقتصادية.
وقد طرح دينق، ضمن الحلول التي ناقشها، بناء هوية مشتركة تستوعب العناصر العربية والأفريقية في المجتمع السوداني، مع إتاحة صيغ مرنة للحكم والتعايش إذا تعذر فرض نموذج مركزي موحد. وكان جوهر هذا الطرح أن الوحدة لا تستمر بالقوة أو بإنكار الاختلاف، وإنما تحتاج إلى نظام يشعر فيه المواطنون بأنهم شركاء متساوون في الدولة.
إن أزمة السودان، بهذا المعنى، ليست أزمة هوية بمعزل عن السياسة والاقتصاد، بل أزمة دولة لم تنجح في تحويل التنوع إلى أساس للمواطنة المتساوية. ولذلك فإن إنهاء الحرب وإعادة بناء المؤسسات لن يكونا كافيين ما لم يصاحبهما اتفاق وطني جديد حول من يحكم، وكيف تُوزع الثروة، وما الحقوق التي تضمنها الدولة لجميع مواطنيها.
فالسودان لا يحتاج إلى هوية تلغي هويات مواطنيه، بل إلى دولة تجعل اختلافاتهم جزءاً من قوتها، وتمنحهم شعوراً حقيقياً بأنهم متساوون في ملكيتها ومستقبلها.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات