محور أسمرا الجديد.. هل يُعاد تشكيل التحالفات السودانية من بوابة البحر الأحمر؟ (2)
كيف تحولت العاصمة الإريترية إلى إحدى ساحات التأثير في السياسة السودانية؟
عبود النصيح
بينما تستمر الحرب السودانية في إعادة رسم موازين القوى داخل البلاد، تتحرك في المقابل تحولات أخرى بهدوء خارج حدود السودان، قد تكون أكثر تأثيراً في تحديد شكل المرحلة القادمة.
ولعل أبرز هذه التحولات يتمثل في عودة أسمرا إلى قلب المشهد السياسي الإقليمي، ولكن بصورة مختلفة عن السابق.
فالمسألة لم تعد مرتبطة بعلاقات ثنائية بين الخرطوم وأسمرا، ولا حتى بالدور الإريتري التقليدي في ملفات الجوار، بل أصبحت جزءاً من معادلة أكبر يُعاد تشكيلها على امتداد البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وهنا يبرز سؤال جديد: هل تتحول بوابة البحر الأحمر إلى المدخل الحقيقي لإعادة تشكيل التحالفات السودانية؟
البحر الأحمر ينتقل إلى مركز المشهد
للمرة الأولى منذ عقود، لم تعد الخرطوم وحدها تمثل مركز الثقل في الملف السوداني.
فالحرب دفعت تدريجياً باتجاه انتقال جزء من الاهتمام السياسي والأمني والاقتصادي نحو الساحل الشرقي للسودان، ليصبح البحر الأحمر أحد أهم عناصر المعادلة الجديدة.
ولم يعد الأمر متعلقاً بالموانئ فقط، بل بمنظومة متكاملة تشمل:
● التجارة العالمية.
● أمن الطاقة.
● الممرات البحرية.
● حركة الاستثمارات.
● التوازنات العسكرية في المنطقة.
وهنا تتضاعف أهمية السودان بصورة غير مسبوقة.
حسابات إريتريا الأمنية
تنظر أسمرا إلى السودان باعتباره جزءاً مباشراً من أمنها القومي.
فأي اضطراب طويل الأمد داخل السودان قد ينتج تداعيات تتجاوز الحدود الجغرافية لتطال مجمل التوازنات الإقليمية.
وتراقب إريتريا عدة ملفات في آن واحد:
● استقرار شرق السودان.
● أمن الحدود المشتركة.
● حركة الجماعات المسلحة.
● مستقبل التوازنات داخل القرن الأفريقي.
ولذلك لا تتحرك من موقع الوسيط التقليدي، بقدر ما تتحرك من موقع الشريك المتأثر بما يجري داخل السودان.
تنافس إقليمي يتجاوز الحرب نفسها
ربما تكون هذه واحدة من أهم التحولات التي فرضتها الحرب السودانية.
فالأطراف الإقليمية لم تعد تتابع فقط تطورات المعارك، بل بدأت تستعد منذ الآن لمرحلة ما بعد الحرب.
وهنا تتداخل مصالح عدة أطراف.
فمصر تنظر إلى استقرار السودان باعتباره امتداداً لأمنها القومي.
والسعودية تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره شرياناً استراتيجياً لأمن المنطقة.
أما الإمارات فتتابع ملفات الموانئ وسلاسل الإمداد والاستثمارات.
فيما تراقب إثيوبيا بدورها أي تغيرات قد تعيد تشكيل موازين القوى في القرن الأفريقي.
وفي وسط كل هذه الحسابات، يتحول السودان تدريجياً إلى نقطة ارتكاز إقليمية جديدة.
شرق السودان.. من الهامش إلى مركز التأثير
ربما تكون الحرب قد منحت شرق السودان ثقلاً لم يكن يحظى به من قبل.
فالمنطقة لم تعد مجرد ممر اقتصادي أو جغرافي، بل أصبحت جزءاً من مستقبل الدولة السودانية نفسها.
واليوم باتت ملفات شرق السودان مرتبطة بصورة مباشرة بـ:
● الاقتصاد.
● الأمن الإقليمي.
● التجارة.
● البحر الأحمر.
● العلاقات الدولية.
وهذا التحول قد يمنح المنطقة فرصاً جديدة، لكنه في الوقت نفسه يضعها أمام تحديات أكبر.
فكلما ازدادت أهمية شرق السودان إقليمياً، ازدادت معه حساسية التوازناتا لداخلية لأن المنطقة قد تجد نفسها في قلب تنافس متصاعد بين المصالح المحلية والإقليمية والدولية.
كما أن المنافسة على الموانئ والممرات التجارية قد تفتح الباب أمام سباق نفوذ خارجي متزايد، في وقت لا تزال فيه المنطقة تواجه تحديات تنموية وخدمية تراكمت عبر عقود طويلة.
ويمكن تلخيص هذه المخاطر في ثلاثة تحديات رئيسية أمام السودان خلال المستقبل القريب:
● منع تحوّل شرق السودان إلى ساحة تنافس إقليمي مفتوح.
● تحقيق تنمية حقيقية تُشرك المجتمعات المحلية في عوائد هذا التحول.
● الحفاظ على التوازن بين المصالح الوطنية السودانية والمصالح الإقليمية المتقاطعة.
وهنا تحديداً تبدأ معركة أخرى قد تكون أكثر أهمية من معارك الميدان نفسها، لأنها ستحدد شكل الدولة السودانية التي ستخرج من هذه الحرب.
من يملك مفاتيح المرحلة القادمة؟
ربما لم تعد المعركة الحقيقية تدور حول من يحكم الخرطوم فقط، بل حول من يمتلك القدرة على التأثير في شكل السودان الذي سيخرج من هذه الحرب، لأن من يملك هذا التأثير سيكون الأقرب إلى تحديد الكيفية التي سيُحكم بها السودان مستقبلاً.
فالسودان اليوم لم يعد ساحة صراع داخلية فحسب، بل أصبح جزءاً من منظومة إقليمية أكبر تتحرك فيها المصالح الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية بصورة متزامنة.
وفي قلب هذه المعادلة، يبرز البحر الأحمر باعتباره أحد أهم مفاتيح المستقبل.
فالطرف الذي ينجح في بناء شبكة علاقات متوازنة بين الداخل السوداني ومحيطه الإقليمي، سيكون الأقرب إلى التأثير في ترتيبات ما بعد الحرب.
ولهذا، فإن عودة أسمرا إلى المشهد لا ينبغي قراءتها باعتبارها حدثاً منفصلاً، بل باعتبارها مؤشراً على أن مرحلة جديدة بدأت بالفعل، مرحلة تنتقل فيها مراكز التأثير تدريجياً من جغرافيا الحرب التقليدية إلى جغرافيا المصالح الإقليمية الأوسع.
ويبقى السؤال مفتوحاً: من سيملك مفاتيح السودان الجديد عندما تضع الحرب أوزارها؟



إرسال التعليق