عندما يصطف المثقف خلف البندقية ؟
انحياز الطبقة المثقفه إلى العسكر والمليشيات في السودان هل هو تحوّل في القناعات أم تعبير عن اليأس السياسي؟

منذ اندلاع الحرب السودانية، برز مشهد لافت لم يكن متوقعاً لدى كثير من السودانيين إذ وجد عدد من الأكاديميين والمثقفين والمهنيين وأصحاب الشهادات العليا أنفسهم في خنادق سياسية وإعلامية تدافع عن أطراف عسكرية ومليشياوية، بعد سنوات طويلة كانوا فيها جزءاً من الخطاب المدني الداعي للديمقراطية والحكم المدني .
.. لقطة AI
عبود النصيح
هذا التحول أثار سؤالاً معقداً: هل غيّرت الطبقة المثقفه قناعاتها بالفعل؟ أم أن ما يحدث ليس سوى انعكاس لحالة يأس سياسي عميق دفعت كثيرين إلى البحث عن أي قوة قادرة على حسم المجهول ؟
المثقف السوداني بين الحلم والصدمة :
على امتداد العقود الماضية، ظلت النخب المثقفه في السودان تتبنى خطاباً يقوم على الدولة المدنية، وسيادة القانون، والاحتكام للمؤسسات المدنية الديمقراطية.
غير أن السنوات الأخيرة حملت صدمات متتالية؛ من تعثر الانتقال السياسي، إلى الانقلابات، ثم الانقسامات الحزبية الحادة، وصولاً إلى الحرب الشاملة التي مزقت الدولة والمجتمع معاً.
وفي ظل الانهيار المتسارع الذي أصاب بنية الدولة والمجتمع، تعرضت كثير من المسلمات السياسية لاختبار قاسٍ. فحين تتراجع سلطة المؤسسات، ويتآكل الأمن، وتتوقف عجلة الاقتصاد، يتغير منطق الاختيار لدى قطاعات واسعة من الناس. عندها لا يعود السؤال: «من يستحق الدعم الوطن أم الأطراف المتحاربة من اجل الثروة والسلطة ؟»، بل يصبح: «أي الخيارات أقل كلفة وأدنى خطراً؟». وهي لحظة تكشف حجم التحولات النفسية والسياسية التي تفرضها الحروب على المجتمعات المدنية ..
اليأس السياسي أكثر من تغيير القناعات
تكشف القراءة السوسيولوجية للمشهد السوداني أن جانباً مهماً من حالات الانحياز إلى العسكر أو المليشيات لا يمكن تفسيره بوصفه تحولاً فكرياً كاملاً نحو تبني المشاريع المسلحة، بقدر ما يعكس حالة متراكمة من الإحباط السياسي وفقدان الثقة في قدرة القوى المدنية على تقديم بديل فاعل ومقنع. فبالنسبة لعدد من المتعلمين والمثقفين، لم يكن الانحياز تعبيراً عن إيمان راسخ بمنطق السلاح، وإنما استجابة لأزمة عميقة من الشك في جدوى المسارات المدنية التي بدأت ، في نظرهم، عاجزة عن إدارة الخلافات أو حماية الانتقال السياسي أو إنتاج مشروع وطني جامع.
ومن هذا المنظور، يصبح الانحياز إلى القوة المسلحة أقرب إلى تعبير عن اليأس السياسي منه إلى تغيير كلي في القناعات الفكرية. فحين تتآكل الثقة بالمؤسسات المدنية وتتراجع الآمال في الإصلاح السلمي، قد يلجأ بعض الأفراد إلى البحث عن حلول سريعة وحاسمة، حتى وإن كانت تلك الحلول تحمل في جوهرها مخاطر أكبر على الدولة والمجتمع. وهنا تكمن المفارقة؛ إذ إن الهروب من إخفاقات السياسة المدنية إلى رحاب القوة المسلحة لا يؤدي غالباً إلى تجاوز الأزمة، بل إلى تعميقها وإطالة أمدها.
ولعل هذا ما يجعل الظاهرة جديرة بالفهم أكثر من الإدانة، وبالتحليل أكثر من التصنيف؛ لأنها في جوهرها تكشف أزمة ثقة وطنية شاملة، لا مجرد تبدّل في المواقف أو الولاءات السياسية .
فالإنسان بطبيعته يميل إلى البحث عن القوة المنظمة عندما يشعر بأن الفوضى والعبث يهدد وجوده.
وفي التجربة السودانية، وجد بعض المثقفين أنفسهم أمام أحزاب متصارعة، وتحالفات متبدلة ولا يربطها الحد الادني من قضايا الوطن في الاتفاق وخطابات سياسية عاجزة عن تقديم حلول عملية للأزمات المتراكمة.
وهكذا تحولت البندقية، في نظر البعض، من رمز للعنف والتشريد والموت إلى أداة لفرض الاستقرار، حتى وإن كان ذلك على حساب الوطن و المبادئ التي دافعوا عنها سابقاً . وهذا تعبير صريح لمرحلة التحول من الحلم الي الصدمة.
الخوف.. العامل الخفي
لا يمكن فهم الظاهرة دون التوقف عند عامل الخوف.
فالحروب لا تغيّر الخرائط فقط، بل تغيّر النفوس أيضاً.
حين يشعر المواطن، مهما بلغ تعليمه، وثقافته بأن حياته وأسرته ومصدر رزقه مهدد ، فإنه قد يعيد ترتيب أولوياته بالكامل. عندها تتراجع الأسئلة الكبرى المتعلقة بالتحول المدني الديمقراطي والحقوق والحريات والعدالة لصالح أسئلة أكثر إلحاحاً مثل الأمن والبقاء.
وفي هذه اللحظة يصبح الانحياز للقوة المسلحة، لدى بعض الفئات، استجابة نفسية أكثر منه خياراً أيديولوجياً.
المثقف والأسطورة القديمة
لطالما ساد اعتقاد بأن التعليم يحصّن الإنسان ضد الانحيازات الحادة، لكن تجارب التاريخ تثبت العكس.
ففي كثير من النزاعات العالمية انقسم الأكاديميون والمفكرون بين معسكرات متصارعة، بل إن بعضهم لعب دوراً مركزياً في تبرير الحروب والصراعات.
التعليم يمنح أدوات التحليل، لكنه لا يلغي تأثير الهوية والانتماء والخوف والمصالح الشخصية والجماعية.
ولهذا فإن وجود متعلمين داخل معسكرات العسكر أو المليشيات ليس ظاهرة سودانية خالصة، بل نمط تكرر في العديد من المجتمعات التي مرت بأزمات وجودية.
الإعلام الجديد وصناعة الاصطفاف
ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تسريع هذه التحولات.
فبدلاً من النقاشات الفكرية العميقة، أصبحت المنصات الرقمية فضاءات للاستقطاب الحاد، حيث يتم تقسيم المجتمع إلى معسكرات متقابلة، ويُنظر إلى الحياد باعتباره خيانة، وإلى النقد باعتباره انحيازاً للطرف الآخر.
في هذا المناخ يصبح المثقف نفسه أسيراً لضغوط جماعته السياسية أو الاجتماعية، فينخرط تدريجياً في خطاب التعبئة والدفاع بدلاً من دور النقد والمراجعة.
هل هي ظاهرة مؤقتة؟
التاريخ السوداني يشير إلى أن مواقف النخب كثيراً ما تتغير بتغير موازين القوى والظروف السياسية.
ولهذا قد يكون من المبكر اعتبار ما يجري تحولاً فكرياً نهائياً داخل الطبقة المتعلمة.
الأقرب إلى الواقع أن السودان يعيش مرحلة استثنائية دفعت كثيرين إلى اتخاذ مواقف استثنائية، بعضها نابع من القناعة، وبعضها من الخوف، وبعضها من الإحباط العميق من فشل التجارب السياسية السابقة وغياب الضؤ في الأفق القريب ،،
أخيراً
” وربما لا يكون السؤال الأكثر أهمية هو: لماذا انحاز بعض المثقفين إلى العسكر أو المليشيات؟ بقدر ما ينبغي أن نتساءل: كيف وصل حال النخبة المتعلمة المثقفه إلى مرحلة فقدان الثقة في جدوى العمل من أجل التحول المدني الديمقراطي ، حتى بدا لبعضها أن القوة المسلحة أصبحت الطريق الأقصر لتحقيق الاستقرار أو حسم الصراع؟ فالقضية في جوهرها لا تتعلق بتحول المواقف السياسية فحسب، بل بأزمة عميقة أصابت العلاقة بين المثقف ومشروع الدولة المدنية نفسه “
“ و الإجابة عن هذا السؤال قد يقودنا إلى حقيقة أكثر إيلاماً؛ وهي أن الأزمة ليست أزمة أفراد أو نخب سياسية بعينها، بل أزمة وطن كامل ما زال يبحث، منذ عقود، عن صيغة عادلة لدولة مواطنه تسع الجميع دون إقصاء أو تهميش. دولة يجد فيها المثقف مكانه الطبيعي في فضاء الفكر والحوار وصناعة الوعي، فلا يضطر إلى الاحتماء بالبندقية، وكذلك المواطن البسيط يجد أمناً وعدالة تحفظ كرامته، فلا يُدفع إلى الاختيار القاسي بين الفوضى وسلطة السلاح. فالأوطان لا تُبنى بالقوة المجردة، ولا تستقر بالحروب الممتدة، وإنما تنهض بالتوافق الوطني والمؤسسات الراسخة والإيمان بحق الجميع في المشاركة وصناعة المستقبل. ومن هنا يظل الشعار الأكثر حكمة وإنسانية في السودان اليوم: لا للحرب، نعم للعدالة ودولة مواطنه تسع الجميع ،،.



إرسال التعليق