محررو لقطة AI
26 أغسطس 2026
كشفت وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية السودانية عن توثيق 224 حالة عنف جنسي مرتبط بالنزاع ضد أطفال منذ اندلاع الحرب، في رقم جديد يعيد إلى الواجهة واحدة من أكثر جوانب الأزمة السودانية قسوة وأقلها ظهورًا في نشرات الحرب اليومية.
وقالت وزيرة الدولة للموارد البشرية والرعاية الاجتماعية سليمة إسحاق إن الانتهاكات طالت فتيات وفتيانًا، وإن من بين الحالات خمس فتيات تتراوح أعمارهن بين ستة و14 عامًا تعرضن لإصابات بالغة استدعت إجراء عمليات جراحية متعددة.
لكن الرقم الرسمي لا ينبغي قراءته باعتباره الحجم الكامل للانتهاكات.
فالوزارة نفسها تشير إلى أن الحالات الموثقة لا تمثل سوى جزء مما يحدث على الأرض، بسبب الخوف من الانتقام والوصمة الاجتماعية وصعوبة الوصول إلى المستشفيات ومراكز الحماية، إضافة إلى انقطاع الخدمات في مناطق واسعة تسيطر عليها أطراف الحرب.
وهذه نقطة جوهرية عند التعامل الصحفي مع الرقم.
في جرائم العنف الجنسي، خصوصًا ضد الأطفال، تكون فجوة التبليغ عادة واسعة، وتتضاعف في بيئة حرب انهارت فيها مؤسسات الشرطة والقضاء والصحة والنقل.
كما أن الأسرة قد تخشى الإبلاغ حفاظًا على الطفل من الوصمة الاجتماعية، بينما قد لا توجد أصلًا مؤسسة قريبة يمكن التوجه إليها.
ولهذا تحذر الأمم المتحدة منذ فترة من أن الحالات المعروفة ليست إلا الجزء المرئي من الأزمة.
وكانت «يونيسف» قد كشفت في مارس 2025 عن تسجيل 221 حالة اغتصاب لأطفال خلال عام 2024 وحده عبر بيانات جمعتها الجهات التي تقدم خدمات للناجين في تسع ولايات، بينهم أطفال لم يتجاوز بعضهم عامًا واحدًا. كما سجلت 77 حالة إضافية من أشكال الاعتداء الجنسي الأخرى، معظمها محاولات اغتصاب.
ولا ينبغي جمع الرقمين أو مقارنتهما بصورة مباشرة باعتبارهما قاعدة بيانات واحدة؛ فالرقم الحكومي الجديد والبيانات التي جمعتها «يونيسف» جاءت من نظم توثيق وفترات وتعريفات مختلفة.
لكن تقاطعهما يؤكد شيئًا أكثر أهمية: العنف الجنسي ضد الأطفال ليس حوادث منفصلة أو هامشية داخل الحرب، وإنما أزمة حماية واسعة ومستمرة.
وتقول «يونيسف» إن ثلث الأطفال تقريبًا في بياناتها السابقة كانوا من الذكور، وهو جانب كثيرًا ما يغيب عن النقاش العام بسبب الوصمة الشديدة التي تمنع الفتيان وأسرهم من الإبلاغ وطلب المساعدة.
كما شملت الحالات أطفالًا دون الخامسة من العمر، وهو ما يكشف درجة الانهيار التي أصابت منظومات حماية المدنيين منذ اندلاع الحرب.
ولا يحدث العنف الجنسي بمعزل عن بقية الكارثة.
فالطفل الذي ينزح مع أسرته يفقد شبكة الحماية الاجتماعية التي كانت تحيط به، ثم قد يجد نفسه داخل مركز إيواء مكتظ أو مستوطنة عشوائية تفتقر إلى الإنارة والحراسة والمراحيض الآمنة والخدمات الصحية.
كما أن الفقر وفقدان الأسر لمصادر دخلها يزيدان مخاطر الزواج المبكر والاتجار والاستغلال، بينما أدى إغلاق المدارس إلى فقدان ملايين الأطفال واحدة من أهم المساحات التي كانت توفر لهم الحماية والرقابة.
وتشير الوزارة إلى أن أطفال السودان يواجهون إلى جانب الاعتداءات الجنسية خطر الاختطاف والاتجار والتجنيد القسري والزواج المبكر، ما يجعل قضية الحماية مرتبطة ببنية الحرب نفسها وليس بنوع واحد من الانتهاكات.
وأظهرت بيانات أممية أخرى أن أكثر من 5700 انتهاك جسيم ضد الأطفال تم التحقق منها منذ بداية الحرب وحتى مطلع 2026، طالت أكثر من 5100 طفل، بينهم أكثر من 4300 قتلوا أو أصيبوا. كما أصبحت المسيّرات مسؤولة عن نسبة كبيرة من إصابات الأطفال المسجلة خلال الأشهر الأولى من هذا العام.
وهكذا يعيش الطفل السوداني أزمة متعددة الطبقات: خطر القصف والمسيّرات، الجوع، فقدان المدرسة، النزوح، المرض، والتعرض للاستغلال والعنف الجنسي.
لكن العنف الجنسي يختلف عن كثير من هذه الأخطار في أن أثره قد يستمر بعد توقف الحرب نفسها.
فالناجون يحتاجون إلى علاج طبي عاجل، ودعم نفسي طويل الأمد، وحماية قانونية، ومساعدة على العودة إلى التعليم والمجتمع، في بيئة قد تتحول فيها الوصمة إلى عقوبة ثانية للضحية بدل مرتكب الجريمة.
ولهذا طالبت سليمة إسحاق بتوسيع المساحات الآمنة وآليات الحماية المجتمعية وضمان الوصول السريع إلى الخدمات الطبية والنفسية والقانونية للناجين.
لكن التحدي الأكبر يبقى في الوصول.
فالمساعدات الإنسانية ومراكز الدعم لا تستطيع العمل بصورة طبيعية في كثير من مناطق القتال، بينما يصبح الأطفال الموجودون في المناطق المعزولة أكثر عرضة للانتهاك وأقل قدرة على الإبلاغ عنه.
وهذا يعني أن الرقم 224 ليس نهاية القصة.
الأكثر أهمية هو ما لا يظهر في الإحصاءات: الأطفال الذين لم يصلوا إلى مستشفى، والأسر التي لم تستطع الإبلاغ، والقرى التي لا تدخلها فرق الحماية أصلًا.
وفي حرب تتصدر أخبارها الخرائط العسكرية والمسيّرات وتبدل مناطق السيطرة، يكشف هذا الملف وجهًا آخر للنزاع السوداني: حرب تُخاض أيضًا على أجساد الأطفال، بينما يصعب حتى معرفة عدد ضحاياها الحقيقي.
الصورة المقترحة للنشر: صورة أطفال سودانيين نازحين في بيئة إنسانية آمنة من دون إظهار ضحايا الاعتداء أو أي صورة قد تكشف هوية ناجٍ. لدى المادة الأصلية صورة رويترز لفتيات سودانيات نازحات في أدري بتشاد تعود إلى 2023، ويجب نشرها فقط بوصفها «صورة أرشيفية لنازحات سودانيات في أدري – تشاد» وليس باعتبارها صورة للضحايا الواردين في التقرير.
التعليقات
0 تعليقات