×

أين اختفت كنوز السودان؟

أين اختفت كنوز السودان؟

داخل المتحف القومي ودار الوثائق بعد الحرب.. رحلة البحث عن ذاكرة أمة مفقودة

تحقيق خاص – لقطة AI

حين تتعرض دولة للحرب، تكون الخسائر البشرية والاقتصادية أول ما يظهر في المشهد. لكن هناك خسائر أخرى لا تقل خطورة، لأنها تصيب الذاكرة الوطنية نفسها. في السودان، وبينما كانت الأنظار تتجه إلى المعارك والنزوح والانهيار الاقتصادي، كانت مؤسسات تحفظ تاريخ البلاد تتعرض لواحدة من أخطر الأزمات في تاريخها الحديث.

المتحف القومي السوداني، الذي يضم آثاراً تمتد لآلاف السنين، ودار الوثائق القومية التي تحفظ سجلات الدولة والمجتمع، وجدا نفسيهما في قلب مناطق القتال. ومع مرور الشهور، بدأت تتسرب صور ومقاطع فيديو وشهادات تتحدث عن اقتحامات وأعمال نهب وتخريب، بينما ظل السؤال الأكبر معلقاً: أين ذهب تاريخ السودان؟

المتحف الذي كان يحكي قصة آلاف السنين

قبل الحرب، كان المتحف القومي السوداني يمثل أكبر خزان للتراث الأثري في البلاد. داخله كانت تقف تماثيل ملوك كوش، وآثار مروي، ومقتنيات نوبية نادرة، وشواهد من العصور المسيحية والإسلامية.

هذه المقتنيات لم تكن مجرد معروضات للزوار، بل أدلة مادية على واحدة من أقدم الحضارات في أفريقيا.

لكن مع اتساع رقعة الحرب وتحول وسط الخرطوم إلى ساحة مواجهة، أصبح المتحف معزولاً عن العاملين فيه وعن الجهات المسؤولة عن حمايته.

ومع ظهور أولى الصور القادمة من داخله، بدأت المخاوف تتصاعد بشأن مصير محتوياته.

ماذا تقول الوقائع المتاحة؟

تحذيرات صادرة عن اليونسكو ومؤسسات دولية معنية بحماية التراث أشارت إلى مخاطر جدية تهدد الممتلكات الثقافية السودانية.

كما تحدثت تقارير إعلامية دولية عن فقدان أجزاء من مقتنيات المتحف، بينما أظهرت صور متداولة قاعات تعرضت للفوضى والعبث.

لكن حتى الآن لا توجد قائمة رسمية كاملة ومعلنة للرأي العام تحدد على وجه الدقة حجم المفقودات، وهو ما يجعل تقدير الخسائر النهائية أمراً بالغ الصعوبة.

غياب هذه القوائم لا يعرقل فقط معرفة ما فُقد، بل يعقد أيضاً أي جهود مستقبلية لاستعادة القطع إذا ظهرت في الخارج.

دار الوثائق.. الخسارة الصامتة

إذا كان فقدان الآثار يلفت الأنظار بسرعة، فإن ما يحدث للوثائق غالباً ما يجري بعيداً عن الكاميرات.

تضم دار الوثائق القومية ملايين الصفحات التي توثق الحياة السياسية والإدارية والاجتماعية في السودان عبر عقود طويلة.

هذه الوثائق تشمل مراسلات حكومية، وخرائط، وسجلات تاريخية، ووثائق ملكية وأرشيفاً يمثل جزءاً أساسياً من ذاكرة الدولة.

الخبراء يؤكدون أن الخطر الذي يهدد الوثائق لا يقتصر على السرقة فقط، بل يشمل الرطوبة والحرائق وسوء التخزين وتلف الأوراق نتيجة الإهمال القسري الذي فرضته ظروف الحرب.

وفي كثير من الأحيان، قد يكون فقدان وثيقة واحدة أكثر خطورة من فقدان قطعة أثرية، لأنها قد تحتوي على معلومات لا يمكن تعويضها.

كيف تختفي الآثار أثناء الحروب؟

تجارب دول عديدة شهدت نزاعات مسلحة تقدم نموذجاً مقلقاً.

في العراق وسوريا وليبيا، بدأت عمليات النهب غالباً داخل مناطق الصراع، ثم انتقلت القطع عبر شبكات تهريب محلية وإقليمية قبل أن تظهر لاحقاً في أسواق ومجموعات خاصة خارج بلدانها الأصلية.

خبراء مكافحة الاتجار غير المشروع بالآثار يشيرون إلى أن القطع الصغيرة تكون الأكثر عرضة للاختفاء، لأنها سهلة النقل والإخفاء والبيع.

أما القطع الكبيرة والمعروفة عالمياً، فتكون فرص استعادتها أكبر نسبياً بسبب سهولة التعرف عليها.

لماذا يصعب معرفة الحقيقة كاملة؟

أحد أكبر التحديات أمام أي تحقيق يتعلق بالتراث السوداني هو محدودية الوصول إلى المواقع المتضررة خلال الحرب.

كما أن المؤسسات المختصة واجهت ظروفاً استثنائية حدّت من قدرتها على الجرد والتوثيق الفوري.

وبينما تتحدث بعض التقديرات عن خسائر كبيرة، فإن الصورة النهائية لا تزال غير مكتملة.

ولهذا فإن السؤال المركزي لم يعد فقط: ماذا فقد السودان؟

بل أصبح: هل توجد قاعدة بيانات محدثة ودقيقة تمكن البلاد من تعقب ما فُقد واستعادته مستقبلاً؟

معركة ما بعد الحرب

يرى مختصون في التراث أن معركة استعادة الآثار والوثائق قد تكون أطول من الحرب نفسها.

فاستعادة قطعة أثرية مهربة قد تستغرق سنوات من العمل القانوني والدبلوماسي.

أما الوثائق التي تتلف أو تضيع نهائياً، فقد لا يكون من الممكن تعويضها أبداً.

لذلك يدعو خبراء إلى إطلاق مشروع وطني واسع لحصر المفقودات، ورقمنة ما تبقى من أرشيف السودان التاريخي، والتعاون مع المنظمات الدولية لرصد أي ظهور محتمل للقطع السودانية في الأسواق العالمية.

الخلاصة

الحروب تدمر المدن، لكنها قد تدمر أيضاً ذاكرة الأمم.

وفي السودان، لا يتعلق الأمر فقط بمبانٍ تعرضت للضرر، بل بتاريخ كامل أصبح جزء منه مجهول المصير.

ويبقى السؤال مفتوحاً أمام المؤسسات الوطنية والمجتمع الدولي: هل يستطيع السودان استعادة ذاكرته، أم أن بعض صفحات تاريخه بدأت بالفعل رحلة طويلة نحو المجهول؟

المصادر:

  • UNESCO
  • ICOM
  • INTERPOL
  • مشروع Sudan Memory
  • تقارير وكالات الأنباء الدولية المنشورة حول أوضاع التراث السوداني خلال الحرب

إرسال التعليق

You May Have Missed