الانهيار التعليمي في السودان.. جيل كامل على حافة الضياع ..
كان آدم، ذو الأعوام العشرة، يحلم بأن يصبح طبيباً. كان يفترض أن يبدأ صباحه بجرس المدرسة ودفاتر الدروس. لكن الحرب بدّلت كل شيء.
اليوم يستيقظ آدم في أحد مراكز النزوح حاملاً وعاءً صغيراً للبحث عن الماء. لا حقيبة على كتفه، ولا فصل ينتظره. طفولة كان يفترض أن تمتلئ باللعب والتعلم، لكنها أصبحت محاصرة بالخوف والانتظار.
قصة آدم ليست استثناءً. إنها صورة مصغرة لمأساة يعيشها ملايين الأطفال السودانيين الذين انتزعتهم الحرب من مقاعد الدراسة وألقت بهم في مواجهة واقع أكبر من أعمارهم.
وبينما تتجه أنظار العالم إلى المعارك العسكرية والأزمات الإنسانية في السودان، تتشكل في صمت كارثة أخرى قد تكون أكثر خطورة على مستقبل البلاد من الحرب نفسها: انهيار النظام التعليمي بصورة غير مسبوقة.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه التقارير عن أعداد القتلى والنازحين، يضيع ملايين الأطفال خارج الفصول الدراسية، وتتوقف الجامعات عن أداء دورها، ويتحول المعلمون إلى ضحايا للأزمة الاقتصادية والأمنية، في مشهد يهدد بإنتاج أكبر فجوة تعليمية في تاريخ السودان الحديث.
أرقام تكشف حجم الكارثة
تشير تقديرات الأمم المتحدة ومنظمات التعليم الدولية إلى أن ملايين الأطفال السودانيين حُرموا من التعليم منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، فيما أغلقت آلاف المدارس أو تحولت إلى مراكز إيواء أو تعرضت للدمار، وأصبحت نسبة كبيرة منها في مناطق غير آمنة. كما تحذر التقارير من أن السودان يواجه واحدة من أسوأ الأزمات التعليمية عالمياً بعد انقطاع الدراسة لفترات قاربت عامين دراسيين كاملين. (eiehub.org) (unicef.org)
المدارس والجامعات.. مؤسسات تعليمية تحت الحصار
خلال جولات ميدانية وتقارير محلية متطابقة، يظهر أن عدداً كبيراً من المدارس في الخرطوم ودارفور وكردفان والجزيرة لم يعد يؤدي دوره التعليمي المعتاد.
فبعض المدارس تعرض للتدمير أو النهب، وأخرى تحولت إلى مراكز لإيواء النازحين، بينما بقيت مؤسسات كثيرة مغلقة بسبب انعدام الأمن أو غياب الكوادر التعليمية. وفي المقابل، لجأت بعض المجتمعات المحلية إلى توفير تعليم محدود داخل المساجد والمراكز المجتمعية أو تحت الأشجار.
ولم يقتصر التدهور على التعليم العام، إذ تواجه الجامعات السودانية خسائر واسعة شملت توقف الدراسة، وتعطل المختبرات، وتضرر البنية التحتية، إلى جانب هجرة أعداد كبيرة من الأساتذة والباحثين والطلاب. ويحذر أكاديميون من أن استعادة قدرات الجامعات قد تستغرق سنوات حتى بعد انتهاء الحرب، في ظل استمرار نزيف الكفاءات العلمية إلى الخارج.
المعلم والطالب.. ضحايا الأزمة
وسط هذه الظروف، يواجه المعلم السوداني أوضاعاً معيشية وأمنية قاسية، بعدما فقد كثيرون مصادر دخلهم أو اضطروا للنزوح أو أصبحوا غير قادرين على الوصول إلى أماكن عملهم. كما أدى التدهور الاقتصادي إلى تآكل الرواتب بصورة كبيرة، ما دفع عدداً متزايداً من المعلمين إلى البحث عن أعمال بديلة.
أما الأطفال، فإن بقائهم خارج المدارس لا يعني فقط فقدان فرص التعلم، بل يضاعف مخاطر عمالة الأطفال والتجنيد في الجماعات المسلحة والزواج المبكر والتسرب النهائي من التعليم، إضافة إلى ارتفاع احتمالات الفقر والجريمة مستقبلاً. وتؤكد منظمات دولية أن التعليم يمثل خط الدفاع الأول لحماية الأطفال أثناء النزاعات، وأن غيابه يفتح الباب أمام أزمات اجتماعية وإنسانية أوسع. (Reuters)
أين الدولة؟
السؤال الذي يطرحه أولياء الأمور والمعلمون اليوم هو: أين الدولة من هذه الكارثة؟
ففي ظل الانقسام السياسي والحرب المستمرة، تراجعت الأولوية الممنوحة للتعليم أمام الملفات العسكرية والإنسانية العاجلة.
كما أن ضعف التمويل وتراجع الدعم الدولي وضعا القطاع التعليمي أمام تحديات غير مسبوقة، ما جعل المبادرات المحلية والمجتمعية تتحمل عبئاً يفوق قدراتها بكثير.
جيل مهدد بخسارة المستقبل
التاريخ يعلمنا أن الدول تستطيع إعادة بناء الجسور والطرق والمباني خلال سنوات، لكنها تحتاج عقوداً لتعويض جيل فقد حقه في التعليم.
وفي السودان اليوم لا تقتصر الخسارة على عام دراسي أو شهادة جامعية، بل تمتد إلى مستقبل دولة كاملة تعتمد عملية إعادة إعمارها على العقول والكفاءات التي يجري فقدانها يوماً بعد يوم.
وإذا استمرت الحرب وتعثر تمويل التعليم وغياب الخطط الوطنية للإنقاذ، فإن السودان قد يجد نفسه أمام جيل كامل نشأ خارج المدرسة، وهو ثمن قد يكون أفدح من أي خسائر مادية خلفتها الحرب.
خاتمة
قد تتوقف المدافع يوماً، وقد تعود المدن إلى الحياة، لكن إعادة بناء الإنسان ستكون المعركة الأصعب.
وفي بلد يواجه واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، لم يعد إنقاذ التعليم خياراً مؤجلاً، بل ضرورة وطنية عاجلة تتطلب تحركاً من الدولة والمجتمع والمنظمات الدولية قبل فوات الأوان.
فهل ينجح السودان في إطلاق خطة إنقاذ حقيقية تعيد ملايين الأطفال إلى مقاعد الدراسة وتحمي مستقبل البلاد، أم سيُترك جيل الحرب لمصيرٍ قد يحوّل الانهيار التعليمي إلى واقع دائم يصعب تغييره؟



إرسال التعليق