×

البرهان والإسلاميون.. كيف أعادت الحرب تشكيل موازين القوة في السودان؟ (1)

البرهان والإسلاميون.. كيف أعادت الحرب تشكيل موازين القوة في السودان؟ (1)

هل فرضت الحرب شراكة الأمر الواقع؟

قراءة تحليلية في المشهد الأكثر جدلاً في السودان اليوم

عبود النصيح

سلسلة تحليلية من ثلاثة أجزاء تقرأ واحداً من أكثر المشاهد السودانية إثارةً للجدل اليوم، وتحاول فهم كيف أعادت الحرب تشكيل موازين القوة داخل الدولة السودانية وما الذي يمكن أن تؤول إليه هذه التحولات مستقبلاً .

.الجزء الأول: توصيف المشهد .

الجزء الثاني: تفكيك مراكز النفوذ.

الجزء الثالث: استشراق السودان لما بعد الحرب.

في الحروب الطويلة، لا يقاتل الفاعلون السياسيون والعسكريون من أجل الانتصار فقط، بل من أجل حجز مواقعهم داخل الدولة التي ستولد بعد انتهاء الحرب.

في السودان، لا تعيد الحروب رسم خطوط المواجهات العسكرية فحسب، بل تعيد أيضاً تشكيل خرائط النفوذ داخل الدولة والمجتمع والسياسة معاً.

وربما لا يوجد اليوم مشهد أكثر إثارةً للجدل من السؤال المتعلق بطبيعة العلاقة التي تجمع قائد الجيش السوداني بالإسلاميين.

فهل نحن أمام تحالف سياسي جديد؟ أم أمام تقاطع مصالح فرضته ظروف الحرب؟ أم أن المشهد أكثر تعقيداً من كل هذه التوصيفات؟

هذه السلسلة لا تبحث عن إدانة طرف أو تبرئة طرف آخر، بل تحاول قراءة واحد من أكثر المشاهد السودانية إثارةً للجدل، لفهم كيف أعادت الحرب توزيع مراكز النفوذ داخل الدولة والسياسة والمجتمع، وكيف يمكن أن تؤثر هذه التحولات على شكل السودان بعد انتهاء الحرب.

الحرب التي أعادت خلط الأوراق

سقوط نظام الإسلاميين في 2019

بعد سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير في أبريل 2019، بدا أن الإسلاميين خرجوا من مركز السلطة الذي احتفظوا به طوال ثلاثة عقود.

تفككت شبكات نفوذ، وغادرت شخصيات عديدة واجهة المشهد، بينما صعدت قوى سياسية ومدنية جديدة حملت معها وعود بناء مرحلة مختلفة تماماً عن سنوات الحكم السابقة.

في تلك اللحظة، بدا وكأن صفحة كاملة من التاريخ السياسي السوداني قد أغلقت إلى غير رجعة.

لكن السياسة السودانية نادراً ما تسير في خطوط مستقيمة.

حرب أبريل 2023.. نقطة التحول الكبرى

مع اندلاع الحرب في أبريل 2023، أعيد ترتيب الأولويات بصورة جذرية.

فتحولت الأولوية من التنافس السياسي إلى معركة بقاء الدولة نفسها، وتراجعت بعض الاصطفافات التي كانت سائدة بعد عام 2019.

وفي الحروب الطويلة، تتغير معايير القوة والنفوذ، إذ لا يعود السؤال متعلقاً بمن كان يحكم بالأمس، بل بمن يمتلك القدرة على التأثير في الدولة التي ستخرج من الحرب غداً.

ومن هنا، بدأ مشهد جديد في التشكل، وعادت قوى كانت قد ابتعدت عن مركز القرار لتجد لنفسها مساحة جديدة داخل المشهد السوداني.

لماذا عاد الإسلاميون إلى الواجهة؟

لم تأت عودتهم عبر الانتخابات أو عبر تسوية سياسية جديدة، بل جاءت عبر مساحات فرضتها ظروف الحرب نفسها.

فخلال الفترة الماضية، برز حضور واضح لشخصيات محسوبة على التيار الإسلامي في وسائل الإعلام، كما ظهرت مجموعات شعبية ومقاتلون يعلنون دعمهم للجيش باعتباره المؤسسة التي تقاتل من أجل بقاء الدولة.

لكن ذلك لا يعني بالضرورة عودة التنظيم القديم بصورته السابقة، بقدر ما يعكس عملية إعادة تموضع مستمرة داخل المشهد السوداني.

ماذا يريد قائد الجيش السوداني؟

تبدو أهداف قائد الجيش السوداني مرتبطة بطبيعة الحرب وتعقيدات المرحلة التي تمر بها البلاد، ويمكن تلخيصها في عدة مستويات متداخلة:

  • الحفاظ على تماسك المؤسسة العسكرية باعتبارها العمود الفقري للدولة.
  • استعادة سيطرة الدولة على كامل الأراضي السودانية.
  • توسيع الحاضنة السياسية والاجتماعية الداعمة للجيش.
  • تعزيز موقعه في أي ترتيبات سياسية مستقبلية.
  • الحفاظ على دوره بوصفه أحد أبرز الفاعلين في مرحلة ما بعد الحرب.
  • بناء شبكة دعم داخلية وخارجية تمنحه هامشاً أكبر في إدارة المرحلة المقبلة.
  • تقليل المخاطر السياسية والقانونية التي قد تترتب مستقبلاً على القرارات والأحداث المرتبطة بفترة الحرب.

ماذا يريد الإسلاميون؟

في المقابل، تسعى التيارات الإسلامية إلى إعادة التموضع داخل السودان الذي تعيد الحرب تشكيله.

وتتلخص أهدافها في عدة مسارات:

  • العودة التدريجية إلى المجال العام.
  • استعادة جزء من النفوذ السياسي والإداري.
  • تقديم نفسها باعتبارها جزءاً من مشروع حماية الدولة واستقرارها.
  • تجاوز الصورة المرتبطة بثلاثة عقود من الحكم السابق.
  • المشاركة في صياغة الترتيبات السياسية التي ستولد بعد انتهاء الحرب.

بين التحالف والقطيعة

ربما يكون الخطأ الأكبر هو النظر إلى العلاقة الحالية باعتبارها تحالفاً كاملاً أو خصومة كاملة.

فالواقع السوداني أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.

ما يحدث اليوم يبدو أقرب إلى مساحة متحركة من المصالح المتقاطعة التي فرضتها ظروف الحرب.

فالجيش يحتاج إلى حواضن اجتماعية وسياسية واسعة، بينما يحتاج الإسلاميون إلى نافذة تمكنهم من العودة إلى المشهد العام.

لكن هذه المعادلة لا تزال محكومة باعتبارات عديدة، أبرزها الضغوط الإقليمية والدولية، وحساسية المشهد الداخلي، ورفض قطاعات واسعة لأي عودة مباشرة إلى معادلات ما قبل عام 2019.

السؤال الذي ينتظر السودان

ربما لم يعد السؤال الحقيقي هو: هل يوجد تقارب بين قائد الجيش السوداني والإسلاميين؟

بل أصبح السؤال الأهم: ماذا سيحدث إذا انتهت الحرب بينما بقي هذا التقاطع قائماً؟

هل سيعود السودان إلى معادلاته القديمة؟

أم أن الحرب نفسها صنعت واقعاً سياسياً جديداً لا يشبه أي مرحلة سابقة؟

في الجزء الثاني من هذه السلسلة سنناقش سؤالاً أكثر حساسية:

من يقود من؟ قائد الجيش أم الإسلاميون؟

وهل يدير قائد الجيش شبكة توازنات متعددة، أم أن هذه التوازنات بدأت تفرض نفسها على مستقبل السودان كله؟

إرسال التعليق

You May Have Missed