محررو لقطة AI – 13
10 أغسطس 2026
في عدد من أسواق دارفور، لا تختفي أكياس الذرة والدقيق تمامًا، ولا تخلو المتاجر بالضرورة من السلع الأساسية، لكن آلاف الأسر تمر أمامها يوميًا وهي عاجزة عن شراء ما يكفي لإطعام أطفالها.
تبدو المفارقة قاسية: طعام معروض للبيع، وأسر تتضور جوعًا على مسافة أمتار منه.
لكن هذه الصورة لا تعني أن الغذاء متوفر في جميع مناطق الإقليم؛ فالمناطق المحاصرة والمعزولة عن طرق الإمداد تعاني نقصًا فعليًا في السلع. أما في الأسواق التي ما زالت تعمل، فقد تحول انهيار الدخول وارتفاع الأسعار إلى حاجز اقتصادي يمنع السكان من الوصول إلى الطعام المتاح.
هكذا أصبحت أزمة دارفور أكثر تعقيدًا من مجرد نقص في الإنتاج أو الإمدادات. إنها أزمة وصول وقدرة شرائية وأمن ونزوح وانهيار خدمات، تتداخل جميعها لتدفع الإقليم نحو مستويات كارثية من الجوع وسوء التغذية.
الأسواق مفتوحة ولكن المشترين غائبون
تكشف أزمة دارفور الفرق بين وجود الطعام داخل السوق وقدرة الناس على الحصول عليه. فالأمن الغذائي لا يعني فقط توفر الحبوب والدقيق، وإنما أن يمتلك المواطن مالًا كافيًا لشرائها بصورة منتظمة.
وفي عدد من مدن الإقليم، تصل السلع عبر طرق طويلة ومحفوفة بالمخاطر، ثم تعرض بأسعار لا يستطيع معظم السكان دفعها. وأصبح شراء جوال من الذرة أو الدخن يحتاج إلى مبالغ تفوق دخل الأسرة، إن كان لديها دخل من الأساس.
وقد تضطر الأسرة إلى شراء كميات صغيرة تكفي ليوم واحد، ثم تقضي الأيام التالية في البحث عن المال أو الاقتراض أو بيع ما تبقى من ممتلكاتها.
وبذلك يتحول السوق من مساحة للحصول على الطعام إلى شاهد على اتساع الفجوة بين أسعار السلع وما في جيوب المواطنين.
الحرب أغلقت مصادر الدخل
قبل الحرب، اعتمدت غالبية المجتمعات في دارفور على الزراعة والرعي والتجارة الصغيرة والعمل اليومي. لكن استمرار القتال أدى إلى تعطيل مساحات زراعية واسعة، ونزوح المزارعين من قراهم، وصعوبة الوصول إلى الحقول خلال مواسم الزراعة والحصاد.
وفي بعض المناطق، تعرضت المحاصيل للنهب أو الحرق، بينما اضطر المزارعون إلى ترك أراضيهم خوفًا من الهجمات. كما تعطلت الأسواق الريفية التي كانت تربط المنتجين بالمستهلكين وتوفر فرصًا للعمل والتبادل التجاري.
وفقد العمال وأصحاب الحرف والتجار الصغار زبائنهم ورؤوس أموالهم، في حين توقفت مؤسسات حكومية وخاصة عن دفع الرواتب بانتظام.
أما الأسر التي نزحت إلى المخيمات والتجمعات الجديدة، فقد تركت وراءها الأرض والأدوات والمخزون الغذائي ومصادر الرزق. ووصل كثيرون إلى مناطق النزوح بملابسهم فقط، ليصبحوا معتمدين على المساعدات أو الأعمال اليومية المحدودة.
الثروة الحيوانية تفقد دورها بوصفها «خزينة الأسرة»
ظلت الماشية في مجتمعات دارفور أكثر من مجرد مصدر للغذاء؛ إذ تمثل مدخرات الأسرة ووسيلتها لمواجهة الأزمات. فعندما يحتاج المنزل إلى شراء الحبوب أو علاج أحد أفراده، يمكن بيع رأس من الماشية لتوفير المال.
لكن الحرب أضعفت هذه المنظومة. فقد تعرضت قطعان للنهب، ونفقت أعداد من الحيوانات بسبب نقص المياه والمراعي والأعلاف، كما أصبح تحريك الماشية بين المناطق أكثر خطورة.
وفي بعض الأسواق، انخفضت القيمة الفعلية للحيوانات مقارنة بأسعار الحبوب والدواء والنقل. فقد تضطر الأسرة إلى بيع عدد أكبر من الماشية للحصول على كمية غذاء كانت تستطيع شراءها سابقًا بثمن حيوان واحد.
ومع استمرار هذا الاستنزاف، تفقد الأسر آخر أصولها الاقتصادية، وتصبح أكثر تعرضًا للجوع بعد نفاد ما يمكن بيعه.
العملة المنهارة تلتهم ما تبقى من الدخول
أدى تراجع قيمة الجنيه السوداني إلى زيادة أسعار السلع المستوردة والوقود وقطع الغيار والأدوية ومدخلات الزراعة. كما انعكس على تكاليف نقل المواد الغذائية من مناطق الإنتاج أو من المعابر الحدودية إلى أسواق دارفور.
ومع انخفاض
الغذاء في الأسواق والجوع داخل البيوت.. كيف دفعت الحرب دارفور إلى «مجاعة القدرة الشرائية»؟
محررو لقطة AI – 13
9 أغسطس 2026
في عدد من أسواق إقليم دارفور، يمكن مشاهدة أكياس الذرة والدقيق وبعض السلع الأساسية معروضة أمام المتاجر، لكن وجود الطعام على الرفوف لا يعني أن السكان قادرون على الوصول إليه.
خلف هذه المفارقة تتشكل واحدة من أقسى صور الجوع: أسواق لم تفرغ تمامًا من الغذاء، وأسر لا تملك المال اللازم لشراء وجبة واحدة.
فالمجاعة لا تبدأ دائمًا باختفاء الطعام من الأسواق، بل قد تبدأ عندما يصبح الغذاء الموجود سلعة بعيدة عن متناول الناس، وحين تفقد النقود قيمتها، وتتوقف الأجور، وتُنهب الماشية، وتتعطل الزراعة، وترتفع تكاليف النقل إلى مستويات تجعل أبسط السلع ترفًا لا تستطيع غالبية الأسر تحمله.
لكن هذه الصورة لا تنطبق بصورة متساوية على جميع مناطق دارفور؛ إذ تواجه المناطق المحاصرة والمعزولة نقصًا فعليًا في الغذاء إلى جانب انهيار القدرة الشرائية، بينما تتوافر بعض السلع في أسواق مدن ومناطق أخرى بأسعار تتجاوز إمكانات السكان.
الطعام موجود.. فمن أين يأتي الجوع؟
يُقاس الأمن الغذائي بقدرة الإنسان على الحصول المستمر على غذاء كافٍ وآمن، وليس بمجرد وجود السلع داخل السوق.
فقد تكون مخازن أحد التجار ممتلئة بالذرة، لكن الأسرة التي فقدت دخلها لا تستطيع شراء كيلوغرامات قليلة منها. وقد تصل شاحنة دقيق إلى المدينة بعد رحلة محفوفة بالمخاطر، إلا أن تكلفة الوقود والرسوم المفروضة على الطرق والخسائر المحتملة تضاف كلها إلى السعر النهائي.
وهكذا يتحول وجود السلع إلى مشهد خادع: الطعام أمام الناس، لكنه منفصل عن حياتهم بحاجز الأسعار.
وتعاني دارفور اليوم من أزمتين متداخلتين؛ أزمة في توافر الغذاء داخل المناطق المحاصرة والمنقطعة، وأزمة أوسع في القدرة على الوصول إليه وشرائه في المناطق التي لا تزال أسواقها تعمل جزئيًا.
انهيار القدرة الشرائية
يمثل فقدان الدخل أحد أهم أسباب اتساع الجوع في دارفور. فقد أدت الحرب إلى توقف قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي، وانقطاع الرواتب، وإغلاق الأسواق المحلية، وتعطل حركة التجارة بين المدن والقرى.
كما فقد مزارعون أراضيهم أو عجزوا عن الوصول إليها، بينما اضطرت أسر كثيرة إلى النزوح قبل الحصاد أو بعد فقدان مخزونها الغذائي وأدواتها الزراعية.
وأدى انهيار قيمة الجنيه السوداني إلى ارتفاع متواصل في أسعار السلع المستوردة والمحلية على السواء. فالتجار يشترون الوقود وقطع الغيار ووسائل النقل بأسعار مرتبطة بالسوق الموازية، ثم تنتقل هذه الزيادات إلى سعر الغذاء الذي يصل إلى المستهلك.
أما الأسر، فلا تملك وسيلة مماثلة لحماية دخلها. فالأجور، إن وُجدت، لا ترتفع بالسرعة نفسها، والمدخرات تفقد قيمتها، والتحويلات المالية تتعطل بسبب ضعف الاتصالات أو توقف الخدمات المصرفية.
وهكذا تتسع المسافة يومًا بعد يوم بين سعر الغذاء والدخل المتاح للأسرة.
الزراعة تحت النار
اعتمدت مساحات واسعة من دارفور تاريخيًا على الزراعة المطرية والرعي والتجارة المحلية. ولم تكن الماشية بالنسبة إلى الأسرة الريفية مجرد مصدر للغذاء، بل كانت مدخرات حية يمكن بيعها عند المرض أو الجفاف أو الحاجة إلى شراء الحبوب.
لكن الحرب ضربت هذه المنظومة من عدة اتجاهات. فقد مُنع مزارعون من الوصول إلى أراضيهم، ونُهبت المحاصيل والمخازن، وتراجعت القدرة على شراء البذور والأدوات، بينما أدت موجات النزوح إلى تفريغ قرى كاملة من سكانها.
كما نفقت أعداد من الماشية بسبب العطش ونقص الأعلاف وتعطل مسارات الرعي، في حين فقدت أسر أخرى قطعانها نتيجة النهب أو اضطرارها إلى البيع بأسعار منخفضة لتغطية الاحتياجات اليومية.
ومع فقدان الأرض والماشية، لم تعد الأسرة تخسر دخلها الحالي فقط، بل تفقد الأصول التي كان يمكن أن تساعدها على استعادة حياتها بعد انتهاء الحرب.
الطرق تحولت إلى جزء من سعر الغذاء
لا تحدد تكلفة الإنتاج وحدها أسعار السلع في دارفور؛ فالطريق نفسه أصبح بندًا رئيسيًا في الفاتورة.
تمر شاحنات الغذاء عبر مسافات طويلة، وطرق متضررة ونقاط سيطرة متعددة، وسط مخاطر النهب والاحتجاز والاشتباكات. وكلما ارتفعت احتمالات فقدان الشحنة، ارتفعت أجرة النقل والتأمين غير الرسمي الذي يضيفه التجار إلى الأسعار.
كما يؤدي نقص الوقود وارتفاع ثمنه إلى زيادة تكلفة الرحلة، بينما يتسبب إغلاق طريق واحد في إجبار الشاحنات على استخدام مسارات أطول وأشد خطورة.
وفي المناطق المحاصرة، يمكن أن يتوقف وصول الغذاء بصورة شبه كاملة، ما يؤدي إلى ندرة فعلية وارتفاعات حادة في الأسعار. وفي مناطق أخرى تصل السلع، لكنها تصل محملة بتكاليف الحرب كاملة.
ويفتح غياب الرقابة وانهيار مؤسسات الدولة المجال أمام الاحتكار والمضاربة واستغلال الأزمة، لكن تحميل التجار وحدهم مسؤولية الغلاء لا يفسر الصورة كلها؛ فجزء كبير من السعر هو نتيجة مباشرة لانعدام الأمن وتفكك شبكات النقل والإمداد.
النزوح يضاعف الأزمة
أدت الهجمات المتكررة حول الفاشر ومخيمات زمزم وأبو شوك ومناطق أخرى في شمال دارفور إلى موجات نزوح ضخمة ومتلاحقة، واتجهت أعداد كبيرة من المدنيين نحو طويلة ومناطق مجاورة.
ويصل النازحون غالبًا بلا مدخرات أو غذاء أو مأوى، بعد فقدان منازلهم وممتلكاتهم خلال الفرار. وتجد الأسر نفسها داخل تجمعات مكتظة تفتقر إلى المياه الكافية والمرافق الصحية ومراكز العلاج.
ولا يمثل تكدس النازحين زيادة عددية فقط، بل يضاعف الطلب على كمية محدودة من الغذاء والماء والدواء، ويرفع الأسعار داخل المجتمعات المستضيفة التي تعاني أصلًا من الفقر ونقص الموارد.
كما أن النازحين لا يمتلكون عادةً أراضي لزراعتها أو فرص عمل مستقرة، ولذلك يصبحون أكثر اعتمادًا على المساعدات أو على أقارب فقدوا هم أيضًا جزءًا كبيرًا من قدرتهم على الدعم.
الأطفال يدفعون الثمن
تظهر النتائج الأكثر قسوة للجوع في أجساد الأطفال. فحين تعجز الأسرة عن شراء الغذاء، تبدأ بتقليل عدد الوجبات، ثم تخفض الكمية والنوعية، قبل أن تلجأ إلى بيع ممتلكاتها أو إخراج الأطفال من التعليم أو تزويج الفتيات مبكرًا أو إرسال أفرادها للبحث عن عمل في ظروف خطرة.
وفي شمال دارفور، سجلت بعض المناطق معدلات استثنائية من سوء التغذية الحاد. وأظهر مسح أجرته اليونيسف في محلية أم برو أن أكثر من نصف الأطفال الذين شملهم الفحص عانوا سوء تغذية حادًا، بينما كان واحد من كل ستة تقريبًا مصابًا بسوء التغذية الحاد الوخيم.
ولا يعمل الجوع منفردًا؛ فالأطفال المصابون بسوء التغذية يصبحون أكثر عرضة للوفاة من أمراض يمكن علاجها، مثل الإسهالات والملاريا والحصبة والتهابات الجهاز التنفسي.
وتتضاعف المخاطر مع نقص المياه النظيفة، وتعطل التطعيمات، وخروج المرافق الصحية عن الخدمة، ونفاد الأغذية العلاجية والأدوية.
تراجع التمويل الإنساني
تواجه المنظمات الدولية والمحلية فجوة كبيرة بين الاحتياجات والموارد المتاحة. فقد توسعت الأزمة لتشمل عشرات الملايين في السودان، بينما ظل التمويل أقل كثيرًا من المطلوب.
وأفادت اليونيسف بأن ندائها الإنساني للسودان واجه فجوة تمويلية كبيرة خلال عام 2026، ما يحد من قدرتها على توسيع خدمات التغذية والصحة والمياه وحماية الأطفال.
ولا يعني نقص التمويل تقليل عدد السلال الغذائية فقط، بل يؤدي إلى إغلاق مراكز التغذية، ونفاد الغذاء العلاجي، وتقليص خدمات المياه والصحة، وتعليق التحويلات النقدية التي تعتمد عليها الأسر لشراء احتياجاتها من الأسواق المحلية.
كما تواجه قوافل الإغاثة قيودًا إدارية وأمنية، وتتعرض الطرق للقطع والهجمات، ما يجعل إيصال المساعدات إلى بعض المناطق عملية بطيئة ومكلفة أو مستحيلة.
خطر المجاعة لم ينتهِ
تشير أحدث تقديرات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي إلى أن نحو 19.5 مليون شخص في السودان واجهوا مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد خلال الفترة بين فبراير ومايو 2026.
وشملت التقديرات نحو 135 ألف شخص في مرحلة «الكارثة»، مع وجود 14 منطقة في شمال دارفور وجنوب دارفور وجنوب كردفان معرضة لخطر المجاعة إذا تصاعد القتال وازدادت القيود على حركة الناس والسلع والمساعدات.
ولا تعني هذه الأرقام أن جميع المناطق تعيش الظروف نفسها، لكنها توضح أن أي تدهور جديد في الأمن أو الأسواق أو الإمدادات يمكن أن يدفع مجتمعات كاملة من الجوع الحاد إلى المجاعة.
المساعدات الغذائية وحدها لا تكفي
تحتاج دارفور إلى تدفق عاجل ومستمر للغذاء والدواء، لكن معالجة الأزمة تتطلب أيضًا إعادة بناء قدرة الناس على شراء الطعام وإنتاجه.
ويشمل ذلك حماية الطرق والأسواق، ووقف الرسوم والجبايات غير القانونية، وتأمين الموسم الزراعي، وتوفير البذور والأدوات، ودعم الرعاة، وإعادة تشغيل التحويلات المالية، وتقديم مساعدات نقدية مرتبطة بحركة الأسعار.
كما تحتاج المجتمعات المستضيفة للنازحين إلى الدعم، حتى لا يؤدي اقتسام مواردها المحدودة إلى توسيع دائرة الجوع.
فالمشكلة في دارفور ليست أن الطعام اختفى من كل مكان، وليست أن الأسواق تعمل بصورة طبيعية أيضًا. الحقيقة الأكثر قسوة هي أن الحرب حطمت العلاقة بين الإنسان والغذاء: قطعت طرق الإنتاج، وبددت الدخل، ورفعت تكاليف النقل، وأفرغت قيمة النقود، ثم تركت بعض السلع أمام أعين الجائعين من دون أن يتمكنوا من الوصول إليها.
في دارفور اليوم، قد يكون كيس الذرة قريبًا بمسافة خطوات، لكنه أبعد عن الأسرة من أي وقت مضى.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات