محررو لقطة AI – 2
19 أغسطس 2026
دخلت تحركات بنك السودان المركزي في سوق النقد الأجنبي مرحلة التقييم، بعد أسابيع من ضخ العملات الأجنبية عبر المصارف التجارية ومحاولة إعادة الطلب على الدولار والعملات الأخرى إلى القنوات الرسمية، في وقت لا يزال فيه الجنيه السوداني يواجه ضغوطاً قوية داخل السوق الموازية.
وجدد البنك تطميناته إلى المستوردين والمصارف باستمراره في توفير النقد الأجنبي للطلبات المستوفية للشروط والضوابط، مؤكداً أن عمليات الضخ ستتواصل وفق الموارد المتاحة والسياسات المعتمدة، بما يساعد على تمويل الاستيراد وتقليل الاضطراب في الأسواق.
لكن التحدي الذي يواجه المركزي لا يتعلق بتوفير العملات الأجنبية لفترة مؤقتة فقط، وإنما بقدرته على المحافظة على تدفقات منتظمة تكفي لتغطية الطلب الحقيقي ومنع عودة المستوردين إلى السوق الموازية.
مراجعة نتائج التدخل
يعمل بنك السودان المركزي على تقييم نتائج تدخلاته الأخيرة من خلال متابعة حجم الطلبات المقدمة عبر المصارف، ونسب تنفيذها، والفارق بين أسعار الصرف الرسمية وأسعار السوق الموازية.
وتشمل المراجعة قياس أثر الضخ على حركة الاستيراد وأسعار السلع، إلى جانب رصد مدى التزام المصارف باستخدام الموارد المخصصة في الأغراض المعتمدة وعدم توجيهها إلى المضاربة أو التعاملات غير المشروعة.
ويتابع البنك كذلك حركة حصائل الصادرات ومدى دخولها إلى الجهاز المصرفي، باعتبارها أحد أهم المصادر المستدامة للنقد الأجنبي، فضلاً عن التحويلات الخارجية وإيرادات الذهب والرسوم المرتبطة بعبور نفط جنوب السودان.
ويهدف التقييم إلى تحديد ما إذا كانت التدخلات قد نجحت في تقليص الطلب داخل السوق الموازية، أم أن أثرها ظل محدوداً بسبب اتساع الفجوة بين الاحتياجات الفعلية وحجم العملات الأجنبية المتاحة للمصارف.
تطمينات للمستوردين
أكد بنك السودان المركزي أنه استجاب للطلبات المقدمة من المصارف لتمويل عمليات الاستيراد متى استوفت الشروط والإجراءات المطلوبة.
وتعني هذه التطمينات أن المستورد الذي يقدم مستندات صحيحة ويستوفي الضوابط المصرفية يمكنه الحصول على العملات الأجنبية عبر مصرفه، بدلاً من شرائها من السوق الموازية بأسعار مرتفعة ومتقلبة.
ويستهدف هذا المسار توفير احتياجات القطاعين العام والخاص من السلع الاستراتيجية والأساسية، والحد من انتقال ارتفاع سعر الدولار بصورة مباشرة إلى أسعار الغذاء والدواء والوقود ومدخلات الإنتاج.
لكن المستوردين يطالبون بأكثر من الإعلان عن توافر العملات، إذ يحتاجون إلى معرفة المدة المطلوبة لتنفيذ الطلبات وسعر الصرف الذي سيُطبق والضمانات المتعلقة باستمرار التمويل وعدم تغير القواعد بعد بدء إجراءات الاستيراد.
فأي تأخير في توفير النقد الأجنبي يمكن أن يضاعف تكاليف التخزين والشحن، ويعرض المستورد لغرامات أو خسائر مرتبطة بتقلبات الأسعار العالمية وأسعار الصرف.
تغيير في سياسة التسعير
جاءت عملية التقييم بعد مراجعة البنك المركزي عدداً من القيود التي فرضها سابقاً على استخدام موارد النقد الأجنبي.
وكان المركزي قد ألزم المصارف في نهاية يونيو 2026 بتطبيق سعر الصرف الذي يحدده عند ضخ العملات الأجنبية لتمويل طلبات الاستيراد، بهدف منع استخدام أكثر من سعر للغرض نفسه.
كما اشترط على المصارف التنسيق المسبق معه قبل استخدام حصائل الصادر المملوكة لها في تمويل واردات عملائها.
لكن البنك عاد في أغسطس وألغى القيد السعري السابق، وسمح للمصارف بشراء حصائل الصادرات وفق أسعارها المعلنة، كما ألغى شرط الحصول على موافقة مسبقة قبل استخدام تلك الحصائل في تمويل طلبات الاستيراد.
ويشير هذا التعديل إلى اتجاه نحو منح المصارف مرونة أكبر في إدارة مواردها، بعدما تبين أن تثبيت سعر الضخ أو تقييد حركة الحصائل قد يبطئ العمليات المصرفية ويقلل الحافز لدى المصدرين لبيع مواردهم عبر القنوات الرسمية.
لماذا تدخل المركزي؟
جاء تدخل بنك السودان عقب موجة متسارعة من تراجع قيمة الجنيه وارتفاع أسعار العملات الأجنبية، بما انعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات.
ورأى البنك أن جانباً من ارتفاع العملات ناتج عن المضاربات ولا يستند بصورة كاملة إلى طلب حقيقي مرتبط بالاستيراد أو الأنشطة الاقتصادية.
ولذلك لجأ إلى زيادة العرض داخل المصارف، في محاولة لامتصاص الطلب الحقيقي وترك المضاربين من دون مشترين، بما يخفف الضغط على الجنيه ويحد من الارتفاعات المتلاحقة.
ويعتمد نجاح هذه السياسة على قدرة المركزي على التمييز بين طلبات الاستيراد الحقيقية والطلبات التي قد تُستخدم للحصول على العملات بالسعر المصرفي ثم إعادة بيعها في السوق الموازية.
كما يحتاج البنك إلى ضمان وصول النقد الأجنبي إلى القطاعات ذات الأولوية، بدلاً من استنزاف الموارد المحدودة في استيراد سلع كمالية أو غير ضرورية.
السعر الموازي يختبر السياسة
على الرغم من استمرار الضخ، لم تختف الضغوط عن سوق الصرف، وظلت العملات الأجنبية تسجل أسعاراً مرتفعة داخل السوق الموازية.
ويكشف ذلك أن توفير النقد الأجنبي للمستوردين يمثل جزءاً من الحل، لكنه لا يعالج وحده الأسباب الهيكلية لتدهور الجنيه، وفي مقدمتها ضعف الإنتاج والصادرات واتساع الإنفاق الحكومي وتراجع الإيرادات واضطراب النظام المصرفي بسبب الحرب.
كما أن الطلب على العملات الأجنبية لا يأتي من الاستيراد الرسمي وحده، بل يشمل السفر والعلاج والتعليم والتحويلات وحفظ المدخرات، إلى جانب عمليات التهريب وتجارة الذهب خارج القنوات الرسمية.
ويلجأ مواطنون وتجار إلى شراء الدولار باعتباره مخزناً للقيمة في مواجهة التضخم، ما يجعل الطلب عليه مرتبطاً بفقدان الثقة في الجنيه بقدر ارتباطه بالحاجة التجارية.
ومن ثم، فإن نجاح تدخل المركزي لن يُقاس فقط بانخفاض مؤقت في سعر الدولار، بل بقدرته على تقليل الفجوة بين السعر المصرفي والموازي والمحافظة على استقرار نسبي لفترة ممتدة.
حصائل الصادرات محور الاستقرار
تراهن السياسات الجديدة على إعادة حصائل الصادرات إلى المصارف، عبر السماح لها بشرائها بأسعار أكثر مرونة وقدرة على منافسة السوق الموازية.
وظل تهريب الذهب وعدم إعادة حصائل الصادر من أبرز أسباب شح النقد الأجنبي في السودان. فكميات كبيرة من الموارد الناتجة عن تصدير الذهب والماشية والمحاصيل لا تدخل إلى النظام المصرفي، ما يحرم الدولة من العملات التي تحتاجها لتمويل الواردات.
وإذا تمكنت المصارف من تقديم أسعار قريبة من الأسعار المتداولة خارجها، فقد يجد المصدرون حافزاً أكبر لبيع العملات عبر القنوات الرسمية.
لكن السعر ليس العامل الوحيد، إذ يحتاج المصدرون إلى سرعة الإجراءات وإتاحة استخدام جزء من الحصائل وتمويل مدخلات الإنتاج، إلى جانب استقرار التشريعات وعدم تغييرها بصورة مفاجئة.
نفط جنوب السودان والاحتياطيات
أشار بنك السودان إلى تحسن موارده من النقد الأجنبي بعد الانفراج في العلاقات الاقتصادية مع جنوب السودان واستئناف تدفق النفط عبر الأنابيب السودانية.
ويحصل السودان على رسوم وعائدات مقابل عبور الخام واستخدام المنشآت والموانئ، ما يوفر مورداً من العملات الأجنبية يمكن أن يدعم احتياطيات البنك المركزي.
لكن الاعتماد على هذا المورد يظل معرضاً للمخاطر المرتبطة بالحرب والأوضاع السياسية والأمنية في البلدين، فضلاً عن أي أعطال أو هجمات قد تتعرض لها خطوط النقل والمنشآت النفطية.
ولذلك يحتاج المركزي إلى تنويع مصادر النقد الأجنبي عبر دعم الصادرات الزراعية والحيوانية، وتنظيم تجارة الذهب، وجذب التحويلات الخارجية، بدلاً من الاعتماد على مورد واحد قد يتوقف في أي وقت.
هل تنخفض أسعار السلع؟
ينتظر المستهلكون أن ينعكس توفير العملات الأجنبية للمستوردين على أسعار السلع، لكن انتقال أثر السياسة إلى الأسواق قد يحتاج إلى وقت، كما يعتمد على عوامل أخرى غير سعر الدولار.
فتكلفة السلع تشمل النقل والتأمين والجمارك والرسوم الداخلية والتخزين، إضافة إلى مخاطر الحرب وصعوبة الطرق وتعدد الجبايات.
وحتى إذا حصل المستورد على العملة بسعر مصرفي أقل، فإن غياب الرقابة والمنافسة قد يمنعه من خفض الأسعار، خصوصاً إذا احتسب تكلفة استبدال البضاعة وفق السعر الموازي المتوقع مستقبلاً.
ولهذا يتطلب نجاح التدخل تنسيقاً بين البنك المركزي ووزارات المالية والتجارة والجهات الرقابية، لضمان أن تستفيد الأسواق والمستهلكون من العملات التي يوفرها الجهاز المصرفي.
مخاطر استنزاف الاحتياطيات
يحذر اقتصاديون من أن ضخ النقد الأجنبي من دون معالجة مصادر الطلب والعجز التجاري يمكن أن يؤدي إلى استنزاف احتياطيات البنك المركزي.
فإذا كان الطلب على الواردات أكبر بصورة مستمرة من إيرادات الصادرات والتحويلات، سيضطر المركزي إلى استخدام موارده المحدودة للحفاظ على استقرار مؤقت، قبل أن يعود سعر الصرف إلى الارتفاع عند توقف الضخ.
ولذلك ينبغي أن تكون التدخلات محددة الأهداف، وأن تركز على مواجهة الاختلالات والمضاربات وتمويل السلع الأساسية، لا الدفاع عن سعر ثابت لا تدعمه مؤشرات الاقتصاد الحقيقي.
كما يجب نشر بيانات دورية عن حجم العملات التي جرى ضخها، وعدد الطلبات المنفذة، والقطاعات المستفيدة، حتى يمكن تقييم السياسة بصورة موضوعية وتعزيز الثقة بين البنك والمصارف والمستوردين.
اختبار الثقة
تحاول تطمينات بنك السودان توجيه رسالة إلى السوق مفادها أن العملات الأجنبية متاحة عبر المصارف، وأن المستورد لا يحتاج إلى مطاردة الدولار في السوق الموازية.
لكن هذه الرسالة لن تحقق هدفها إلا إذا وجد المستوردون أن الطلبات تُنفذ فعلياً وبسرعة، وأن السياسات لن تتغير بصورة مفاجئة، وأن الفارق بين السعر المصرفي والموازي لا يدفع الموردين إلى الاحتفاظ بعملاتهم خارج الجهاز المصرفي.
فالعملة الأجنبية لا تتحرك بالأوامر الإدارية وحدها، بل تتأثر بالثقة وتوقعات المتعاملين ومستوى الإنتاج وقدرة الدولة على إدارة مواردها.
ويمثل تقييم المركزي لتدخلاته فرصة لتصحيح المسار: استمرار الضخ لتلبية الطلب الحقيقي، ومنح المصارف مرونة محسوبة، وإعادة حصائل الصادرات، وتشديد الرقابة على المضاربات والتهريب. أما الاكتفاء بتوفير دفعات متقطعة من العملات، فقد يمنح الجنيه فترة هدوء قصيرة من دون أن يغيّر اتجاه السوق على المدى الطويل.
لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات