الوجه الخفي للذكاء الاصطناعي.. من يدفع فاتورة الطاقة والمياه؟
تحقيق استقصائي خاص لقطة AI
بينما يحتفل العالم بالثورة التي أحدثها الذكاء الاصطناعي في التعليم والطب والإعلام والاقتصاد، تتصاعد في المقابل أسئلة أقل شهرة وأكثر إزعاجاً: من أين تأتي الطاقة التي تشغل هذه الأنظمة؟ ومن يدفع ثمن المياه التي تستهلكها مراكز البيانات العملاقة التي أصبحت القلب النابض للعالم الرقمي؟
في الظاهر يبدو الذكاء الاصطناعي خدمة رقمية نظيفة لا تتجاوز شاشة الهاتف أو الحاسوب، لكن خلف كل سؤال يُطرح على روبوت ذكي، وخلف كل صورة يتم توليدها أو مقطع فيديو يُنشأ بواسطة الخوارزميات، توجد شبكة هائلة من الخوادم ومراكز البيانات التي تستهلك كميات متزايدة من الكهرباء والمياه حول العالم.
ثورة رقمية تلتهم الكهرباء
وفق تقديرات الوكالة الدولية للطاقة، فإن استهلاك مراكز البيانات العالمية من الكهرباء مرشح للتضاعف تقريباً بحلول عام 2030 ليصل إلى نحو 945 تيراواط ساعة سنوياً، وهو رقم يفوق الاستهلاك الكهربائي الحالي لدولة صناعية كبرى مثل اليابان. كما ارتفع الطلب الكهربائي لمراكز البيانات بنسبة 17% خلال عام 2025 وحده، مدفوعاً بالطفرة غير المسبوقة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي. (IEA)
وفي الولايات المتحدة تتوقع إدارة معلومات الطاقة الأمريكية تسجيل مستويات قياسية جديدة في استهلاك الكهرباء خلال عامي 2026 و2027 نتيجة التوسع السريع في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. (Reuters)
الماء.. الضحية الصامتة
لكن الكهرباء ليست المشكلة الوحيدة.
الخوادم العملاقة التي تدير نماذج الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى تبريد مستمر لمنع ارتفاع درجات الحرارة، ما يجعل المياه جزءاً أساسياً من تشغيل هذه البنية التحتية.
تقرير أممي حديث حذر من أن استهلاك مراكز البيانات للمياه قد يصل إلى 9.3 تريليون لتر سنوياً بحلول عام 2030، وهو حجم يكفي لتلبية الاحتياجات الأساسية لأكثر من 1.3 مليار إنسان في إفريقيا جنوب الصحراء لمدة عام كامل. كما استهلكت مراكز البيانات عالمياً نحو 4.5 تريليون لتر من المياه خلال عام 2025 بصورة مباشرة وغير مباشرة عبر إنتاج الكهرباء اللازمة لتشغيلها. (Food & Wine)
وتشير تقديرات أخرى إلى أن بعض مراكز البيانات الكبرى يمكن أن تستهلك ما يصل إلى خمسة ملايين غالون من المياه يومياً، وهو ما يعادل استهلاك مدينة صغيرة تضم عشرات الآلاف من السكان. (EESI)
شركات التكنولوجيا تحت الضغط
بدأت الضغوط تتزايد على الشركات العملاقة للكشف عن حجم استهلاكها الحقيقي للمياه والطاقة.
وكشفت أمازون هذا الشهر أن مراكز بياناتها استهلكت نحو 2.5 مليار غالون من المياه خلال عام 2025 رغم جهود تحسين الكفاءة التشغيلية. (People.com)
كما أظهرت بيانات منشورة خلال عام 2026 أن استهلاك المياه لدى بعض شركات التكنولوجيا الكبرى ارتفع بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة مع توسع خدمات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي. (Reuters)
وفي المقابل تحاول شركات مثل مايكروسوفت تطوير أنظمة تبريد مغلقة تعيد تدوير المياه لتقليل الاستهلاك، في محاولة لاحتواء الانتقادات البيئية المتزايدة. (Windows Central)
هل يدفع المواطن الثمن؟
في عدد من المناطق داخل الولايات المتحدة وأوروبا بدأت المجتمعات المحلية تطرح سؤالاً مباشراً: لماذا تُستهلك كميات ضخمة من المياه والكهرباء لخدمة تطبيقات الذكاء الاصطناعي بينما تعاني بعض المدن من شح المياه وارتفاع فواتير الطاقة؟
وتحذر دراسات حديثة من أن التركز الجغرافي لمراكز البيانات العملاقة قد يفرض ضغوطاً متزايدة على شبكات الكهرباء المحلية، خصوصاً في مناطق مثل فرجينيا الأمريكية وأيرلندا التي أصبحت مراكز عالمية للحوسبة السحابية. (arXiv)
معضلة المستقبل
لا يبدو أن العالم قادر على إيقاف سباق الذكاء الاصطناعي. فالحكومات والشركات تنظر إليه باعتباره محركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي والتنافس الجيوسياسي خلال العقود المقبلة.
لكن السؤال الذي يزداد إلحاحاً هو ما إذا كان العالم مستعداً لتحمل التكلفة البيئية لهذه الثورة.
فالذكاء الاصطناعي لا يستهلك البيانات فقط، بل يستهلك أيضاً الكهرباء والمياه والأراضي والموارد الطبيعية بوتيرة متسارعة. ومع دخول مليارات البشر إلى عصر الخدمات الذكية، قد يصبح التحدي الحقيقي ليس تطوير نماذج أكثر ذكاءً، بل تطوير نماذج أكثر استدامة.
الخلاصة
ربما يكون الذكاء الاصطناعي هو أعظم إنجاز تقني في القرن الحادي والعشرين، لكنه في الوقت نفسه يطرح معادلة جديدة لم يعرفها العالم من قبل: كلما أصبحت الخوارزميات أكثر ذكاءً، ازدادت حاجتها إلى الطاقة والمياه.
وفي عالم يعاني أصلاً من تغير المناخ وشح الموارد، قد لا يكون السؤال الأهم هو ما الذي يستطيع الذكاء الاصطناعي فعله، بل ما الذي سيكلفه ذلك للكوكب وسكانه .
مصادر التحقيق:
- International Energy Agency
- United Nations University Institute for Water, Environment and Health
- وكالة U.S. Energy Information Administration
- وكالة Reuters



إرسال التعليق