بين صمود والقوى المدنية الأخرى.. من يقود المشهد المدني في السودان؟
قراءة تحليلية في أزمة التمثيل السياسي بعد الحرب
أعادت الحرب السودانية تشكيل موازين القوى العسكرية والسياسية بصورة غير معهوده ، لكنها في الوقت نفسه وضعت القوى المدنية أمام اختبار أكثر صعوبة؛ اختبار البقاء والتأثير وإعادة تعريف دورها في مستقبل البلاد.
وفي قلب هذا المشهد، برز تحالف «صمود» باعتباره أحد أبرز التكتلات المدنية التي تسعى إلى لعب دور في مرحلة ما بعد الحرب، لكنه ليس اللاعب المدني الوحيد على الساحة.
فهناك أحزاب سياسية تاريخية، وتيارات شبابية، ومجموعات مقاومة، ومنظمات مجتمع مدني، وشخصيات مستقلة، جميعها تسعى إلى حجز موقعها داخل المشهد القادم.
وهنا يبرز السؤال الأهم:
من يقود المشهد المدني في السودان؟
أزمة أعمق من الصراع العسكري
ربما تكون إحدى المفارقات الكبرى في السودان أن الحرب لم تُضعف المؤسسات العسكرية وحدها، بل كشفت أيضاً حجم التشتت الذي تعانيه القوى المدنية.
فبعد سنوات من الثورة والانتقال السياسي والحرب، لا تزال الساحة المدنية تبحث عن مركز ثقل سياسي جامع.
وتبدو الانقسامات أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.
صمود.. محاولة لبناء مظلة جديدة
يقدم تحالف صمود نفسه باعتباره مشروعاً مدنياً يسعى إلى إنهاء الحرب واستعادة مسار الدولة المدنية.
ويحاول جمع تيارات وشخصيات متعددة حول برنامج سياسي مشترك يقوم على وقف الحرب وإعادة بناء الدولة.
لكن التحدي الحقيقي الذي يواجهه يتمثل في قدرته على توسيع قاعدة القبول الشعبي خارج النخب السياسية التقليدية.
القوى المدنية الأخرى.. حضور بلا مركز موحد
في المقابل، لا تزال هناك قوى عديدة تتحرك خارج إطار صمود.
أحزاب تاريخية تمتلك قواعد اجتماعية ممتدة.
ولجان مقاومة تحتفظ بحضورها في بعض المناطق.
وشخصيات مستقلة ترفض الاصطفافات القديمة.
ومنظمات مجتمع مدني تعمل في الملفات الإنسانية والخدمية.
لكن المشكلة الأساسية أن هذه القوى لا تتحرك دائماً داخل رؤية موحدة.
أزمة القيادة المدنية
قد لا تكون أزمة السودان اليوم أزمة أفكار بقدر ما هي أزمة قيادة سياسية جامعة.
فالكثير من الأطراف تتفق على عناوين كبيرة مثل إنهاء الحرب وبناء الدولة وتحقيق السلام، لكنها تختلف عند تفاصيل التنفيذ وتقاسم النفوذ السياسي.
وهذا ما جعل الشارع السوداني يشعر أحياناً بالمسافة المتزايدة بين همومه اليومية وخطاب النخب السياسية.
هل تستطيع القوى المدنية استعادة ثقة السودانيين؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأهم.
فالناس لم تعد تبحث فقط عن الشعارات الكبيرة، بل عن قوى سياسية قادرة على تقديم حلول واقعية لقضايا الأمن والخدمات والاقتصاد وإعادة الإعمار.
ومع اتساع رقعة الحرب وتزايد المعاناة الإنسانية، أصبح معيار النجاح مختلفاً.
لم يعد السؤال: من الأكثر حضوراً سياسياً؟
بل: من الأقرب إلى الناس؟
ما بعد الحرب.. معركة بناء الثقة
قد تكون المعركة السياسية المقبلة أقل ارتباطاً بمن يملك النفوذ، وأكثر ارتباطاً بمن يستطيع بناء الثقة.
فالسودانيون أنهكتهم سنوات طويلة من الصراع والاستقطاب.
والمرحلة القادمة قد تحتاج إلى ثقافة سياسية جديدة، تقوم على الشراكة والتوافق أكثر من المنافسة الصفرية.
وربما لا يكون التحدي الحقيقي أمام القوى المدنية هو الوصول إلى السلطة.
بل الوصول إلى صيغة وطنية تستطيع أن تجمع السودانيين حول فكرة الدولة نفسها



إرسال التعليق