محررو لقطة AI – 19
14 أغسطس 2026
تترقب الأوساط السياسية السودانية خطاباً مرتقباً للفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة، وسط معلومات عن توجهه لإعلان خطوات سياسية تهدف إلى تهيئة المناخ الداخلي وإطلاق حوار سوداني شامل لمعالجة الأزمة التي تعيشها البلاد منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
ويأتي الحديث عن الخطاب في وقت تشهد فيه الخرطوم تحركات واتصالات تقودها شخصيات قانونية وأكاديمية وإعلامية، لبحث إمكانية تدشين مسار سياسي جديد يقوم على الحوار داخل السودان، مع توفير ضمانات تسمح بمشاركة القوى المدنية والسياسية والقيادات الموجودة خارج البلاد.
لجنة وطنية لإدارة الحوار
وفقاً للمعلومات المتداولة، يتوقع أن يتضمن خطاب البرهان الإعلان عن لجنة وطنية مستقلة تتولى إدارة الاتصالات مع القوى السياسية والمدنية والمجتمعية، والتشاور مع الفرقاء السودانيين بشأن طبيعة الحوار وأجندته ومكان انعقاده والجهات المشاركة فيه.
ومن المنتظر كذلك أن تتولى اللجنة التواصل مع الأطراف الإقليمية والدولية لتحديد طبيعة أدوارها في دعم العملية السياسية، من دون منحها سلطة فرض الحلول أو تحديد مستقبل الحكم في السودان.
وتشير التقديرات الأولية إلى أن اللجنة قد تتكون من نحو عشرة أعضاء ينتمون إلى خلفيات قانونية وأكاديمية وفكرية ومجتمعية، بما يمنحها قدراً من الاستقلال عن المؤسسات الرسمية والأحزاب المتصارعة.
وتداولت الأوساط السياسية أسماء شخصيات محتمل مشاركتها في اللجنة أو المبادرة، بينها قاسم بدري، ونبيل أديب، ونور الدين ساتي، والواثق كمير، ومضوي إبراهيم، ومحمد جلال هاشم، ونصر الدين شلقامي، وعثمان ميرغني، وعائشة البرير.
غير أنه لم يصدر حتى الآن قرار رسمي يحدد عضوية اللجنة، كما لم تؤكد الشخصيات المتداولة أسماؤها بصورة جماعية قبولها المشاركة. ولذلك تظل القائمة المطروحة في نطاق الترشيحات والمشاورات، وليست تشكيلاً نهائياً معتمداً.
حراك سبق الخطاب
شهدت الأسابيع الماضية تحركات قادتها مجموعة من الشخصيات الوطنية التي أجرت لقاءات ومشاورات في الخرطوم وخارجها، قبل أن تبحث مع البرهان أفكاراً تتعلق بإطلاق حوار سوداني وتوفير الضمانات القانونية والسياسية اللازمة لمشاركة المعارضين.
وضم أحد الوفود المتحركة في هذا الاتجاه المحامي نبيل أديب، ونصر الدين شلقامي، ونعمات الزبير، ومهند صديق، والكاتب الصحفي عبد الله آدم خاطر، إلى جانب الكاتب الصحفي عثمان ميرغني، فيما ارتبط بالمبادرة عدد آخر من الأكاديميين والشخصيات العامة. صوت الأمة
وبحسب المعلومات المتاحة، ناقشت المبادرة إمكانية إصدار تشريع أو ترتيبات قانونية ملزمة تضمن سلامة المشاركين في الحوار، وتسمح للقيادات الموجودة خارج السودان بالعودة أو الحضور من دون التعرض للاعتقال بسبب مواقفها السياسية.
كما تناولت المشاورات قضية استخراج وثائق السفر للقيادات المدنية، ووقف الحملات الإعلامية المتبادلة، وخفض حدة الخطاب السياسي الذي اتسع خلال سنوات الحرب وحوّل الخلافات السياسية إلى اتهامات بالخيانة والعمالة والانحياز إلى أحد طرفي القتال.
إسقاط التهم وأوامر التوقيف
تمثل البلاغات الجنائية وأوامر التوقيف الصادرة بحق عدد من القيادات السياسية واحدة من أكثر العقبات تعقيداً أمام أي حوار محتمل.
ومنذ أبريل 2024، وُجهت اتهامات إلى عشرات السياسيين والناشطين المعارضين، بينهم قيادات مرتبطة بالتحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، ووصلت العقوبات المقررة لبعض المواد القانونية المستخدمة في هذه البلاغات إلى الإعدام أو السجن لفترات طويلة.
وتدور المشاورات الحالية حول معالجة هذه الملفات عبر إلغاء أوامر التوقيف وإسقاط البلاغات المرتبطة بالنشاط والمواقف السياسية السلمية، أو إصدار ترتيبات قانونية تمنع استخدامها لتعطيل مشاركة المعارضين في الحوار.
لكن لم يصدر حتى الآن قرار رسمي شامل بإسقاط هذه التهم، كما لا تزال الكيفية القانونية للتعامل معها محل نقاش، خصوصاً مع وجود تباين بين البلاغات المرتبطة بالمواقف السياسية وتلك التي قد تتضمن اتهامات جنائية أو صلات مباشرة بأطراف مسلحة.
ويمثل تحالف «تأسيس» حالة أكثر تعقيداً، نظراً إلى ارتباطه بقوات الدعم السريع وحلفائها وتشكيله سلطة موازية، مما يجعل الفصل بين المسار السياسي والاتهامات المتصلة بالحرب والانتهاكات مسألة شديدة الحساسية.
الدقير يرفض وصف الخطوة بـ«العفو»
أثار الحديث عن احتمال إصدار عفو رئاسي عن القيادات المعارضة ردود فعل متحفظة داخل تحالف «صمود».
ورفض عمر الدقير، رئيس حزب المؤتمر السوداني والقيادي في التحالف، توصيف معالجة البلاغات السياسية بأنها عفو رئاسي، معتبراً أن معارضة الحرب والدعوة إلى إنهائها بالوسائل السلمية ليستا جريمة تستوجب طلب العفو.
وأكد الدقير أن إلغاء الإجراءات التي يرى أنها اتخذت بدوافع سياسية يجب ألا يقدم باعتباره منحة من السلطة، وإنما تصحيحاً لاستخدام القانون ضد أصحاب المواقف المعارضة. تاق برس
وفي الوقت نفسه، أبدت قيادات في «صمود» استعدادها للتعامل مع أي مبادرة جادة ومستقلة تقود إلى إنهاء الحرب، لكنها شددت على أن الحوار السياسي لا يمكن أن ينجح إذا تحول إلى عملية شكلية لتقاسم المناصب أو شرعنة واقع عسكري قائم.
وترى هذه القوى أن أي عملية سياسية يجب أن ترتبط بمسارات واضحة لوقف الحرب، وحماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، واستعادة وحدة الدولة، بدلاً من الاكتفاء بحوار منفصل عن التطورات العسكرية.
حوار الداخل ورفض «حوارات العواصم»
يركز التوجه الرسمي على أن يكون الحوار «سودانياً-سودانياً» وأن ينعقد داخل البلاد، بعيداً عن الصيغ التي تدار بصورة كاملة من العواصم الإقليمية والدولية.
وتعتبر السلطة أن كثيراً من المبادرات الخارجية السابقة لم تنجح في إنهاء الأزمة، إما بسبب تعدد الوسطاء وتضارب أجنداتهم، أو نتيجة اقتصار المشاركة على مجموعات سياسية محددة دون بقية القوى الاجتماعية والمناطقية.
لكن نجاح حوار الداخل لن يتوقف على مكان انعقاده وحده، بل على مدى استقلال اللجنة التي ستديره، وشمول المشاركين، ووجود ضمانات حقيقية لحرية الرأي والحركة، وعدم إخضاع العملية لموازين القوة العسكرية.
كما تواجه فكرة الحوار تحدياً يتعلق بمشاركة القوى الموجودة في المناطق الخارجة عن سيطرة الجيش، وموقف الحركات المسلحة، وكيفية تمثيل النازحين واللاجئين والنساء والشباب ولجان المقاومة وأسر الضحايا، إلى جانب الأحزاب التقليدية والقوى المدنية الجديدة.
اختبار الجدية
يمثل الخطاب المرتقب، إذا تضمن هذه الإجراءات بالفعل، محاولة لإعادة فتح المسار السياسي بعد سنوات هيمنت خلالها العمليات العسكرية على المشهد السوداني.
لكن الإعلان عن اللجنة لن يكون كافياً لإقناع القوى المتشككة. فالاختبار الحقيقي سيبدأ من طبيعة تكوينها، واستقلال أعضائها، والسلطات الممنوحة لها، ومدى قدرتها على التواصل مع جميع الأطراف من دون استثناءات سياسية مسبقة.
كذلك ستحدد خطوات تهيئة المناخ، وفي مقدمتها وقف خطاب التخوين ومعالجة البلاغات السياسية وضمان سلامة المشاركين، ما إذا كان المشروع يمثل تحولاً حقيقياً نحو التسوية، أم مجرد محاولة لإعادة ترتيب المشهد السياسي تحت مظلة السلطة القائمة.
وفي بلد أنهكته الحرب والانقسام والنزوح والانهيار الاقتصادي، لا يزال الحوار ضرورة يصعب تجاوزها، لكنه لن يتحول إلى طريق للسلام ما لم يضع وقف الحرب وحماية المدنيين ووحدة السودان في مقدمة أولوياته.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات