فساد حرب السودان.. لا أذن سمعت ولا عين رأت
تقرير استقصائي خاص – لقطة AI
في الحروب التقليدية يكون الصراع على الأرض أو السلطة أو الموارد. أما في السودان، فإن الحرب كشفت وجهاً آخر أكثر تعقيداً وأشد خطورة، يتمثل في نشوء اقتصاد حرب ضخم يعمل بعيداً عن الرقابة والمحاسبة، ويستفيد من استمرار النزاع أكثر مما يستفيد من نهايته.
وبينما ينشغل السودانيون بأخبار المعارك والنزوح والانهيار الإنساني، تدور في الخلفية حركة مالية وتجارية واسعة النطاق تشمل عمليات تهريب، ونهب ممتلكات عامة وخاصة، وتجارة وقود وسلع استراتيجية، وتحويلات مالية غير رسمية، وشبكات وساطة وسماسرة راكم بعضهم ثروات ضخمة خلال فترة زمنية قصيرة.
عندما تصبح الحرب سوقاً مفتوحة
تكشف تجارب النزاعات حول العالم أن الحروب لا تخلق الضحايا فقط، بل تخلق أيضاً مستفيدين.
فكلما ضعفت مؤسسات الدولة وتراجعت سلطة القانون، ظهرت شبكات جديدة تبحث عن الربح وسط الفوضى.
وفي السودان، أدى انهيار أجزاء واسعة من الجهاز الإداري والأمني والخدمي إلى فتح المجال أمام أنشطة اقتصادية غير رسمية توسعت بصورة غير مسبوقة.
وأصبح المواطن العادي يدفع ثمن الحرب مرتين؛ مرة عندما يفقد أمنه واستقراره، ومرة أخرى عندما يواجه ارتفاع الأسعار وندرة السلع والخدمات بسبب اقتصاد الفوضى.
الممتلكات المنهوبة.. أين ذهبت؟
من أكثر الملفات إثارة للجدل خلال الحرب قضية نهب الممتلكات الخاصة والعامة.
فقد تحدث آلاف المواطنين عن فقدان منازلهم ومركباتهم ومحتويات أعمالهم التجارية.
كما أظهرت صور ومقاطع فيديو متداولة عمليات تفريغ واسعة لمقار حكومية ومؤسسات وشركات ومنازل في عدد من المناطق المتضررة.
لكن السؤال الذي لا يزال بلا إجابة واضحة:
أين انتهت هذه الممتلكات؟
وكيف تم تسويقها أو نقلها؟
ومن المستفيد النهائي من هذه الشبكات؟
حتى الآن لا توجد بيانات رسمية شاملة توضح حجم الخسائر أو القيمة التقديرية للأصول المفقودة، وهو ما يجعل الملف مفتوحاً أمام المزيد من التحقيقات المستقلة مستقبلاً.
الذهب.. الثروة التي لا تتوقف
رغم الحرب، استمرت أنشطة التعدين التقليدي والذهب في مناطق مختلفة من السودان.
ويرى خبراء اقتصاديون أن الذهب ظل أحد أهم الموارد القادرة على توفير السيولة خلال فترة النزاع.
غير أن غياب الرقابة الكافية في بعض المناطق أثار تساؤلات متكررة حول حجم الإنتاج الحقيقي، ومسارات التصدير، والجهات المستفيدة من العائدات.
ففي أوقات الحروب تصبح الموارد الطبيعية هدفاً اقتصادياً لا يقل أهمية عن المواقع العسكرية.
سماسرة الأزمات
الحروب تخلق طبقة جديدة من المستفيدين.
وهم الأشخاص الذين لا يحملون السلاح بالضرورة، لكنهم يجيدون استثمار الفوضى.
في الأسواق السودانية ظهرت خلال الحرب أنماط جديدة من المضاربة في السلع الأساسية والوقود والنقل والتحويلات المالية.
وفي الوقت الذي كانت فيه آلاف الأسر تكافح لتأمين احتياجاتها اليومية، كان آخرون يحققون أرباحاً استثنائية نتيجة اختلال الأسواق وغياب الرقابة.
الدولة الخاسر الأكبر
الخسارة في هذا المشهد لا تقتصر على الأفراد.
فالدولة نفسها تدفع ثمناً باهظاً.
فكل عملية تهريب، وكل مورد يخرج خارج القنوات الرسمية، وكل نشاط اقتصادي غير خاضع للرقابة، يعني موارد أقل للخزينة العامة وقدرة أضعف على تمويل الخدمات الأساسية وإعادة الإعمار مستقبلاً.
ولهذا فإن تكلفة الفساد في زمن الحرب لا تقاس بالأموال فقط، بل بما يحرم منه ملايين المواطنين من فرص وخدمات وتنمية.
الملف الذي ينتظر الفتح
قد تنتهي المعارك يوماً ما.
وقد تتوقف أصوات المدافع.
لكن ملفات اقتصاد الحرب والفساد المرتبط بها ستبقى من أعقد القضايا التي ستواجه السودان في مرحلة ما بعد الحرب.
فإعادة بناء الطرق والجسور قد تكون أسهل من إعادة بناء الثقة.
أما السؤال الذي سيظل مطروحاً فهو:
كم بلغت كلفة الحرب على السودان؟
وكم بلغت الأرباح التي جناها البعض من وراء معاناة الملايين؟
ذلك ملف لم يُفتح بالكامل بعد، وربما تكشف السنوات القادمة من الحقائق ما هو أكبر مما يتخيله كثير



إرسال التعليق