الأحد، 6 سبتمبر 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

في نيالا.. «الكاش» أغلى من المال نفسه والأسواق تدفع ثمن الانقسام المصرفي

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

في نيالا.. «الكاش» أغلى من المال نفسه والأسواق تدفع ثمن الانقسام المصرفي
💬 تعليق 0

محررو لقطة AI
6 سبتمبر 2026

في أسواق نيالا، لم تعد المشكلة أن أسعار السلع ترتفع فقط. هناك سعر آخر أصبح يسبقها إلى جيب المواطن: سعر الحصول على النقود نفسها.

تشهد عاصمة جنوب دارفور أزمة سيولة متفاقمة انعكست مباشرة على حركة البيع والشراء، وسط ندرة الأوراق النقدية، وتعطل تطبيق «بنكك» خلال فترات من النهار، وتراجع نشاط مراكز التحويل المالي بعد تعرض عاملين فيها لمضايقات واعتقالات، وفق إفادات تجار ومواطنين لـ«دارفور24». والنتيجة سوق تتوفر فيها بعض السلع، لكن القدرة على شرائها تتراجع لأن الوصول إلى وسيلة الدفع نفسها أصبح مكلفًا ومعقدًا. 

الأرقام تكشف حجم التشوه بصورة أوضح.

بحسب الأسعار التي رصدها التقرير، بلغ سعر جوال السكر نحو 295 ألف جنيه عند الدفع نقدًا، مقابل 385 ألفًا عبر تطبيق بنكك. أما جوال الدقيق زنة 25 كيلوغرامًا فبلغ نحو 117 ألف جنيه نقدًا مقابل 150 ألفًا بالتحويل المصرفي. وارتفعت عمولة تحويل الرصيد الموجود في «بنكك» إلى أوراق نقدية إلى نحو 24–25%

هذا ليس مجرد غلاء.

إنه عمليًا ظهور سعرين للجنيه السوداني داخل المدينة نفسها.

عندما يصبح الألف جنيه ليس ألفًا

في الظروف الطبيعية، يفترض أن تساوي ألف جنيه في الحساب المصرفي ألف جنيه نقدًا.

لكن عندما يحتاج صاحب الألف الإلكتروني إلى خسارة ربع قيمته تقريبًا للحصول على أوراق نقدية، تتغير وظيفة العملة نفسها.

فالمواطن الذي يملك 100 ألف جنيه في حسابه قد لا يستطيع تحويلها فعليًا إلى أكثر من نحو 75 أو 76 ألف جنيه نقدًا بعد احتساب عمولة تصل إلى 24 أو 25%.

وهكذا لم تعد المفاضلة في السوق بين سلعة رخيصة وأخرى غالية، بل بين نوعين من المال نفسه.

التاجر أحمد الزين قال لـ«دارفور24» إن شح السيولة وتوقف «بنكك» خلال فترات نهارية دفعا المواطنين إلى العزوف عن البيع والشراء، وأديا إلى ركود الأسواق رغم توفر المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية في المتاجر. 

هذه مفارقة اقتصادية شديدة القسوة:

السلعة موجودة، والمشتري قد يملك المال في حسابه، ومع ذلك لا تتم الصفقة.

لماذا وصل السكر إلى سعرين؟

الفارق بين 295 ألف جنيه نقدًا و385 ألفًا عبر «بنكك» يصل إلى 90 ألف جنيه في الجوال الواحد.

وفي الدقيق يبلغ الفارق 33 ألفًا.

لا يعني ذلك بالضرورة أن التاجر يحقق ربحًا إضافيًا بهذه القيمة. فالتاجر الذي يتلقى أمواله إلكترونيًا قد يحتاج بدوره إلى تحويل جزء منها إلى نقد لدفع تكاليف لا تقبل التحويل، فيتحمل العمولة نفسها ثم يضيفها إلى السعر.

وهكذا تنتقل تكلفة السيولة من شخص إلى آخر حتى تصل في النهاية إلى المستهلك.

كل حلقة تريد «الكاش».

وكلما أصبح الكاش أندر، ارتفع ثمنه.

مراكز التحويل تتراجع

كانت مراكز التحويلات المالية غير الرسمية تؤدي دورًا أساسيًا في سد الفجوة بين الأموال الإلكترونية والنقد.

لكن التقرير يقول إن عددًا منها توقف عن العمل بعدما تعرض العاملون فيها لمضايقات واعتقالات، فيما أصبحت خدمات تحويل «بنكك» إلى نقد متاحة أحيانًا عبر العلاقات والمعارف فقط. 

والأغرب أن بعض العاملين في هذا السوق، وفق الإفادات المنشورة، أصبحوا يطلبون الدولار مقابل توفير الجنيه السوداني نقدًا، ويرفضون رصيد «بنكك». 

وهنا تصل الأزمة إلى مرحلة مختلفة.

عندما يصبح الدولار أكثر قبولًا من رصيد مصرفي بالجنيه للحصول على أوراق الجنيه نفسها، فإن الأمر يعكس تراجعًا في الثقة بقدرة النظام المصرفي المتاح على تحويل الرصيد الرقمي إلى سيولة عند الطلب.

قرار من الخرطوم يصل أثره إلى مدينة بلا بنوك

هناك عامل آخر فاقم القلق: تحديث البيانات المصرفية.

كان بنك السودان المركزي قد ألزم المصارف بتحديث بيانات العملاء ضمن إجراءات رقابية تتعلق بسلامة الحسابات ومتطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وبعد المخاوف والازدحام، مدد البنك رسميًا فترة التحديث حتى 31 ديسمبر 2026

من حيث المبدأ، تحديث بيانات العملاء إجراء مصرفي طبيعي.

لكن المشكلة في دارفور وكردفان هي الجغرافيا التي صنعتها الحرب.

فروع كثيرة للمصارف توقفت منذ اندلاع القتال، بينما يعتمد السكان في مناطق واسعة على التطبيقات والتحويلات باعتبارها واحدة من الطرق القليلة المتبقية لاستقبال الأموال وتحريكها. وكانت المخاوف من صعوبة استكمال الإجراءات قد ظهرت منذ إعلان القرار، خصوصًا لدى العملاء الذين لا توجد بالقرب منهم فروع مصرفية عاملة. 

والبنك المركزي حاول لاحقًا معالجة جزء من المشكلة، فنص تعميمه المعدل على استخدام «الآليات المناسبة» لتحديث بيانات العملاء الموجودين في الخارج، كما أعلن أن العمل جارٍ لاستخدام الهوية الرقمية SudaPass في التحديث. 

لكن بالنسبة إلى نيالا، المشكلة الراهنة أكثر إلحاحًا من المهلة الزمنية.

السوق يحتاج إلى سيولة اليوم.

اقتصاد واحد.. ونظامان ماليان

الحرب لم تقسّم السودان عسكريًا فقط.

بدأت أيضًا تنتج مناطق تعمل فيها أدوات مالية مختلفة وبدرجات مختلفة من القبول.

بنك السودان المركزي نفسه موجود ويصدر قراراته من المناطق التي تسيطر عليها الحكومة، بينما خرجت غالبية المصارف التقليدية من أجزاء واسعة من دارفور وكردفان بفعل الحرب. وتقول «دارفور24» إن محاولات معالجة أزمة السيولة في مناطق سيطرة الدعم السريع، بما فيها إنشاء «مصرف المستقبل» وافتتاح فروع له، لم تنهِ المشكلة. 

وهذا يجعل أزمة نيالا أكثر من قصة عن تعطل تطبيق.

إنها واحدة من العلامات على تفتت المجال النقدي السوداني.

فالعملة يفترض أن تؤدي ثلاث وظائف أساسية: وسيلة للدفع، ووحدة لقياس الأسعار، ومخزنًا للقيمة.

عندما يختلف سعر السلعة وفق ما إذا كانت الجنيهات ورقية أم إلكترونية، تبدأ الوظيفة الأولى والثانية في الاختلال معًا.

ومن يدفع الفارق؟

ليس الجميع قادرًا على التعامل مع أزمة السيولة بالطريقة نفسها.

التاجر الكبير يستطيع توزيع خسارة العمولة على عدد أكبر من السلع.

صاحب مركز التحويل يستطيع رفع النسبة.

ومن يملك الدولار يستطيع التفاوض.

أما الموظف أو الأسرة التي تستقبل تحويلًا من أحد أبنائها عبر «بنكك» لتشتري به الغذاء، فغالبًا لا تملك هذه الخيارات.

إذا وصلت إليها 200 ألف جنيه ثم خسرت ربعها تقريبًا للحصول عليها نقدًا، فقدت نحو 50 ألف جنيه قبل أن تدخل السوق أصلًا.

وبعد ذلك تواجه أسعارًا ترتفع يوميًا.

وهنا تتحول أزمة مصرفية تبدو تقنية إلى أزمة معيشية مباشرة.

ليست أزمة نقص سلع.. وهذا ما يجعلها أخطر

التفصيل الأكثر دلالة في شهادة تجار نيالا أن الأسواق لا تعاني بالضرورة من اختفاء كامل للسلع.

هناك عرض.

لكن الطلب يتراجع.

وهذا يعني أن السوق قد تدخل في حالة ركود غريبة: التجار لديهم بضائع لا تتحرك، والمواطنون يحتاجون إليها لكنهم عاجزون عن تحويل ما لديهم من قيمة مالية إلى قوة شرائية كاملة.

إذا استمر الوضع، ستكون له نتيجة ثانية.

التاجر الذي لا يبيع لن يستطيع إعادة تكوين مخزونه بسهولة.

وعندها يمكن أن تنتقل الأزمة من شح المال إلى شح السلع.

المشكلة أعمق من «بنكك»

من السهل اختزال الأزمة في تعطل تطبيق بنك الخرطوم.

لكن ذلك يفوّت جوهر المشكلة.

«بنكك» أصبح مهمًا إلى هذه الدرجة تحديدًا لأن أجزاء واسعة من النظام المصرفي التقليدي خرجت من الخدمة.

ولهذا عندما يتعطل التطبيق، تظهر هشاشة البديل الوحيد تقريبًا.

الحل المستدام يحتاج إلى أكثر من إعادة تشغيل خدمة إلكترونية: يحتاج إلى شبكة مصرفية تستطيع إصدار النقد وتوزيعه، وإتاحة السحب والإيداع، وربط التحويل الإلكتروني بالعملة الورقية من دون أن يدفع المواطن ربع أمواله للحصول عليها.

الجنيه الذي انقسم على نفسه

الحروب تخلق أسعارًا مختلفة للغذاء والوقود والمواصلات بين مدينة وأخرى.

لكن المرحلة الأخطر تبدأ عندما تخلق أسعارًا مختلفة للنقود نفسها.

ما يحدث في نيالا اليوم يقدم نموذجًا مصغرًا لما يمكن أن يفعله استمرار الانقسام المالي بالسودان.

295 ألفًا للسكر إذا دفعت ورقًا.

385 ألفًا إذا دفعت من حساب مصرفي.

وعمولة تقارب الربع كي تحول الثاني إلى الأول.

هذه ليست مجرد أرقام في سوق محلي. إنها إشارة إلى أن الحرب بدأت تمس واحدة من أكثر مؤسسات الدولة حساسية: الثقة في أن الجنيه هو الجنيه أينما كان وبأي صورة حُفظ.

وإذا لم تُستعد هذه الثقة، فإن إعادة توحيد الاقتصاد بعد الحرب قد تكون أصعب بكثير من إعادة فتح فرع بنك أو تشغيل تطبيق.

في نيالا، لا يسأل المواطن اليوم فقط: كم سعر السكر والدقيق؟ بل أصبح عليه أن يسأل قبل ذلك سؤالًا لم يكن ينبغي أن يكون موجودًا أصلًا: بأي جنيه سأدفع؟

لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد. 

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً