محررو لقطة AI
6 سبتمبر 2026
وصل المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو، إلى الخرطوم في زيارة تتجاوز في توقيتها فكرة المشاورات الدبلوماسية المعتادة. فالرجل دخل العاصمة بينما تتسع رقعة المواجهات العسكرية في النيل الأزرق، وتتحرك تعزيزات كبيرة نحو كردفان ودارفور، وفي الوقت نفسه تستعد الآلية الخماسية للوصول إلى الخرطوم في 8 سبتمبر لمناقشة المسار السياسي والحوار السوداني-السوداني.
وقبل وصوله، فتح هافيستو قناة اتصال مع الطرف الآخر في الحرب، إذ أجرى الخميس محادثة هاتفية مع قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي»، ناقش خلالها خفض التصعيد وحماية المدنيين. ثم بدأ لقاءاته في الخرطوم السبت باجتماع مع حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي.
وهنا تكمن دلالة الزيارة: الأمم المتحدة تحاول، في لحظة واحدة، الإمساك بخيطين شديدي التعقيد — إيقاف التصعيد العسكري، وتهيئة مساحة لمسار سياسي لا يزال السودانيون أنفسهم مختلفين حول شكله ومن يحق له الجلوس إلى طاولته.
مهمة تبدأ بينما الجبهات تتحرك
قالت الأمم المتحدة إن هافيستو سيجري مشاورات مع الأطراف الرئيسية بشأن الخطوات الممكنة لخفض التصعيد وتعزيز حماية المدنيين.
لكن الميدان الذي يصل إليه المبعوث ليس هادئًا.
القتال في إقليم النيل الأزرق أدى إلى موجات نزوح من قيسان والكرمك ومناطق مجاورة، بينما دفع الجيش وقوات الدعم السريع بتعزيزات إلى مناطق في كردفان ودارفور والمثلث الحدودي في أقصى شمال غرب السودان.
وهذا يجعل عبارة «خفض التصعيد» أكثر من مصطلح دبلوماسي.
السؤال هو ما إذا كان هافيستو يحمل معه تصورًا يمكن أن يتحول إلى تدابير عملية على الأرض: وقف هجمات في جبهة بعينها، ترتيبات لحماية المدنيين، فتح ممرات إنسانية، أو التزام بعدم استهداف مناطق محددة.
حتى الآن لم تعلن الأمم المتحدة عن اتفاق من هذا النوع.
ولهذا فإن الزيارة ينبغي قراءتها كبداية اختبار، لا باعتبارها اختراقًا تحقق بالفعل.
اتصال بـ«حميدتي» قبل الوصول
من أكثر تفاصيل التحرك الأممي أهمية أن هافيستو لم ينتظر وجوده في الخرطوم لبدء اتصالاته.
المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك أكد أن المبعوث تحدث هاتفيًا الخميس مع قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي» بشأن خفض التصعيد وحماية المدنيين.
وقال دوجاريك إن الأمم المتحدة تواصل التأكيد على ضرورة التوصل إلى تسوية تفاوضية تعكس التطلعات الديمقراطية للشعب السوداني.
الاتصال يحمل رسالة واضحة: الأمم المتحدة تتعامل مع إنهاء الحرب باعتباره مسارًا يستحيل بناؤه عبر طرف عسكري واحد.
لكن هذه المقاربة تفتح في الوقت نفسه بابًا سياسيًا حساسًا.
فأي عملية تتواصل فيها الأمم المتحدة مباشرة مع الجيش والدعم السريع ستواجه سريعًا سؤالًا آخر: هل تتحول المفاوضات إلى تسوية بين طرفي الحرب، أم تكون مجرد مدخل إلى عملية سودانية أوسع؟
وهذا تحديدًا هو الاعتراض الذي وضعه مناوي على الطاولة.
مناوي: السودان أكبر من طاولة لطرفين
خلال لقائه بهافيستو، قال مني أركو مناوي إن الحوار هو الطريق الأفضل للخروج من الحرب، لكنه وضع شروطًا واضحة.
الحوار، بحسب مناوي، يجب أن يكون سودانيًا شاملًا، وألا يُفرض من الخارج، وألا يُختزل في طرفين، لأن مستقبل البلاد «أكبر من أن تحدده طاولة تجمع طرفين».
هذه العبارة ليست مجرد موقف من طريقة إدارة اجتماع.
إنها تكشف إحدى العقد الأساسية في أي تسوية مقبلة.
الحرب تُخاض عسكريًا بصورة رئيسية بين الجيش والدعم السريع، لكن السودان السياسي أكبر بكثير من الطرفين: قوى مدنية، حركات مسلحة، مجموعات سياسية، مجتمعات محلية، نازحون ولاجئون ومكونات اجتماعية تملك مطالب ومخاوف مختلفة.
وإذا كان وقف إطلاق النار يحتاج بالضرورة إلى تفاوض مع من يحمل السلاح، فإن بناء النظام الذي يأتي بعد الحرب لا يمكن أن يكون اتفاقًا عسكريًا ثنائيًا فقط.
هذه هي المسافة التي تحاول الدبلوماسية الدولية عبورها.
دارفور حضرت بقوة
مناوي لم يحصر النقاش في المسار السياسي.
قال إن اللقاء تناول الوضع الإنساني في السودان ودارفور وضرورة وصول المساعدات من دون عوائق، وحماية المدنيين، وقضايا النزوح والعدالة والمواطنة والتنمية وإعادة الإعمار وعودة اللاجئين والنازحين في ظروف آمنة.
كما نوقشت مشكلة إيصال امتحانات الشهادة السودانية إلى الطلاب اللاجئين في تشاد.
وقد يبدو ملف الامتحانات صغيرًا إلى جوار الحرب، لكنه يعكس شيئًا أعمق: الحرب لم تعد تقطع الطريق أمام الغذاء والدواء فقط، بل بدأت تقطع مسارات التعليم ومستقبل جيل كامل من السودانيين الموجودين خارج البلاد.
الثامن من سبتمبر.. الموعد الأهم
المرحلة الأكثر أهمية في زيارة هافيستو قد لا تكون لقاءاته الحالية.
فبحسب المعلومات المنشورة، يُنتظر وصول بقية ممثلي الآلية الخماسية إلى الخرطوم في 8 سبتمبر. وتضم الآلية الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية «إيغاد» وجامعة الدول العربية.
ومن المقرر أن تنضم هذه الجهات إلى المشاورات مع الأطراف السودانية، مع التركيز على المشهد السياسي والمبادرات المطروحة لدفع الحوار السوداني-السوداني.
وهذا يجعل زيارة هافيستو أشبه بمرحلة تمهيدية قبل اختبار أكبر.
فالخماسية لا تدخل فراغًا سياسيًا.
هناك مبادرات داخلية للحوار، وتباينات بين القوى السودانية حولها، ومواقف متباينة من الدور الدولي نفسه.
وبالتالي فإن السؤال لن يكون فقط: هل يبدأ الحوار؟
بل: أي حوار؟ ومن يديره؟ ومن يشارك فيه؟ وما علاقته بوقف الحرب؟
وقف النار أم العملية السياسية أولًا؟
هذه واحدة من المعضلات التي رافقت معظم المبادرات بشأن السودان.
هناك من يرى أن الأولوية المطلقة هي وقف الحرب أولًا، ثم الانتقال إلى السياسة.
لكن التجربة السودانية منذ اندلاع القتال في أبريل 2023 أظهرت أن وقف إطلاق النار من دون أفق سياسي يمكن أن يتحول إلى هدنة قصيرة يعيد خلالها الطرفان ترتيب قواتهما.
وفي الاتجاه الآخر، يصعب بناء حوار سياسي جاد بينما تتحرك الجبهات وتتسع مناطق النزوح.
ولهذا يحاول التحرك الأممي الحالي الجمع بين المسارين: خفض التصعيد وحماية المدنيين من جهة، والحوار السياسي من جهة أخرى.
نجاح هذه المعادلة لن يقاس بعدد الاجتماعات التي يعقدها هافيستو في الخرطوم.
سيُقاس بما إذا كان أي منها سينتج التزامًا يمكن رؤيته على الأرض.
الخرطوم نفسها تحمل رسالة
هناك أيضًا دلالة في المكان.
أن تتحول الخرطوم مرة أخرى إلى محطة لاجتماعات دولية رفيعة المستوى بعد سنوات من الحرب والدمار يعني أن الأطراف الدولية بدأت تختبر إعادة العاصمة إلى مركز النشاط الدبلوماسي المتعلق بالسودان.
لكن ذلك لا يعني أن مركز الأزمة عاد إلى الخرطوم وحدها.
فالحرب تحركت إلى أطراف أخرى، خصوصًا كردفان والنيل الأزرق ودارفور.
وهذه مفارقة مهمة:
الدبلوماسية تعود إلى الخرطوم بينما الجبهات تبتعد عنها.
لذلك سيكون من الخطأ قياس نجاح الزيارة بهدوء العاصمة. المعيار الحقيقي هو ما إذا كان أثر المحادثات يصل إلى قيسان والكرمك وكردفان ودارفور والمناطق التي يتحمل فيها المدنيون الكلفة المباشرة للحرب.
ما الذي ينبغي مراقبته الآن؟
المحطة الحاسمة ستكون اجتماعات 8 سبتمبر.
إذا اقتصرت على تبادل المواقف وإعادة إعلان الدعوات القديمة إلى الحوار، فلن يكون هناك تحول حقيقي.
أما إذا خرجت منها صيغة واضحة لخفض التصعيد، أو آلية لحماية المدنيين وإيصال المساعدات، أو إطار متفق عليه للعملية السياسية، فسنكون أمام تطور مختلف.
والأهم سيكون موقف طرفي الحرب.
الاتصال بـ«حميدتي» يفتح قناة.
والوجود في الخرطوم يفتح قنوات أخرى.
لكن وجود القنوات شيء، واستعداد الأطراف لتقديم تنازلات شيء آخر تمامًا.
بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، لا يعاني السودان نقصًا في المبادرات بقدر ما يعاني نقصًا في الاتفاقات التي تتجاوز غرف الاجتماعات وتصل إلى الميدان.
ولهذا فإن زيارة هافيستو لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها بداية سلام لم يبدأ بعد، ولا باعتبارها جولة بروتوكولية بلا معنى. قيمتها الحقيقية أنها تسبق محاولة جديدة لجمع المسار الأممي والأفريقي والعربي والأوروبي في لحظة تتسع فيها الحرب عسكريًا.
في 8 سبتمبر سيظهر الاختبار الأول: هل تستطيع الخماسية أن تحول تعدد الوسطاء إلى ضغط موحد من أجل السلام، أم يضيف السودان طاولة جديدة إلى قائمة طويلة من الطاولات التي سبقتها الحرب إلى الميدان؟
لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات